كثيرًا ما تتردّد عبارة “إعادة الإعمار” في سورية، بعد تلك الأعوام من عملية الإبادة التي شنّها نظام الأسد ضدّ السوريين الذين خرجوا مطالبين بالحدود الدنيا من حقوقهم الأساسية المتمثلة بحقهم في الحياة بكرامة وحرية؛ فكانت عاقبة ذلك تدمير البلاد وتحويلها إلى مقابر وأنقاض ومخيمات ومشردين، واستدعاء الدول الأجنبية وميليشياتها التي استباحت البلاد وأحرقتها، مقابل الحفاظ على “سيادة” وحكم الأسد، وهو ما مهّد في النهاية لتحويل سورية إلى “كعكة” على طاولة الفاعلين الدوليين.

ومن المهمّ أن ننبّه إلى أن إعادة الإعمار لا تعني -بدلالتها الواسعة- إعادة إعمار البنى التحتية المدمّرة، وبيوت الناس، فحسب، بل تعني أيضًا إعادة بناء مؤسسات البلاد على أسس قانونية وسياسية واضحة تقوم على احترام حق البشر في الحياة ومشاركتهم في صنع مصيرهم.

بخصوص سورية، ثمة سؤال أوّلي يستدعي إجابة واضحة، وهو هل المطلوب إعادة الإعمار أم البناء من جديد؟!

قبل عرض الإجابة، لا بدّ من شيء من التقديم للمسألة، حيث إن سورية التي كنا نعيش على أراضيها، المحددة جغرافيًا بالحدود التي خلّفها لنا الاستعمار الفرنسي منتصف القرن الماضي، لم تعرف أيّ نمطٍ من المؤسسات التي تقوم عليها الدولة، فكلّ مقومات الدولة، كالدستور والبرلمان والأحزاب والجيش والأمن والقضاء وغير ذلك من الهياكل والمؤسسات، ليست معروفة لدى السوريين إلا بحالة صوريّة جوفاء فارغة من أي معنى (اللهم إذا استثنينا فترة قصيرة في أواسط الخمسينيات)، وما كان قائمًا في سورية هو سلطات عسكرية (أكثر رؤساء سورية ينحدرون من الجيش) دربّها المستعمر وأعدّها، وكانت خير خلف له، ومارست دورها كأنها قوى احتلال حقيقي، حيث قامت ببناء هياكل لحماية تلك السلطات ودعم استمرارها، ولم تفكر مطلقًا في بناء الدولة ومؤسساتها، وقد جعلت تلك السلطات، كما فعل المستعمر من قبلها، العسكرةَ الحقلَ الوحيد لممارسة السياسة.

لربّما يجادل البعض بأن الدولة كانت قائمة، وأنها كانت مستوفية شروطها المعروفة في علم الاجتماع السياسي: (الأرض والشعب والسلطة)! وبغضّ النظر عن أن السلطات السورية القائمة لم تستوفِ حتى شروط هذا المثلث، وأن أضلاعه الثلاثة تفتقر إلى التماسك خارج إطار القسر الأمني، علينا أن نرى أن هناك غيابًا تامًا لأهمّ عنصر في بناء الدولة، وهو العلاقة بين السلطة والجمهور القائمة على الرضا والقبول، وهذا ما لم تشهده سورية يومًا، إذ إن تلك العلاقة التي كانت سائدة في سورية تقوم على الإذعان والاستعباد، وكلّ الحقوق المشروعة مرهونة بيد الطرف الأول: السلطة، ويجب على الطرف الآخر (الجمهور) الإذعان والخضوع والسمع والطاعة!! ولا شك في أن هذا الأمر يُفقد أي سلطة شرعيتها، ويجعل عملية بناء الدولة عملية كاريكاتورية فارغة من أي معنى.

