يُعدّ التعليم في الدول الديمقراطية وسيلة لتكوين جيل فاعل في مجالات العمل كافة، أما في الأنظمة الاستبدادية فيُنظر إليه كوسيلة لتدجين الطلبة منذ الطفولة، ليكونوا مواطنين موالين وطائعين لسياسة هذه الأنظمة قبل أوطانهم، بما يعكس أيديولوجيتها وفلسفتها الاستبدادية، عبر قولبة الأجيال القادمة في مناهج تعليمية تتماشى مع رؤيتها السياسية، و تلائم استمرارها في الحكم، وهذا ما لُوحظ تاريخيًا في المناهج التعليمية في الدول الشمولية الاستبدادية، في الاتحاد السوفياتي السابق، وفي الصين وكوريا الشمالية، وفي إيران الخمينية، وكذلك في سورية الأسدية، حيث أصبح التعليم فيها أشبه بالبصمة الاستبدادية اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

اعتمدت المناهج التعليمية في سورية بعد انقلاب الأسد الأب واستيلائه على الحكم عام 1970، الفلسفةَ التعليمية الاستبدادية المعتمدة في تلك الأنظمة الشمولية، واستعارت بعضَ جوانبها من النظام التعليمي في كوريا الشمالية، مثل طلائع البعث وغيرها.

بعد الثورة السورية 2011، عمد النظام السوري الاستبدادي إلى تعديل معظم المناهج التعليمية في المستويات التعليمية كافة، بما يلائم فلسفته السياسية الاستبدادية، حيث وصمت مناهجه الجديدة المتظاهرين من أجل الحرية والكرامة بالإرهابيين وعملاء المؤامرة الإمبريالية الكونية، وكانت النصوص الدراسية عما يسمى بالمقاومة ودورها في مكافحة الإرهاب، وعن المؤسس للدولة السورية الاستبدادية، الأسد الأب، وعن تقديس شخصه وتخليده في منهاج التربية القومية (الوطنية) كشخصية قومية سورية.

 هنا لا بدّ من تأكيد أن هذا التضليل المتعمّد لأحداث الثورة السورية، في المناهج الدراسية وغيرها، لا يمكن أن ينطلي على السوريين الذين عايشوا الثورة في أشهرها الأولى، وتحديدًا في المرحلة السلمية (المظاهرات والاحتجاجات الشعبية) ومن غير المفيد حالة الإنكار التي يحاول النظام تعزيزها في المؤسسات المجتمعية السورية كافة، ومنها المؤسسات التعليمية.

المطلوب في سورية المستقبل تغيير التعليم السوري من وسائل لقهر السوريين إلى وسائل لاكتساب قيم المعرفة والحرية، وهذا لن يحصل إلا من خلال مشروع وطني ديمقراطي سوري موحد.

 كذلك عدّل النظام السوري مناهج مواد الجغرافية والتاريخ، فأعاد “لواء إسكندرون” إلى الخريطة السورية بعد أن حذفها في المرحلة الودية (العسلية) بين النظام وتركيا، ردًا على الموقف التركي الداعم للمعارضة السورية. واستبدل أيضًا مصطلح “فتح القسطنطينية” بـ “الاستيلاء على القسطنطينية”، والشخصية العثمانية الإسلامية “محمد الفاتح” بـ “محمد الثاني”، وكذلك عمد إلى ترسيخ مفهوم “الاحتلال العثماني” في أذهان الطلاب بدلًا من مفهوم “الحكم العثماني” الذي كان في مناهج ما قبل عام 2011. وعمد إلى تعديل مناهج التربية الإسلامية، لتتضمن تعليم المذهب الشيعي الاثني عشري (الإيراني) إلى جانب المذهب السني، وإلى افتتاح المدارس الشيعية والجامعات في عدد من المدن السورية، مكافأة لوقوف إيران إلى جانب النظام السوري في حربه ضد الشعب السوري وثورته. وأدخل اللغة الروسية في المناهج التعليمية السورية إلى جانب اللغة الإنكليزية واللغة الفرنسية، كردّ جميل على وقوف الاتحاد الروسي إلى جانب النظام السوري.

كذلك الأمر في المناطق السورية التي سيطرت عليها بعض قوى الأمر الواقع والفصائل الراديكالية المتطرفة دينيًا وقوميًا وطائفيًا، حيث استهدفت السوريين اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا وتعليميًا.

ولُوحظ تغيير المناهج الدراسية في مناطق “الحكومة السورية المؤقتة” المدعومة من تركيا، إذ تغيّرت بعض المضامين والإشارات السياسية ضمن هذه المناهج، وأُبقي “لواء إسكندرون” في الخريطة التركية، وعُدّت تركيا دولة شقيقة للسوريين، وحُذفت كلّ النصوص الدراسية التي تتعلق بالأسد الأب والابن، إضافة إلى ذلك أُدرجت اللغة التركية ضمن المناهج الدراسية، بحصص تعليمية تساوي حصص اللغة العربية، في المراحل التعليمية كافة، وأُطلقت أسماء تركية على عدد من المدارس، ورُفع علم الثورة والعلم التركي معًا على المباني المدرسية، ووُضعا على الجلاءات المدرسية للطلبة السوريين.

