تمر في الأول من حزيران/ يونيو الذكرى الخامسة عشرة لاغتيال الشيخ معشوق الخزنوي، الصوت الإسلامي التنويري الذي لعب دورًا كبيرًا في تجديد الفكر الديني، وتخليصه من شوائب التطرّف ورواسب الفكر السلفي الجهادي الذي بدأ منذ نهايات القرن الفائت يغزو الإسلام الشامي المعروف بالوسطية والاعتدال.

على عكس معظم رجال الدين الذين برزوا أواخر الألفية الراحلة ومطلع الألفية الجديدة، كان معشوق الخزنوي لا يخشى أن يقف نسيج وحده. فكان لا يتردّد في الدفاع عن العلمانية والديمقراطية والحريات الأساسية، وفصل الدين عن الدولة، وتمكين المرأة وحقوق الإنسان.

وكان في ذلك بحق ظاهرة استثنائية بين رجال الدين السوريين. وقد رأى فيه كثيرون الخلفَ الأبرز للراحلين المصري علي عبد الرازق واللبناني صبحي الصالح، وللعالم السوري الجليل جودت سعيد، أطال الله عمره.

شرفني الشيخ معشوق الخزنوي بصداقته، منذ عام 2002 حتى قُبيل اختطافه بأيام، في العاشر من أيار/ مايو 2005. وسحرني الرجل بدماثته ولطفه وسعة اطلاعه وعمق معرفته. يقال إنّ لكل امرئ من اسمه نصيبًا، وينطبق ذلك أكثر ما ينطبق على الشيخ معشوق الذي كان رجلًا محبوبًا فعلًا، يصعب أن تلتقيه وتمرّ به مرور الكرام، فلا يترك في نفسك أثرًا ورغبة في أن تلتقيه ثانية وثالثة.

ولكن ما الذي جرى بين العاشر من أيار/ مايو، والأول من حزيران/ يونيو 2005؟

في العاشر من أيار/ مايو، خرج الشيخ معشوق من مكتبه ولم يعد. كان قد ألقى قبل أسابيع (في 8 نيسان/ أبريل 2005) كلمة في تأبين أحد الناشطين الكرد الذين قتلهم نظام الأسد قبل سنة، قال فيها: “إننا عازمون أن نحيي من أمتّموهم وعازمون أن نبني ما هدمتموه، وعازمون أن نعمّر ما خربتموه، وإن فرهادَ وأمثاله سيكونون حبّاتنا التي ستُنبتُ سبعَ سنابل، في كل سنبلة مئة حبة”، محذّرًا أن “نساءنا سيلدن آلافًا أمثال فرهاد، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون”. وقد تكون هذه هي القشّة الأخيرة، ولكن الأجهزة كانت تراقب الرجل منذ فترة طويلة، ولم تكن شعبيته بين الكرد والعرب، وبين المتدينين والعلمانيين، تروق لها، كما لم يرق لها أيضًا الاهتمام الذي تلقاه الرجل من الإعلام الغربي والدبلوماسية الغربية عمومًا.

وفي الأول من حزيران/ يونيو، سلّمت الأجهزة جثمان الشيخ الخزنوي، متهمّة بعض أفراد عائلته باختطافه وقتله. لا أعلم شخصيًا هل كان النظام يريد تصفية الرجل أم أن أحد الضبّاط تورّط في تعذيبه، ثمّ هال رؤساءه حجمُ الاحتجاج الشعبي والحقوقي والدولي الذي حظي به اختفاء الشيخ، فقتلوه ليخفوا الحقيقة!

بالنسبة إلي، كان هنالك سبب أكثر أهمية لإسكات الخزنوي، فالنظام والمؤسسة الدينية التابعة له لم يكونا يريدان صوتًا تنويريًا حقيقيًا، يقضّ مضاجعهم ويفتح عليهم بابًا من الأسئلة لا يُغلق.

كان الخزنوي يعتقد أن حماية الدين يجب أن تكون في انفصاله عن السياسة. وللوصول إلى ذلك، لا بد من نزع القداسة عن رجال الدين الذين يشكلون “استنساخًا فكريًا، لا بد من مواجهته بدعم حرية الفكر والإبداع، ونبذ ممارسة الإرهاب الفكري، سواء من قبل المراجع الدينية أو اللوبي الشعبي الذين يتحكمون -من خلال الجاه أو المال- في كثير من القرارات والفتاوى الشرعية”. والطريق إلى ذلك لن يكون إلا عبر فتح الآفاق أمام الدين، “وفق قاعدة احترام التعدّد، وحرية الاختيار من الفقه الإسلامي، ونبذ التقليد الأعمى والتعصّب والإقصاء والإلغاء والتكفير”.