هذا بالأمس، أمّا اليوم، بعد أن حوّل النظام الأسدي سورية، جغرافيًا وسياسيًا، إلى قطع متناثرة تحكمها قوات أجنبية عدة مع وكلاء لها، ضاربين عرض الحائط بطموحات السوريين وتطلّعاتهم، فقد باتت الحاجة إلى بناء سورية من جديد ضرورةً لا بديل عنها، قبل التخطيط لإعادة إعمارها، حيث لا يمكن البناء على أسس هشة ضعيفة، تعيد إنتاج العمارة السلطوية المقيتة ذاتها! وما تستلزمه عملية البناء أولًا هو تجميع الأراضي السورية الموزعة بين قوى النفوذ القائمة، وهذا الأمر يحتاج إلى جهد طويل وشاق، لم يعد السوريون بمفردهم قادرين على القيام به، وبات من الضروري تدخّل الأمم المتحدة لتقديم المساعدة القانونية (الشرعية) وفق مواثيق الأمم المتحدة وصلاحيات مجلس الأمن، لنشر قوات دولية تحت إشرافها، وتعيين سلطة حكم انتقالي من شخصيات وطنية غير متورطة بالدم السوري، تكون بديلًا لنظام الأسد، وتعمل وفق إعلان دستوري مؤقت، وتكون أولى مهماتها نزع السلاح من يد كل العصابات والميليشيات التي جلبها أو جنّدها نظام الأسد، إضافة إلى باقي الفصائل والميليشيات الأخرى (كونها شكلت دويلات ومقاطعات وحتى اقتصادات خاصة بها)، والبدء بتشكيل نواة جديدة عسكرية متماسكة من هذه التشكيلات مع استبعاد القادة المجرمين، وفق أسس مهنية واضحة، وتكون مهمتها بسط الأمن في البلاد (ينبغي علينا ألا نكرر تجربة حلّ الجيش، قبل تكوين بديل عنه، كما فعل الاحتلال الأميركي في العراق عام 2003)، ومن ثَمّ تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات حرة ونزيهة خاضعة للمراقبة، تنبثق عنها هيئة تأسيسية تشرف على عملية بناء الدولة، دولة القانون التي تقيم علاقتها مع الجمهور على أسس قانونية محايدة. ولا شك في أن هذه العملية صعبة، لكنها ليست مستحيلة، وهي الأساس لبناء الدولة.

تشمل عملية البناء، بعدئذٍ، كتابة دستور جديد وطرحه على السوريين للاستفتاء، وبناء الجيش السوري الجديد على أسس مهنية، بالاستفادة من خبرة الضباط السابقين غير المتورطين بالجرائم، وبمساعدة دولية، وتكون مهمته حماية الدولة والشعب من أي عدوان وتعديات (حتى إن كانت من السلطة المنتخبة ذاتها)، وبناء جهاز أمني موحد، يساعد في تحقيق الأمن والاستقرار اللازمين لحياة الناس بحرية وكرامة وممارسة أنشطتهم المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا أمرٌ يجب ألا تعوقه ترتيبات تقاسم السلطة التي عانى السوريون كثيرًا حالةَ الاختلافات حولها، وينبغي عليهم ألا يكرروا فشل تشكيلات المعارضة وانقساماتها.

النقطة المهمة بعد ذلك هي السعي لبناء المصالحة الحقيقية بين السوريين. وقد تكون هذه المهمة من أصعب المهمات، لكنها أكثرها ضرورة، كي تكون هناك حالة تعاون بين السوريين لبناء بلدهم ودولتهم بناءً قويًا، وخاصة بعد عمليات القتل المنهجي التي ارتكبها نظام الأسد، وحشره لأتباعه، ولا سيّما من الطائفة العلوية، ووضعهم أمام خيار وجودي مرتهن ببقائه، إضافة إلى دور الدول المتصارعة في تحويل صراعاتها السياسية القائمة على المصالح، إلى صراع هويات قاتل بين السوريين، فضلًا عن دور التنظيمات الجهادية التي وظفت مظلوميات السنّة في صنع خطاب طائفي.

وأول شروط المصالحة هو تحقيق العدالة للسوريين، بدءًا من الإفراج عن المعتقلين السياسيين كافة، والكشف عن مصير المفقودين، ومحاكمة المجرمين الكبار المتورطين في ارتكاب جرائم إبادة، وتعويض جميع المتضررين، وثانيًا عودة اللاجئين والمهجرين إلى ديارهم، مع إعادة ممتلكاتهم المصادرة من دون قيد أو شرط، وثالثًا، فتح الحوارات المجتمعية تحت إشراف المنظمات الدولية، بغية التخفيف من حدة الاحتقان. وهناك تجارب سابقة في تحقيق العدالة، ويمكن أن يستهدي بها السوريون (لأن المظلوميات كثيرة، وهي لدى كل الأطراف، ومنها ما هو حقيقي ومنها ما هو متخيّل)، كما يمكن الاستفادة من تجارب سابقة عديدة، تتقاطع مع الحالة السورية، كتجربة يوم “فتح مكة”، عندما خاطب الرسول (ص) قبيلة قريش، بقوله: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. وكذلك تجربة جنوب أفريقيا، عندما قرر الزعيم نيلسون مانديلا -مخالفًا رأي قيادة حزبه- العفوَ عن المجرمين بحق أبناء بلده السود. وهنا يكمن معنى التسامح، كخطوة على طريق تحقيق العدالة، حيث يشكّل مقدّمة ضرورية لبناء وطنية حقيقية. ولا شكّ في أن عملية التسامح تحتاج إلى وعي كبير بضرورة تجاوز الماضي، وبأهمية العمل من أجل المستقبل.