وفي المناطق التي يسيطر عليها ما يسمى “الإدارة الذاتية” التابعة لـ (قسد) عمدت تلك الإدارة أيضًا إلى إدخال المناهج الجديدة باللغة الكردية لكل الطلاب في كل المستويات التعليمية، ومنهم الطلاب العرب المقيمون في المدن والقرى العربية، مثل محافظة دير الزور والرقة، حيث الأغلبية المطلقة للسكان العرب، واستبدلت عبارة الجمهورية العربية السورية في المناهج الدراسية بما يسمى “روج آفا” بمقاطعاته الثلاث، كجزء من (كردستان الكبرى)، وفق منهاج الجغرافيا، في مسعى للتأكيد على فكرة ما يسمى (كردستان)، من دون اعتبارات لوجود الدولة السورية القائمة، ليكون العمل للانفصال عن الدولة السورية في المستقبل. وتلتقي مناهج “الإدارة الذاتية” مع مناهج النظام في عدّ تركيا عدوًا، وفي الكلام عن المجازر التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق الكرد، لكنها تقدس القائد عبد الله أوجلان، بدلًا من الأسد الأب والابن، وتعظمّه، وتعمّم فلسفته وخطاباته -كما هو الحال في مناهج النظام السوري بالنسبة للأسد الأب والابن- وتستبدل خطابات وأقوال الأسد بخطابات وأقوال عبد الله أوجلان، في النصوص التعليمية، وترفع صوره على الجدران المدرسية، وتضعها على الجلاءات الطلابية بدلًا من صورة الأسد.

وفي المناطق التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لُوحظ قيام التنظيم بنسف جميع المناهج التي تُدرّس في مناطق النظام ومناطق المعارضة، على اعتبار أنها تسهم في نشر الأفكار التكفيرية، فحرق الكتب التعليمية السورية كافة، واعتمد على مواد القرآن الكريم والعقيدة واللغة العربية موادّ رئيسة في المنهاج التعليمي الخاص به، واستبدل في “الإعداد البدني” الحركات الرياضية باستخدام السلاح والحث على الجهاد لبناء الدولة الإسلامية. وفي المناهج الجغرافية لديه تغيب الحدود بين الدول، وتظهر المناطق التي تسكنها أغلبية مسلمة ومناطق تسكنها أغلبية كافرة. أما منهاج التاريخ فيبدأ مع الدعوة الإسلامية والسيرة النبوية فقط، من دون ذكر للأحداث التاريخية الخارجة عن الدعوة الإسلامية.

يُلحظ في المناهج الأربعة السابقة أن هدفها الرئيس في المقام الأول هو تدجين ونمذجة الأجيال السورية، بما يلائم النظام السياسي لقوى الأمر الواقع، فالمناهج التعليمية الأربعة صورة عاكسة للطبيعة السياسية التسلطية لقوى الأمر الواقع، حيث هدفها الرئيس تنشئة السوريين كأفراد خاضعين لسلطتها.

إن الخاسر الأكبر من هذه الأدلجة الاستبدادية لمناهج التعليم السوري هم الطلاب السوريون كافة، والخطوة الرئيسية في إعادة البناء المجتمعي في سورية تبدأ من إعادة النظر في بناء العملية التعليمة من جوانبها كافة (المعلم والإدارة، والمناهج التعليمية، والأبنية المدرسية)، إذ لا بدّ من إعادة النظر في كل المناهج التعليمة، وعلى المستويات التعليمية كافة، من خلال سياق مغاير للسياق الحالي الأيديولوجي الاستبدادي، سياق ديمقراطي يعمل على ترسيخ قيمة المعرفة العلمية والإنسانية بكل اختصاصاتها بعيدًا عن الأيديولوجيات الاستبدادية المتعددة، مرورًا بتعديل سلوك المعلم وعدّه مرشدًا ديمقراطيًا للعملية التعليمية، وكذلك سيادة الديمقراطية التعليمية في المؤسسات التعليمية كافة، حيث يكتسب الطلبة معنى التعاون وقبول الآخر، والإيمان بأن المعرفة وكل القيم العلمية والإنسانية هي قيم نسبية، وأن لا قداسة في العلوم كافة، وأن التعدد في الأفكار والآراء أمر لازم وضروري لتقدم العلم والمعرفة.

بإيجاز مكثف، هناك أهمية وطنية لتصميم إستراتيجية تعليمية جديدة يكتسب الطلبة السوريون فيها قيمًا مناقضة لقيم الشمولية الاستبدادية، وأهمية لارتباط المناهج التعليمية بثقافة المجتمع وهويته، فتكون مصدر قوته، بل تّعد جانبًا من جوانب السيادة الوطنية السورية، ومن خلالها يتم تكوين الشخصية السورية اجتماعيًا وثقافيًا وعلميًا وروحيًا ونفسيًا، ويكون استثمارها بشكل فاعل لتحقيق تطلعات السوريين في الحرية والعدالة.

المطلوب في سورية المستقبل تغيير التعليم السوري من وسائل لقهر السوريين إلى وسائل لاكتساب قيم المعرفة والحرية، وهذا لن يحصل إلا من خلال مشروع وطني ديمقراطي سوري موحد.