(حال سورية خلال القرن العشرين)

غادر سكان سورية القرن التاسع عشر وهم في وضع سياسي واقتصادي – اجتماعي يتّسم باستقرار مديد ورتيب، وبطيء النمو والتطور، تغلب عليه علاقات الإنتاج الإقطاعية، إلى جانب دور تجاري يؤديه تجار المدن الكبرى، في وقت بدأت علاقات الإنتاج الرأسمالية تبزغ في بعض قطاعاتها، فيما كانت الدول الأوربية قد دخلت عصر الإمبريالية، وتشخص بأبصارها نحو تركة “الرجل المريض”.

ديموغرافيًا، خلّفت جغرافية المنطقة التي شغلتها سورية الكبرى، فضلًا عن تاريخها العميق والمُعقّد، بنىً سكانية غنية في تنوعاتها الدينية والطوائفية والإثنية، وكذلك في بناها الاجتماعية – الثقافية.

على الصعيد الديني والمذهبي، شكَّل المسلمون أكبر كتلة سكانية، سوادهم من السُنّة، وإلى جانبهم أو على حواشيهم عاشت أقليات مسلمة، تنتمي إلى طوائف متنوعة: علويّة، وشيعيّة إثني عشرية، وإسماعيليّة، ودرزية. إضافة إلى وجود أقليّة سكانية مسيحية توزعت بين مذاهب شرقية وغربية، وتقاسمتها ولاءات كنائسها بين شرقية وأخرى غربية، فضلًا عن وجود سكان ينتمون إلى أقليات دينيّة أخرى تشمل المرشديين والإزيديين.

أمّا على الصعيد الإثني، فقد شكَّل العرب أغلبية سكان سورية، مع وجود أقليات إثنية كالسريان والآشوريين والكلدان، فضلًا عن سكان ينتمون إلى أقليات هندو أوروبية، تمثل أغلبيتها الأكراد، إضافة إلى الأرمن والغجر والإزيديين، وأقليتين من جماعات أخرى هما الشركس والتركمان.

هنا تبرز أسئلة مهمة تتصل بطبيعة وخصائص العلاقات بين هذه التكوينات الديموغرافية:

هل كانت علاقات تعاون وثقة؟ أم كانت علاقات تنافس وارتياب؟ هل كانت جماعات منفتحة أم منعزلة ومغلقة؟ وما مسؤولية السلطات المسيطرة عن أنماط العلاقات التي وسمت تلك المجموعات على مدى قرن؟

كانت سورية قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها جزءًا من الإمبراطورية العثمانية. وكان المقصود بسورية في حينها كل المنطقة التي تمتد على سورية الراهنة، وعلى لبنان وفلسطين وشرق الأردن، وكانت مؤلفة من ثلاث ولايات: دمشق وحلب وبيروت، إضافة إلى ثلاث متصرِّفيات هي: القدس وجبل لبنان ودير الزور. وبحسب التقديرات فقد بلغت مساحتها 338.600 كم² عام 1915، وعدد سكانها 4.008.000 نسمة[1].

بدأ اهتمام فرنسا الفعلي بسورية قبيل الحرب العالمية، أي خلال عامي 1912 – 1913، حين بدأت تدرس مكوناتها السكانية، وبخاصة الإثنية والدينية منها. وتمكنت لاحقًا من التفاهم مع بريطانيا على تثبيت “حقها” فيها بدءًا من “اتفاقية سايكس – بيكو” 1916، مرورًا بـ ” سان ريمو” 1920. وفي نهاية الحرب العالمية الأولى فاوضت مصطفى أتاتورك، وتنازلت لتركيا عن الأجزاء الشمالية من سورية، بموجب اتفاق “أنقرة” الموقع بينهما الذي تم التصديق عليه في ” لوزان” 1923. وهكذا لم يبق من سورية سوى 185 ألف كيلو متر مربع، ومنها لواء إسكندرون الذي تنازلت عنه لاحقًا لتركيا.

اختارت سلطة الانتداب بعد دخول قواتها دمشق 1920 إستراتيجية التقسيم، وهذا يؤمّن لها القدرة على ضبط البلاد والتحكم فيها والسيطرة على الحركات الثورية الرافضة لوجودها. واعتمدت في ذلك على الأقليات الطائفية من جهة، مثل المسيحيين الكاثوليك في لبنان، والعلويين في الساحل، والدروز في الجنوب، وهذه أقليات تعيش عزلتها بعيدًا عن الأقوام والطوائف الأخرى، وكذلك اعتمدت على الجماعات الإثنية غير العربية من جهة أخرى، وقد عوّلت في ذلك على معرفتها المسبقة بطبيعة علاقات تلك الجماعات الداخلية، وبالصراعات “السلطوية” القائمة بين العشائر والعائلات، حتى بين “بيوت” الزعامة العشائرية الواحدة، وتمكّنت من إقامة عدد من الكيانات السياسية، تُدير شؤونها مجالس محلية من وجهاء تتبع لـ “سلطة مركزية” هي سلطة الانتداب.

