تعدُّ انتفاضة الشعب السوري ضدّ نظام الاستبداد الأسدي أهمّ حدثٍ بعد الاستقلال، في التاريخ السوري الحديث، وربما ستكون العلامة البارزة في تاريخ سورية، لعقود طويلة، بالنظر إلى الأحداث المرافقة لها، كعدد الضحايا والهجرة والنزوح، إضافة إلى حالة الدمار والخراب التي أحاقت بالبنية التحتية، وكان النظام الاستبدادي سببًا رئيسًا فيها.

وباكتمال العقد الأول من عمر هذه الثورة؛ لا بدّ من التوقف عند الأخطاء الثورية التي فاقمت معاناة السوريين ومأساتهم، حتى وصلت أخبارها إلى العالم كله. فما يُكتب سيكون يومًا ما تأريخًا لهذه الثورة، والسكوت عن هذه الأخطاء، وعدم ممارسة النقد الذاتي للمسار الثوري، بذريعة الحرص على مشاعر الثوريين، سيؤدي إلى إعادة اجترار تلك الأخطاء وتفاقمها.

الأخطاء الثورية!

إنّ كلّ نقدٍ باتجاه الخارج، لتبرير حالات الفشل الثوري، يُعدّ هروبًا من مواجهة الأزمة، وعلامةً على الخوف من الإشارة إلى المستحقات الثورية الواجبة لسورية المستقبل. هناك جملة أخطاء ثورية تحولت -بمرور عقد من الزمن- إلى خطايا لم تُعالج بحكمة وعقلانية وطنية، حتى يومنا هذا، منها:

أحادية الثورة أيديولوجيًا

بعد أن بدأت الثورة تتمدد اجتماعيًا، قياسًا على ما حصل في ليبيا وتونس ومصر، استطاع الإسلام السياسي التغلغل في حراك الشباب الثوري، ليقوم بعملية سطو ثورية، وبتشكيل المجلس الوطني، ومن ثمَّ الائتلاف، وتمت عملية سطو واضحة للتيار الإسلاموي، وقد أفرز هذا السطو خطابًا أيديولوجيًا أحاديًا، لم يراعِ المكونات السورية الأخرى العرقية أو الدينية، ولا المكونات السياسية الموجودة التي تناضل منذ عقود.

والمعلوم أن الخطاب الأيديولوجي الأحادي سينتج بالضرورة نظامًا استبداديًا، قد يصبح أكثر توحشًا من النظام الأسدي، لأنه يُقَوّم الآخرين على أساس أيديولوجي لا على أساس وطني، وهنا سندخل في مرحلة التكفير والردة، ذات العواقب الوخيمة. وبات هذا الخطاب الثوري، بعد عسكرة الثورة وتشكيل “مؤسساتها السياسية”، خطابًا أحاديًا ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويتكلم بخطابٍ “غير مواطِنِيّ” تجاه المكونات الأخرى، ومنهم من صرّح بدعمه لتنظيمات متطرفة! وقد شكّل ذلك حالة خوف وتردد عند تلك المكونات والأحزاب العلمانية، فبدأت تنسلخ وتبتعد شيئًا فشيئًا عن مؤسسات الثورة. والثابت تاريخيًا أنه لم يستطع أي نظام مؤدلج أن يحافظ على انتصاراته، ما دام نظامًا أحاديًا، ولا توجد تجربة في التاريخ المعاصر تقول بنجاحه.

المعادلة الصفرية

قام الخطاب الثوري، منذ لحظاته الأولى، وعند عسكرته، على فرضية المعادلة الصفرية، من دون تفريق بين الدولة والنظام! وقد أدى ذلك إلى انحياز شريحة من العاملين في الدولة إلى النظام والالتفاف حوله، خوفًا على ذاتها من محاكم ثورية تقوم بتصفيتها في حال انتصار الثورة! كما كان مأمولًا في أشهرها الأولى. ويضاف إلى ذلك عدم مراعاة المصالح الدولية في إنهاء النظام كاملًا بشكل صفري، على غرار ما حدث لنظام صدام بعد الغزو الأميركي! فتعالت أصوات تنادي بالمطالب العراقية نفسها، واندفع “بعضهم” إلى نهب وتعطيل وتخريب ما هو مُلك للدولة، باسم الانتقام من النظام!

وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي بعد تجربة العراق 2003 لم يعُد مؤمنًا بالمعادلة الصفرية، بدليل مؤتمر جنيف الأول وصولًا إلى القرار الأممي 2254 الذي لا يقول بالمعادلة الصفرية، فإن الخطاب والسلوك الثوري بقيا مصرّين على المعادلة الصفرية غير المسموح بها دوليًا حتى يومنا هذا.

تجاهل الحقوق المدنية

ركّز الخطاب الثوري على موضوع إسقاط النظام، وعلى الحقوق السياسية والمظلومية عند المنتفضين، فغاب الحديث عن الحقوق المدنية التي هي رسالة اطمئنان للسوريين الآخرين، كي ينضموا إلى الحاضن الثوري، ومن ثم تكون الثورة أكثر قبولًا، مكوناتيًا وعلمانيًا ودوليًا، كونها تتحدث عن حقوق الإنسان السوري من دون تفريق على أساس طائفي أو مذهبي أو قومي، وهذا مناسبٌ جدًا وطنيًا، وسيحظى بدعم دولي، ولكن تجاهل الحقوق المدنية لفئات كثيرة من السوريين، وإهمال هذا الموضوع، إلا من خلال الندوات واللقاءات الفضائية بطريقة دبلوماسية، لا وجود لها بالواقع الثوري عند سواد الثوريين المأدلجين، جعل بعض أبناء الثورة يصرخون: “هذه الثورة لم تعد ثورتي”. علمًا أن الحقوق المدنية هي أهمّ، إنسانيًا واستراتيجيًا وثوريًا، من الحقوق السياسية. ونتيجة غياب المشروع المدني عن الحالة الثورية، غاب المشروع الوطني، وتلك خطيئة ثورية.

