أثار تصريح الرئيس الفرنسي ماكرون حول الإسلام انفعالًا عاطفيًا إسلاميًا غير مسبوق! شهدته مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يمضِ على التصريح أسبوع حتى هزّت العالم جريمةُ الطالب الأفغاني المسلم الذي قتل معلمه، لنشره صورًا مسيئة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الرغم من وجود بعض الأصوات العاقلة التي أدانت هذه الجريمة النكراء، كانت هناك غوغائية غير عاقلة دافعت عن هذا الفعل الإجرامي! كما هاجمت فرنسا لتصريحات رئيسها.

تعالوا نتوقف بهدوء مع تديّننا، لنرى أهو حقًا في أزمة أم لا؟ ونستعرض من خلال هذه الوقفة الثقافةَ الدينية التي يمارسها كثير منا حوارًا وسلوكًا مع الآخر، لنرى هل التدين الذي نمارسه في أزمة أم لا؟

أزمة الماضوية

يعتمد التدين الإسلامي كثيرًا على مذاهب السابقين وفتاواهم التاريخانية، وهي رؤى ماضوية لها ظروفها، ويجعل منها الموجه الأساس لفكره وسلوكه في عصر المواطنة الذي يساوي بين كلّ المواطنين، فما أفتى به الفقهاء القدامى، على ملّة ما أو طائفة أو جماعة، لا يزال يُعامل كمقدس تراثي يجب الأخذ به، فنجده حاضرًا في خطابنا وسلوكنا، وكأن الأجيال المعاصرة، من تلك الملل أو النحل، هي نسخة طبق الأصل من أسلافهم الذين يبتعدون عنهم بقرون، دون الأخذ بعين الاعتبار تغيّر شكل الدولة وتطور طرائق تعاملها مع مواطنيها، وبالتالي فإن اعتماد الأحكام الماضوية على ذرية الآخر الذي يتعايش معنا ويحمل تطابقًا كبيرًا مع همومنا أدت إلى أزمة يعيشها التدين الإسلامي، في التفريق ما بين عصرين مختلفين في الشروط والواجبات: عصر الاختلاف وعصر المواطنة، عصر الإمبراطوريات وعصر حقوق الإنسان، حيث وضعَ اعتمادُ الخطاب الماضوي تلك الذرية مع أسلافهم في سلة واحدة، وهي عقلية (شنآنية) يرفضها القرآن، إذ إنّ المبدأ القرآني يقوم على: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام 164.

أزمة ثقافة السلة الواحدة!

سيطرةُ الماضوية وتأثيرها في ثقافة المسلمين جعلتها تسير عكس الاتجاه القرآني، في حكمها على جماعة ما أو شعب أو طائفة بعينها، لتحكم بشمولية كما لو أنها من ذات النمط التفكيري أو الاعتقادي لأسلافهم.

وهذا التعميم الخاطئ الذي يضع الآخرين في سلة واحدة مرفوضٌ، قرآنيًا وأخلاقيًا، إذ إن القرآن الكريم يرفض ثقافة السلة الواحدة، ويُفرِّق بين أبناء المجموعة الواحدة، ولهذا وجدناه بحديثه عن اليهود في ذروة الخصومة الاعتقادية لا يضعهم في سلة واحدة، إنما يفرِّق بينهم، إذ قال: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} الأعراف:168، ورفض القرآن ثقافة السلة الواحدة تجاه الآخر المختلف معك عقائديًا: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} آل عمران:113

هناك شخصيات وشعوب تعاطفت مع قضايانا، ولكن خطابنا ما يزال يصم أفرادها جملةً واحدة، بالكفر والإلحاد والصليبية، ويضعهم جميعًا في سلة واحدة، بالرغم من أن خطاب النبوة لم يتحدث مطلقًا بهذه اللغة! فعندما ضاقت الأرض على المؤمنين في مكة، نصحهم الرسول بالذهاب إلى الحبشة بقوله: (إن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد). وأوروبا اليوم متشابهة مع نجاشي الأمس، ونتذكر في هذا العصر جماعة حرّاس المدينة اليهودية (ناتوري كارتا) وموقفها المشرّف من فلسطين.

فإن أردنا أن نخرج من ثقافة القطيعة، لنكسب الآخر حتى يكون محايدًا على الأقل، علينا أن نبتعد عن خطاب السلة الواحدة، فدائرة الأخوة الآدمية المُكرمة من الله تسعُنا جميعًا، ودونها دائرة الإيمان بإله واحد، وكذلك دائرة المتعاطفين مع قضايانا، ولنا في هذا المقام أن نذكر الشهيد (الأب باولو) المتعاطف مع السوريين وما فعلته به ثقافة السلة الواحدة؟ والأولى من هؤلاء وأولئك أبناءُ جلدتنا، من علمانيين وقوميين وأمثالهم من المكونات الأخرى الذين لا يستطيع أحد إنكار وطنيتهم وتفانيهم وإخلاصهم، فليس من العدل وضعهم في سلة واحدة والحكم عليهم بالزندقة والكفر!

أزمة المذهبية والطائفية

ما يزال التدين الإسلامي يمارس حتى اللحظة خطابًا مذهبيًا، فيرفض مَنْ هم داخل الدائرة الإسلامية لاختلافهم معه في اجتهادات فقهية أو رؤية عقدية، متناسيًا أن مصطلح “مذهب” يعني وجهة نظر اجتهادية لا يجوز منحها العصمة، ولا الصوابية المطلقة، إلا أن أتباع المذاهب ذهبوا إلى قطيعة مخجلة فيما بينهم، وإلى فترة قريبة كان الدمشقيون يؤدون الصلاة الواحدة بأربع جماعات، ولا تزال محاريب المذاهب الأربعة موجودة في الجامع الأموي حتى يومنا هذا.