تمكنت فرنسا من تطبيق خطتها في إدارة سورية مُقسَّمة كما أرادت، وحالت دون قيام دولة موحدة على أرضها، وأغلبية سكانها من العرب السنّة، وساعدتها على ذلك جملة من العوامل الذاتية والموضوعية المتشابكة. تمثلت العوامل الذاتية بضعف التيار القومي – الوحدوي الذي كانت تمثله مجموعات من المثقفين السوريين الطامحين إلى قيام دولة عربية تشبه نموذج الدول الأوربية الحديثة، فقد كان معظمهم يقيمون خارج سورية، فضلًا عن انعزالهم عن القاعدة الشعبية المحلية[2]. فيما يمكن ردُّ العوامل الموضوعية إلى سياق اقتصادي اجتماعي تاريخي متمثلًا بضعف القوى الاجتماعية التي عوَّل فيصل عليها لقيام دولته الواحدة، وهي في غالبيتها من القبائل والأعيان والملّاك الكبار وتجار المدن، فهم يمثّلون القوى التقليدية المقاومة لأي تطور أو تجديد وانفتاح.

وعلى الرغم من مساعي فرنسا لإقامة سوقها الاقتصادي في سورية خدمة لمصالح شركاتها الإمبريالية، من خلال مدّ شبكة طرقات تربط مدن الداخل بالموانئ، والمباشرة بمد خطوط سكك الحديد، وجدت نفسها في مواجهة تحديات حقيقية من جانب القوى الاجتماعية الاقتصادية التقليدية المحلية ذاتها، تمثّلت بجملة من المعيقات كان أبرزها التنظيم العائلي المغلق للمهن السورية، والروابط الداخلية العميقة التي نسجهاتجار المدن الكبرى في ما بينهم، التي كانت ذات طابع قيمي ديني، ومؤسسة على روح “التضامن الرفاقي” بين أبناء المهنة الواحدة، فضلًا عن التقسيم الطائفي للأعمال، حيث كانت الزراعة تخص المسلمين بصورة رئيسة، والتجارة في غالبيتها تخص المسيحيين، وهناك مهن معينة لا يوجد فيها إلا مسلمون، ومهن أخرى لا يوجد فيها إلا مسيحيون أو يهود، إضافة إلى تفاوت الثروة والغنى بين المناطق والمدن، الذي أدى إلى نمو نزعات التباعد وانعدام روح التضامن بين سكان المناطق الغنية والفقيرة. حال ذلك كله دون تمكّن فرنسا من إقامة شبكتها الاقتصادية الاستعمارية.

على الرغم من رضوخ سلطة الانتداب لمطالب السوريين، بتوحيد بلادهم على مراحل، من خلال ضم الكيانات الإدارية السياسية في كيانات أكبر ترتبط بعلاقة فيدرالية تتبع للمندوب السامي، ثم قيام الجمهورية السورية الموحدة بحجمها الراهن، التي نالت استقلالها في عام 1946، فقد بقيت سياستها تجاه الأقليات قائمة على المحاباة والتفضيل في كثير من إدارات سلطة الانتداب، وقد برز ذلك بصورة واضحة من خلال التركيب الطائفي لجيش الشرق – نواة الجيش السوري القادم.

إن من بين أهم المهمات المنتصبة أمام السوريين، وفي مقدمتهم المثقفون، المباشرة في بناء نموذجهم الوطني الديمقراطي على مستوى الفكر أولًا، والتربية عليه لأجل وعّيه بوصفه نموذجًا يصلح لبناء نظام جيوسياسي مكافئ.

بعد الاستقلال تعاقبت على إدارة الدولة السورية المركزية حكومات عدة، تبنت سياسات قومية حذرة إزاء الأقليات الإثنية، وكانت بدرجات متفاوتة، بدءًا من تجاهلها إلى احتوائها، وإلى السعي لدمجها في بوتقة الثقافة العربية. وكان الأكراد من أكثر الإثنيات السورية التي واجهت المتاعب، ومورست بحقهم سياسات ضبط صارمة وإجراءات تعسفية، لارتياب السلطات بنزعتهم الانفصالية. ومن بين تلك الإجراءات كان التعداد السكاني الذي تم إجراؤه عام 1962 في محافظة الحسكة، وبموجبه كان على الأكراد أن يُثبتوا بالوثائق -خلال يوم واحد- أنهم يعيشون في سورية منذ عام 1945 على الأقل، وإلا فقدوا جنسيتهم السورية، وهكذا ظهرت مشكلة الكرد فاقدي الهوية والمكتومين.

مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، بدأت مرحلة جديدة في إدارة المسألة الإثنية السورية، انطلاقًا من أولية العروبة، ومن قدرتها على استيعاب ثقافات الإثنيات الأخرى. وبعد عام 1970، اكتسبت إدارة الإثنيات والأديان والطوائف أبعادًا أوسع وأعمق، انطلاقًا من الدستور الذي صاغه حافظ الأسد، وقد عدَّ بموجبه حزبه قائدًا للدولة والمجتمع، مع منح مزيد من الصلاحيات للقوى الأمنية، وأدى ذلك إلى إحكام السلطة قبضتَها الاستبدادية – الأمنية.

