تكررت في الآونة الأخيرة أحداث عنفٍ، بين شبان أتراك وسوريين، في بعض المدن التركية، ممّا جعل كثيرًا من الأسر السورية تشعر بالقلق، من أن مثل هذه الأحداث يمكن أن تتطور وتنعكس سلبًا على مستقبلها ومشاريعها التي قطعت شوطًا متقدمًا في طريق إنجازها، علمًا أنّ جروح السوريين لم تندمل بعد نتيجة التهجير، وقد فاقت حدود التحمل.

إذا ما عدنا إلى سياق الأحداث، فسنرى أنه عادة ما تسبقها تصريحات لشخصيات سياسية مؤثرة مجتمعيًا، تعزز خطاب الكراهية لدى المجتمع التركي، حيث تتهم من خلالها السوريين بأنهم سبب رئيس في تدهور الأوضاع الاقتصادية بصورة مجافية للحقيقة، متناسين أن العالم برمته تأثر اقتصاديًا من جائحة كورونا وتفشي الصراعات البينية، وليس فقط تركيا.

إنّ إشكال أنقرة الأخير وما تلاه كان ذا طبيعة عنفية واضحة، بحيث امتد إلى كل السوريين القاطنين في المنطقة، وشمل ممتلكاتهم من محال وعقارات وسيارات، هذه الأحداث تحتاج إلى وقفة جادة تدرس مسببات موجة الكراهية هذه، وهل هي حالة خاصة بتركيا، أم أنها حالة متكررة قابلة للتطور والانفجار؟ فالجميع ما يزال يذكر تصريحات مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية، ضد المسلمين والمهاجرين عمومًا، وكذلك ما حصل في الآونة الأخيرة، في ملعب ويمبلي، من عنف لمجرد إضاعة ركلات جزاء في المباراة النهائية لبطولة أوروبا لكرة القدم من قبل ثلاثة لاعبين من أصول أفريقية.

إنّ تركيا دولة إقليمية صاعدة، متعددة القوميات والأعراق، وما تزال تعيش حالة استقطاب سياسي حاد ينعكس على الحالة السورية، ويجعله قضية رئيسة في التنافس السياسي والانتخابي الحاصل حاليًا.  

وقبل وصف الدواء لهذه الحالة المزعجة، يجب وضع قواعد اجتماعية عامة على صعيد الشعوب والمجتمعات، بعيدًا عن الحالة الرغبوية المثالية التي يدعيها البعض.

أولًا- إنَّ ارتكاب الجرائم قائم منذ نشأة الكون وقتل الشقيق لشقيقه، ولن تنعدم هذه الجرائم حتى قيام الساعة، لدى كل المجتمعات، مهما تطورت.

ثانيًا- معالجة انتشار الجريمة تتم بالتوعية ابتداءً وتجفيف مسبباتها، ومن ثم معاقبة مرتكبيها بحسب القوانين النافذة، لا بالثأر وتعزيز خطاب الكراهية.

ثالثًا- المناخ المناسب لتكاثر خطاب الكراهية هو المناطق الفقيرة التي تتغذى عليها عوالم الجريمة والمخدرات، حيث يكون ارتكاب الجرائم فيها أكثر سهولة من مناطق أخرى.

رابعًا- إنّ خطاب الكراهية يستخدم بكثافة قبل الاستحقاقات السياسية، ويزداد كلما كان الاستحقاق أشد تنافسية، كما أشرنا إلى ذلك سابًقا، حيث لاحظنا كيف قام ترامب باستخدامه بكثافة في انتخابات الرئاسة الأخيرة، ضد أصحاب البشرة السمراء والمهاجرين، وقد سبقت أحداثَ أنقرة تصريحات لزعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كليشدار أوغلو، ولرئيس بلدية (بولو)، عندما حاول رفع أسعار المياه ضد السوريين، ضمن حملة تصاعدية منهجية قبل انتخابات 2023.

خامسًا- العامل الديني والخطابات العاطفية مفيدة في كبح خطاب الكراهية، لكنها غير كافية بمفردها لمعالجة تلك القضايا.