وفي هذا السياق، من حق السوريين أن يطالبوا بمحاكمة المجرمين، وفي مقدمتهم رأس النظام، وهذا أمرٌ ضروري، أما طرح قضية محاكمة كلّ من تورط في دماء السوريين، فهي قضية كبرى، وتحتاج إلى عشرات السنين، ولها تداعيات كبرى حتى على عمليات المصالحة وبناء الهوية الوطنية، بما تستدعيه من تخوفات لدى الأفراد الذين شاركوا في عمليات القتل والتعذيب، ولربما يكون تجريد هؤلاء القتلة من مناصبهم، ومصادرة ما سلبوه من أموال الناس والاستفادة منها في إعمار البلد، وحرمانهم من امتيازاتهم السابقة، أحدَ أشكال القصاص.

إن المصالحة الحقيقية والدائمة عملٌ شاقٌ يستدعي الاستمرارية، وهي تترافق مع الجهود اليومية المستمرة لإصلاح البنية التحتية وإعادة بناء المساكن، والتعاون في الأنشطة الإنتاجية الأخرى، وإنشاء المؤسسات الوطنية، ومراقبة الانتخابات، وتعزيز حقوق الإنسان، وكل ما يعزز عمليات الانتقال الديمقراطي التي توفر الفرصة للجميع في المشاركة والوصول إلى الحقوق، وتوفير برامج إعادة الإدماج والتأهيل، فضلًا عن تهيئة الظروف لاستئناف عملية التنمية، وهي أمور تساعد في التخفيف من حدة التوترات القائمة على أسس طائفية وعرقية.

بعد ذلك، يصبح الالتفات إلى المجال الاقتصادي مهمًا ومجديًا. وأول ما يستدعيه النشاط الاقتصادي في البلاد هو تخليص ذلك القطاع المهم من نظام المحسوبيات، ومن فرض الإتاوات القسرية على الصناعيين والتجار ومختلف أشكال الفعاليات الاقتصادية الأخرى، ومن ثم الالتفات نحو بناء البنى التحتية المدمّرة في أغلب المدن، وإعادة تزويدها بالخدمات الضرورية، لتفعيلها وانطلاقتها (كهرباء، مياه، صرف صحي، اتصالات)، بشكل يرفع مستوى إنتاجها، ويوفر فرص تشغيل كبيرة، والسعي لبناء مدن صناعية في الأرياف، بقصد تنميتها والحد من الهجرة نحو المدن، والاهتمام الجدي بقطاع الزراعة، كونه مصدرًا لقوت قسم كبير من الشعب وموردًا مهمًا للبلاد، وبناء المصانع الغذائية المحلية تبعًا لزراعة كل منطقة.

ليس هناك نمط واحد ومحدد لإعادة بناء الثقة والتماسك الاجتماعي وبناء الدول، والاستعانة بالأمم المتحدة في حالة بلدنا ليست غريبة، بل هي ضرورية، نتيجة لحالة التمزق المرعب الذي تعيشه البلاد. فالشعوب تبتكر الوسائل القانونية والعرفية التي يمكن من خلالها اتخاذ الإجراءات اللازمة لبناء دولةٍ لا مكان فيها للإجرام والقتل والتشريد، لبناء دولة القانون التي توفر للناس حرية اختيار النظام السياسي الذي يرتضونه، وتفتح الطريق أمام بناء هوية وطنية حقيقية، وحالة تنمية توفر سبل عيش تضمن كرامة الناس.

إن الإعمار يجب أن يشمل إجراء التحوّل الديمقراطي ودعم أسس التنمية وإزالة أسباب الانهيار، ولذلك ينبغي له أن يقوم على أُسس قوية ومتينة تصمد أمام ما يعترضها من صعوبات.