ما نزال نعيش مصطلحات عند المؤدلجين دينيًا، لم يعد لها وجود في عصرنا، بعثوها اليوم بين الفصائل الجهادية، حتى سمعنا مصطلحات في الحالة السورية اندثرت منذ أكثر من ألف سنة، أُعيد إحياؤها ليعمقوا الجرح السوري، ويستمر نزفه كمصطلح (حَروري ومُرجئي وأشعري وماتريدي…إلخ) وحملوا السلاح ضد بعضهم بعضًا! وسفكوا الدماء فيما بينهم، ففقدوا ثقة الناس واحترامهم.

ما نزال بسبب هذا الخطاب المذهبي الطائفي نكفِّر المعتزلة، لإعمال عقولهم، ونجَرِّم المرجئة، لأنهم تسامحوا مع المخطئ دنيويًا، ونفسَّق أهل الكلام، لأنهم ناقشوا وتأملوا وفكروا، ونبحث عن ابن رشد معاصر لنحرق كتبه، ونرفع راية الحاكمية لله لنكفر الآخر سياسيًا.

إنّ المذهبية جعلتنا طوائف وشيعًا ومذاهب تتصارع على الإسلام، همّها نُصرة مذهبها، فعقلية (الشنآن) انتقلت من كراهية الآخر، إلى كراهية من يختلف معهم في الرؤية المذهبية أو الاجتهاد المذهبي.

أزمة ثقافة القطيعة

الأوطان والمجتمعات تُبنى على الثقة بين مكوناتها على اختلاف اعتقاداتهم وأيديولوجياتهم، والدولة المعاصرة حيادية، وتُبنى على مفهوم المواطنة أي الحقوق الكاملة غير المنقوصة، وعلينا أن نعلم أنّ دولة المواطنة -بمعناها العميق- لا تُلغي الانتماء الديني أو القومي أو الطائفي! ولكنها تنهي التفضيل على أساسها، لتحقق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل مواطنيها. ودون ذلك خلل وإساءة إلى الإنسان الذي كرّمه الله، ودعا إلى تكريمه، بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} الإسراء:70

أزمة الصوابية المطلقة!

يعاني التدين الإسلامي مسألة الاعتقاد الجازم بامتلاك الصوابية المطلقة في كل ما يطرحه، فيتحدث بلغة الوصاية على البشرية كلها، ويدعوهم بالقهر لا بالحكمة! وكأن البشرية قاصرة، ونحن وحدنا نملك الرشد!

لقد جعلنا من الله سبحانه زعيمًا دينيًا لنا وحدنا! وخصمًا للبشرية كلها! تخلى عن الآخرين، ليزجّ بهم في الآخرة بجهنم بعد أن نقتلهم في الدنيا! مع أن أول تعريف عرّف الله به نفسه في القرآن الكريم بأنه ربّ للعالمين. ثم اختلفنا على الله فيما بيننا! وآمنا بكذبة (الفرقة الناجية) ليذبح بعضنا بعضًا!! وقد بيّنت دراسة نشرتها حديثًا مجلة (نيويورك تايمز) أن 70% من ضحايا هجمات السلفية الجهادية هم من المسلمين أنفسهم!!

أزمة نظرية المؤامرة

نعتقد كمسلمين أن العالم كلّه يتآمر علينا، حتى أصبحت نظرية المؤامرة جزءًا لا يتجزأ من ثقافتنا، وهذا يشجع على ثقافة الإلغائية وينميها عند الناشئة، نحن نتهم الحضارة الغربية بأنها حضارة مادية، ونتغافل عمّا قدمته للبشرية علميًا! ونشكك في نيّات من يعيش بيننا لنتهمه بالعمالة للخارج، ولا نثق بالعلمانيين والقوميين، مع أن كثيرًا منهم يقف معنا في خندق صراعنا مع الاستبداد، وإذا ما اجتهد أحدهم وقدّم رؤية معاصرة للدين، انهالت عليه الاتهامات بالعمالة لجهة ما وبالمروق من الدين! وبمنطق الاتهامية، يتهرب هؤلاء المتدينون من مقارعة الآخر علميًا وحواريًا باتهامه بالزندقة والإساءة إلى الإسلام، لاستباحة دمه!

ختامًا: إن عدم إدانة سفك دماء الآخرين هو جريمة في حد ذاتها، لكونه يسمح بتكرار الجريمة مرات ومرات، وإن الفتاوى القائلة بسفك دم من يتطاول على الرسول هي فتاوى عصاباتية؛ لأنها تُمارس بعيدًا عن القضاء، فضلًا عن مخالفتها في ذلك للمنهج القرآني الذي بيّن في هذا المقام ما يجب على الرسول نفسه أن يفعله، إذ قال: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} القلم:48، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} الحجر: 98

وأما الردّ الانفعالي على الرئيس الفرنسي، كما بيّنا آنفًا، فإنه يؤكد أن التديّن الذي نعيشه يعاني أزمات عدة لا أزمة واحدة، ولقد جرَّ علينا الانفعالُ الديني العاطفي مصائب وكوارث، ولا بد من موقف قطيعي يتخذه الجميع من الفتاوى التي تبيح دماء المخالفين، وإذا لم نرفض تلك الفتاوى؛ فهذا يعني أننا نعاني ألف أزمة وأزمة.