ذهب النظام في تعامله مع الإثنيات إلى حدود قصوى من سياسات كلّ مما يلي:

العزل والحصار، عبر إقامة ما سُمّي “الحزام العربي”عام 1971، القاضي بجلب عرب من محافظاتي الرقة ودير الزور كانوا يقيمون في مناطق سوف تغمرها مياه البحيرة التي ستُنشأ خلف سد الفرات، وبإسكانهم في منطقة الجزيرة السورية، حيث التجمعات الكبيرة للأكراد والآشوريين والأرمن والإيزيديين. وهذا الأمر أدى إلى نتائج كارثية من ناحية تقليص مساحات الأراضي الزراعية المستحقة لآلاف العائلات الكردية والآشورية والسريانية والأرمنية والإيزيدية، وأدى إلى حرمان تام لعائلات أخرى كثيرة من الانتفاع بأراض زراعية، فضلًا عن حصول حركة هجرة خارجية واسعة من منطقة الجزيرة.

الاحتواء والتعريب، بالمعنى الشامل لكل مناحي الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية والتعليمية السورية، بمساعدة آليات متعددة، منها التربية النظامية بمناهجها التي تمت فيها إعادة صياغة التاريخ السوري انسجامًا مع الرؤية الأيديولوجية العروبية، وبدعم من التربية غير النظامية عبر المنظمات الشعبية والطلابية، التي تم شحن برامجها بالثقافة القومية العربية، وحصرية ملكية الدولة لوسائل الإعلام. وهكذا تم تعميد السوريين جميعًا بالروح العروبية الخالدة وبثقافتها المتعالية، فباتت العروبة هي الهوية واللسان.

أما التاريخ، فتمّت إعادة كتابته، كي تبدو الحياة في هذه البقعة عربية خالصة منذ الأزل. وهذا يسمح لنا بالقول إن سورية شهدت أوسع عملية تزوير للثقافة السورية بمختلف تنوعاتها، وأدى ذلك إلى نتائج كارثية عنت جميع السوريين، من العرب والآراميين/ السريان، والآشوريين والكرد والتركمان والشركس وبقية الإثنيات، وخسرت سورية بموجبها كنزًا من الثقافات واللغات والقيم والعادات، كان يمكن أن يكون زاد سورية في المستقبل.

خلاصة:

على مدى القرن الذي مضى، عايش سكان سورية نمطين متناقضين في إدارة المسألة الديموغرافية الثقافية، تجلى النمط الأول من خلال وجود أقوام وطوائف منعزلة، هي أشبه بجزر إثنية وسط بحر عربي سنّي، أو موجودة على هوامشه الجبلية، ورثتها فرنسا عن الإدارة العثمانية، وسخّرتها لمصلحتها من خلال دعم عصبياتها وتضخيمها، فضلًا عن قيامها بتغذية نزعات الخوف والحذر بداخلها تجاه الأكثرية العربية السنية، حيث قرَّبت المسيحيين، وبخاصة متبعي المذهب الكاثوليكي بكل تفريعاته، ثم بقية الطوائف المسيحية وغير المسيحية كالدروز والعلويين. وعلى خلاف ذلك اتبعت “السلطات الوطنية” المتعاقبة على حكم سورية بعد الاستقلال سياسات تميزت بالضبط والتحكم والتضييق، شملت أبناء الإثنيات والطوائف على السواء في مرحلة أولى، ثم انتقلت إلى سياسة ابتلاع وهضم الأقليات الإثنية في مرحلة لاحقة، عبر تعريبها وطمس هوياتها وخصائصها، مع الاستمرار في ضبط جميع المؤسسات الدينية وطوائفها من دون استثناء، وفي حرمانها من أبسط حقوقها، وهذا ولّد مشاعر الغبن لدى أبناء جميع الثقافات المكونة للنسيج السوري.

وهكذا لم يتسن لسكان سورية، على اختلاف تنوعاتهم الإثنية والدينية والطوائفية والاجتماعية، فرص ممارسة حياتهم بصورة طبيعية قائمة على علاقات منفعة اقتصادية واجتماعية متبادلة، وعلى وشائج ثقافية وروحية تُغني بعضها، وأعاق ذلك جميع المكونات الديموغرافية بلا استثناء عن تأسيس كيان سياسي وطني موحد ومتنوع.

إن من بين أهم المهمات المنتصبة أمام السوريين، وفي مقدمتهم المثقفون، المباشرة في بناء نموذجهم الوطني الديمقراطي على مستوى الفكر أولًا، والتربية عليه لأجل وعّيه بوصفه نموذجًا يصلح لبناء نظام جيوسياسي مكافئ، ويوفر فرص العيش المشترك والحياة الطبيعية لجميع السوريين بكامل حقوقهم السياسية والثقافية.


[1] “كوثراني، وجيه. 2013، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين، ط 3، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

 [2] لوتسكي، 2007، تاريخ الأقطار العربية الحديث، ط7، دار الفارابي، بيروت: لبنان.