ظهر مشروع “إدارة التوحّش” بوصفه مشروعًا سلفيًا جهاديًا قاعديًا، تقوم فكرته على إدارة الفوضى الناتجة عن انهيار قبضة السلطات الرسمية في دولةٍ ما، أو انحلالها في منطقة معينة، عربية أو إسلامية. وتمَّ التنظير الفكري لهذا المشروع، في كتاب حمل العنوان ذاته، نُشر عام 2004، بتوقيع الإسلامي العروف بـ “أبو بكر ناجي”، يشرح فيه الكاتب إستراتيجية تنظيم قاعدة الجهاد، وهي إستراتيجية شاملة للتحوّل نحو جهاد الأمة وبناء الدولة الإسلامية. ثم انتقل المشروع إلى حيّز التطبيق، مع سيطرة تنظيم (داعش) على شرق سورية وغرب العراق، وإقامة “الدولة الإسلامية” بين عامي 2013 – 2019.

لكن ذلك المشروع الذي فشل، جهاديًا وإسلاميًا، بجهود التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، لم يعد مشروعًا إسلاميًا بأي حال، بل تمّ “تبنيّه” أميركيًا ودوليًا، وأصبح هو المشروع الوحيد المعتمد دوليًا اليوم، لإدارة الفوضى والتوحّش الحاصل في سورية والتعامل معها. ولم يبق للدول الكثيرة المتدخلة في سورية، والتي لم ينتصر أي منها بشكل نهائي، إلا التعامل مع الجحيم الذي يعيشه السوريون، بوصفه واقعًا متوحّشًا ومفتوحًا وبلا نهاية واضحة في الأفق. وكذلك لم تعُد سورية، في عين جميع المتدخلين الوقحة، إلا ميدانًا لتصفية الحسابات وتحصيل الامتيازات في أماكن أخرى، بوصفها أرضًا “للدماء والرمال” والجوع والانحطاط، والحروب الدولية بالوكالة، أو ما يمكن تسميته بـ”الحرب الأهليدولية” القائمة هناك.

النظام السوري الذي اعتاش على الوحشية، وصنعها ومارسها باحترافية لا تُضاهى، يبدو كالمَصبّ الذي تصبُّ فيه المياه القذرة لجميع الدول المتدخلة، على اختلافاتها وتناقضاتها وعداواتها المتباينة، مثلما يبدو طرفًا خارجيًا للجميع، فهو من جهة غير متأثر على الإطلاق بالجحيم المعيشي الذي يعانيه السوريون من جرّاء الحرب والعقوبات والفقر والتهجير والوباء والموت المجاني، وغير متأثر من جهة أخرى بالصراعات وتصفية الحسابات التي تحصل بين أميركا وروسيا، إسرائيل وإيران، تركيا والأكراد، دول الخليج وإيران وتركيا.. إلخ. هو “الجوكر” المنفصل و”المستقل” عن الجميع، في الوقت الذي يستخدمه الجميع كورقة للضغط والضغط المعاكس، فلا بديل عنه بالنسبة إلى القوى الغربية التي لم تقم بأي جهد جدّي أو حقيقي لصناعة ذلك البديل، ولا بديل عنه بالنسبة إلى روسيا وإيران اللتين بذلتا أقصى الجهود العسكرية والسياسية لقتل أي بديل ممكن في مهده.

منذ أن تراجع أوباما عن خطّه الأحمر، واختار عدم التدخل عام 2013، ومنع الآخرين من تزويد المعارضة بمضادات الطيران أو إقامة مناطق آمنة أو حظر طيران أو ما شابه، باتت جميع أنواع التدخل الأخرى في سورية “مشروعة”، وبات الدور الأميركي الأساسي هناك هو إدارة تلك التدخلات، إعاقة الآخرين ومنعهم من الانتصار، “إغراق” الروس في أوحال سورية، ثم تحميلهم مسؤولية الدماء والفشل الأخلاقي للهروب من تلك المسؤولية، سحب الإيرانيين للتفاوض على الملف النووي مقابل السيطرة الإقليمية، تحجيم تركيا، حماية الأمن القومي الإسرائيلي، منع انتصار الثورات التي تحمل “إمكانية” انتصار الإسلام السياسي ديمقراطيًا، والأخطار التي قد يعنيها ذلك الانتصار في المحيط الإسرائيلي، ولا سيما بعد التجربة المصرية الطازجة وقتها التي نقلت الإخوان إلى الحكم عام 2012، وقبلها تجربة (حماس) عام 2006، وقبلهما التجربة الأكبر مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