تحطيم القادة والرموز الثورية

فشلت الحالة الثورية بامتياز في إنتاج قادة رأي عام، يوجّهون الحشود والتجمعات الثورية، ولا شكّ في أن أيّ ثورةٍ تفشل في إنتاج قادة رأي عام ستتخبط، وهذا يجعل للمال السياسي الدور الأكبر في بروز قيادات هشة ومرحلية، لا تملك الكفاءة، ونتيجة المال السياسي والانحيازات إلى الخارج، مارس المجتمع الثوري عمليات إعدام معنوية لرموز ثورية، ففقدت الثورة أخلاق الفارس الثوري حتى مع أبنائها.

غياب هذه القيادات عن الثورة المصرية والليبية والتونسية أسهم في نجاح الثورات المضادة، فكان نجاح تلك الثورات في تغيير رأس النظام نصرًا بطعم الخسارة. وما نزال حتى اليوم نمارس عمليات إعدام لأي شخصية قيادية تظهر، حتى أصبح هناك اتفاق عالمي على أن السوريين الثوريين غير متفقين، ولن يتفقوا.

تَوَرُّم الطائفية والقبلية والمناطقية

ما سبق أوقع الثورة في فخ التورمات الطائفية والقبلية والمناطقية، التي تنهش مشروع الثورة نهشًا سرطانيًا، لتؤكد أن الوصول إلى دولة المواطنة، بمعناه العميق، بات حلمًا بعيد المنال. حيث بتنا، ولو سقط النظام، أمام احتراب هوياتي، بذرائع طائفية وقبلية ومناطقية، ربما تجعلنا ندخل في نفق فوضى جديد لا نهاية له! وإن تلك التورمات نستطيع توصيفها بأنها ردّة وطنية ومواطنية مملوءة بالخواء الوطني والإنساني.

تداخل الاختصاصات وفوضويتها؟

مما يحيّر المرء أن الثورة السورية ما زالت تعاني حتى اليوم فوضى الاختصاصات، وما تزال تلك الحال سببًا غير مباشر لكثير من الإخفاقات الثورية، حتى وجدنا العسكري يتبوّأ مكانًا سياسيًا ويفاوض سياسيًا! وهذه خطيئة، وكذلك تحوّل الناشط الثوري بين ليلة وضحاها إلى محلل إستراتيجي وإعلامي، وعضو وفد تفاوضي، حتى أُصبنا بتخمة من الإعلاميين والمحللين الاستراتيجيين، والمصيبة الكبرى أن غالبية هؤلاء يحلل ويكتب بناءً على رغبات وأماني، لا على معطيات ومعلومات؛ فاستشرى بيع الوهم، واتسعت تجارته في الحالة السورية.

وتزايدت فوضى الاختصاصات في زوايا وجوانب الثورة كلها، ولم يعد هناك تفريق وتمييز، حيث أصبح أصغر ناشط ثوري يستطيع، بديماغوجيته “الفيسبوكية والواتسابية”، أن يتطاول على شخصيات وطنية معارضة، قضت ضعف عمر هذا “الثورجي” في المعارضة. وما تزال فوضى الاختصاصات تنتج لنا جملة أخطاء وخطايا ثورية، متناسين أن العالم اليوم يعيش مرحلة اختصاص الاختصاص، وأن نشاط أحدهم، ثوريًا، ليس كرتًا أخضر، يسمح له بالحديث أو الكتابة والتنظير في أشياء لا يجيد ألف باءها، والشعب السوري ليس حقل تجارب، ليتعلم به هؤلاء وأولئك.

نتيجة لما سبق!

أحدثت الثورة انقسامات عمودية داخل الشارع الثوري، وفقد أبناءُ الثورة الثقة ببعضهم، وصار التخوين والتكفير ديدن كثيرين؟ وأدى ذلك إلى تشرذمات ثورية باسم تجمعات أو تيارات أو أحزاب ومنصّات. وكانت النتيجة خروج القرار من أيدي السوريين، ليصبح الحلّ شأنًا دوليًا، ولم يعد كلا الطرفين -النظام والمعارضة- جزءًا من الحل، على أن بإمكانهما عرقلة الحل بدعم من أطراف إقليمية ودولية. ووصل الشباب الثوري، نتيجة هذه الفوضى الثورية والإخفاقات والسطو الإسلاموي، إلى حالة الكفران الثوري، ودفعه ذلك إلى المغامرة بحياته، والهجرة عبر قوارب الموت باتجاه أوروبا، بعدما وجد أن ثورته سرقها مأدلجون، لا يقيمون وزنًا لثلاثية الثورة المقدسة (الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية).

إن الثورة التي تقوم ضد نظام استبدادي أولغارشي، ولا تُسقط من خطابها وسلوكها الأنانية الطائفية والانحياز المناطقي السلبي، ويغيب الخطاب والسلوك المواطنيّ الإنساني فيها، هي ثورة تضع مستقبلها في مهبّ الريح.