سادسًا- إنّ أحداث العنف ليست محصورة عادة بين الدول المستضيفة واللاجئين؛ فهي قد تكون لأسباب دينية أو قومية وطائفية داخل الوطن الواحد، وقد تنزل إلى ما دون ذلك على مستوى المناطق، بل الأحياء، وما بين أصحاب المهن المختلفة، وكذلك على الصعيد الرياضي، وهذا ما جعل (الفيفا)، على سبيل المثال، تفرض قواعد دقيقة في هذا المجال.

أمّا إذا انتقلنا من التحليل إلى المعالجة؛ فإننا بحاجة إلى تنفيذ سلسلة أعمال تساعد في تقليل تلك الأحداث، وجعلها ضمن نطاق السيطرة والعمل داخل بيئتنا السورية، وذلك ضمن نقاط محددة أهمّها:

أولًا- إنّ السوريين الموجودين داخل تركيا بحاجة ماسة إلى مظلة مرجعية معتمدة، يُرجع إليها عند الأزمات لتُسهم في التخفيف من حدتها، وتعرف عن كثب مشكلاتهم على كلّ الصُّعد قادرة على التواصل مع الأتراك وطرح الحلول المناسبة، فقد مضى على وجود السوريين في تركيا قرابة عقد، أي نحن على مقربة من وجود جيل كامل نشأ وترعرع في تركيا.

ثانيًا- على منظمات المجتمع المدني التواصلُ مع السوريين ومساعدتهم في فهم طبائع السكان الذين يعيشون معهم وعاداتهم، وهي طبائع تختلف من محافظة إلى أخرى، وعليها العمل بمنهجية لتشعر المستضيفين بدورهم الإيجابي.

ثالثًا- على منظمات المجتمع المدني تعريف السوريين بالقوانين الواجبة التطبيق، ومساعدتهم في تطبيقها، من خلال مكاتب قانونية تقدم الاستشارات لهم بكل يسر وسهولة.

رابعًا- استشراف خطاب الكراهية واجب قادة الرأي من السوريين، والعمل على كبته من خلال تواصلهم مع منظمات المجتمع المدني التركية والأحزاب، والاطلاع على هواجسهم، وبذل أقصى طاقتهم لطمأنتهم في هذا المجال.

خامسًا- من الضرورة التواصل مع غرف التجارة والصناعة والزراعة ونقابات العمال التركية، وعقد ورشات مشتركة تؤكد رغبة السوريين في المساهمة الإيجابية في الاقتصاد التركي، على صعيد العمل، والتشجيع على الاستثمار، ونقل التقارير الإيجابية عن الدور السوري، وإظهار أنهم قادرون على لعب دور إيجابي مع المجتمعات العربية ودول أخرى، فالمهاجرون لعبوا دورًا في تطوير العديد من الدول عبر العالم، وأهمّ تلك الأمثلة دور الأتراك أنفسهم في تطوير الاقتصاد الألماني، والجميع أصبح يعرف دور الطبيب التركي في اكتشاف لقاح الكورونا.

مما سبق نرى أن المطلوب من السوريين، خلال المرحلة القادمة، إعادة ترتيب أوضاعهم في تركيا وفي كل دول اللجوء، وعدم جعلها عرضة للاستقطاب الداخلي، وعدم السماح لنظام الأسد بتوظيف تلك الأحداث لإيصال رسائل للمجتمع الدولي، بأنّ من مصلحتهم الإقرار ببقائه، وتسهيل عودة اللاجئين إلى سورية ليستريحوا من عبئهم، فيقوم بتأديبهم عبر أجهزته الأمنية، ويسومهم سوء العذاب، ويجعلهم بذلك يعودون إلى جادة الصواب.

لوحظ منذ مدة أن هناك أصواتًا سورية تُؤجج خطاب الكراهية، عند حدوث مثل تلك الأحداث، وهي بعيدة كل البعد عن مسبباتها ومنعكساتها، وقد أصبحت تلك الأصوات جزءًا من خطاب الاستقطاب الإقليمي، وهناك من ينتظر مثل تلك الأحداث لاستهداف تركيا وشعبها، بعيدًا عن مصلحة أربعة ملايين سوري يحتاجون إلى عقلاء يطفئون الحرائق ويُسهمون في إيجاد الحلول، لا أن يكونوا امتدادًا لأصواتٍ تُسهم في وأد نهضة العرب بحجج واهية، عمادها الصراع الأيديولوجي، وما تطورات تونس عنا ببعيدة.