منذ أوباما، إذًا، لم يعد لدى الأميركيين، ولدى الأوروبيين، أي مشروع “إيجابي” بنّاء في سورية، وبات وجودهم هناك يتحدد بالمعنى السلبي فقط، أي المنع والإعاقة والابتزاز. فليس لديهم أي إستراتيجية خاصة ومحددة بسورية على الإطلاق، وهذا يعني أن انعدام الإستراتيجية أصبح هو الإستراتيجية المتعلقة بسورية، وأن سورية نفسها أصبحت مجرد عتبة وأداة لتحقيق إستراتيجيتهم الخاصة بـ “أمن إسرائيل”، والتي يدخل ضمنها بالطبع الملف النووي الإيراني، ففي غمام الشرق الأوسط، لا يوجد ما هو واضح إستراتيجيًا للقوى الغربية مثل “أمن إسرائيل”.

الفكرة الحاكمة لإدارة التوحش، بالمعنى الإسلامي، هي فكرة عدمية بالمطلق، إذ لا يمكن إعادة إنتاج دولة خلافة إسلامية دون عكس اتجاه الزمن، وتدمير حياة المسلمين في الحاضر، ودفعهم بالقوة للعيش خارج العصر وخارج التاريخ. ولكن عكس اتجاه الزمن أمرٌ يستحيل تحقيقه واقعيًا، بل لم تؤد محاولات تحقيقه، في أفغانستان أو العراق أو سورية، إلا إلى خلق واقع جحيمي “متوحّش” للمسلمين أنفسهم هناك، هو واقع جعل من شروط حياتهم بهيمية متوحشة، وقيمة حياتهم خارج الحسبان وما قبل إنسانية، بالإضافة إلى كونه واقعًا يتناقض بالمطلق مع الحلم الإمبراطوري الذي ارتبط بالخلافة وبالدولة الإسلامية المنشودة.

العدمية هنا -بهذا المعنى- هي النتيجة المنطقية لذلك الشرخ الواسع واللانهائي، بين الحلم الطوباوي بخلافة إسلامية عادلة تعيد القوة والكرامة والسيطرة التي عاشها المسلمون الأوائل في عين أصحاب تلك المشاريع ومخيالهم، وواقع الضعف والانحطاط والتأخر الإسلامي الذي يعيشه ويعاينه أولئك الطوباويون المرضى أنفسهم.

بكلام آخر: إن العدمية الإسلاموية هي نتيجة للإصرار القهري “الانتحاري” على تحقيق حلم مستحيل التحقيق بطبيعته، لسببين: الأول لأنه حلم مناقض بالمطلق للواقع الذي يعيشه الحالمون؛ والثاني لأنه حلم نوستالجي يريد تحطيم الحاضر للعيش في الماضي وجعل ذلك الماضي هو المستقبل. والنتيجة الحتمية لحلم كهذا، بالمعنى الفردي أو الجمعي، هي تحطيم الذات والعالم معًا، وبالتالي التوحّش.

الوجه الآخر للعدمية هو الوجه الحاصل في سورية برعاية المجتمع الدولي، وهو على العكس تمامًا من العدمية الإسلامية. فإذا كان ما يقود العدمية الإسلامية هو تحقيق غاية مستحيلة، فإن ما يقود العدمية الدولية هو انعدام وجود أي غاية خاصة بسورية على الإطلاق. بكلام آخر: إن العدمية الدولية هي المحصلة الصفرية الناتجة عن تناقض غايات المتدخلين الدوليين في سورية، من دون أي قدرة أو إرادة أو إستراتيجية واضحة المعالم لإنهاء الصراع القائم منذ عشر سنوات. ومن هنا، يلتقي الطريقان الإسلاموي والدولي في مكان واحد، على الرغم من تناقضهما الظاهر، ويجتمعان على غاية واحدة هي “إدارة التوحّش”. فبين المشروع الإسلامي المستحيل، و”اللامشروع” الدولي، لا يبقى -كمحصلة- سوى العدمية، ولا ينتج عن العدمية سوى اليأس والتحطُّم الذاتي وفقدان الأمل، وهذا بالضبط ما يعيشه السوريون على أرض سورية وخارجها.

هل هناك سبيل عقلاني للخروج من تلك العدمية المركّبة، إسلاميًا ودوليًا، والتوحّش المصاحب لها، إقليميًا ومحليًا؟ الجواب الواضح هو لا. الأرجح هو أنها “باقية وتتمدد”.