ومن أجل ذلك، فإن اعتماد العقل هو السبيل الصحيح، ولذلك فإن الخزنوي يدعو إلى ما يسمّيه “فك الاشتباك بين العقل والنص”، وإحياء “مقاصد الإسلام الكبرى (…) كالتوحيد والعدل والخير والحب والجمال والعفاف والطهارة والحرية والمساواة والشورى وحسن الخلق”.

اليوم، بعد خمسة عشرة سنة مرّت على اغتيال صوت العقل في الدين، ليس من المبالغة القول إن اغتيال الخزنوي كان من بين الخطوات التي مهّد بها بشار الأسد لنمو التطرف الديني في سورية.

ويدعو الخزنوي أيضًا إلى فتح مجموعة من الحوارات التي تهدف إلى الفهم المتبادل والتعاون والعمل المشترك. ويقسم هذه الحوارات إلى ثلاثة مستويات: حوار إسلامي-إسلامي، وحوار بين الأديان، وحوار بين الدين والعلمانيين، “وفق قاعدة تعزيز المشترك، وتوحيد الجهود في المقاصد الوطنية والإنسانية المشتركة”. وفي هذا الصدد، يرى الشيخ أن العلمانية تعني في النهاية فصل الدين عن الدولة. وهو مطلب يخدم كلا الطرفين، فابتعاد الدين عن الدولة والعمل السياسي هو حماية للدين نفسه، ولمكانته وقيمه ومثله العليا.

وتترافق الدعوة إلى العلمانية، في فكر الخزنوي، مع فكرة “لا إكراه في الدين”، وفكرة الأخوّة الإنسانية التي يعتبرها أمرًا رئيسيًا. ولذلك يعمل الخزنوي على “البحث عن المشترك بين الناس، في مختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية، وخاصة أبناء الوطن الواحد”.

ويعيد الخزنوي للديمقراطية مضمونها الحقيقي، باعتبارها علاقة بين البشر، وليست بين البشر والخالق. وهي بالتالي شأن بشري بحت وقيمة عُليا لا بد للإسلام من اعتمادها، لأن فيها مصلحة البشر، و”أينما وجدت مصلحة العباد، فثم شرع الله”. ومن هذه النقطة، ينطلق الخزنوي إلى أهمية دعم المجتمع المدني ذي المؤسسات الفعالة المستقلة، ليكون مجتمعًا يسوده السلام الاجتماعي، ويقوم على الاحترام المتبادل والعدالة والمساواة والحب والوئام. وذلك لا يكون إلا بنشر روح التكافل الاجتماعي، بغية توفير أقصى ما يمكن للمجتمع أن يساهم فيه من خدمات علمية وتربوية واجتماعية وصحية وترفيهية، لسد حاجات المستفيدين من المركز والوقوف معهم في شدائدهم”.

ولعبت قضية المرأة دورًا كبيرًا في فكر الخزنوي. فهو يرى أن “المرأة مساوية للرجل في الإنسانية والكرامة، وهي مساوية للرجل في كافة الحقوق والالتزامات، ولا فرق بينهما في كل المزايا والصلاحيات من جهة والواجبات من جهة أخرى”. وهو يلوم المفكرين وعلماء الدين بالتراجع عن فكر حركة النهضة والتنوير التي تبناها العلماء المتنورون في القرن الماضي. ويخالف النظرة التي ينظر بها كثيرون إلى مسألة حجاب المرأة. ويطالب الخزنوي بإجراء “مراجعة حقيقية” لقانون الأحوال الشخصية، مذكرًا بأن هذا القانون من وضع البشر، وليس “كلمة الله،” وبالتالي فإن البشر قادرون على تطويره بما يلائم مصالحهم ومنافعهم.

ويشدد الخزنوي على التأكيد على القيم الفردية المعاصرة التي تحكم العلاقات بين الفرد والمجتمع حقوقًا وواجبات. وهو يلخص الإنسان بجملة من المبادئ هي: الكرامة والتسامح والفضيلة والعدالة والمعاملة بالمثل والمودة والوفاء بالعهد واحترام العُرف الصحيح في نطاق العلاقة بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، يحث المسلمين على تجاوز فكرة الصدام والصراع. ويؤكد حاجة الإنسان إلى الإنسان، وحاجة الغرب إلى الشرق والعكس. ويدين فكرة الإرهاب “المتمثلة في التعدي على الحياة الإنسانية بصورة باغية متجاوزة لأحكام الله، تروع الآمنين وتعتدي على المدنيين المسالمين، وتجهز على الجرحى وتقتل الأسرى”.

اليوم، بعد خمسة عشرة سنة مرّت على اغتيال صوت العقل في الدين، ليس من المبالغة القول إن اغتيال الخزنوي كان من بين الخطوات التي مهّد بها بشار الأسد لنمو التطرف الديني في سورية؛ حيث كان على التحالف ما بين النظام ورجال الدين أن يزيل من وجهه رجال الدين المستنيرين، وكان الخزنوي في طليعتهم.