هل فشلت (الثورة) السورية فقط لأن هناك عوامل (خارجية) أفشلتها؟ أم أن هناك أسبابًا (داخلية)؟ وما هي هذه (الداخلية) هنا؟

الكلام على علاقةٍ بين (الداخل) و(الخارج) يُحيل في العمق إلى أرضية فكرية وليست سياسيةً بحتة. وكان تصاغ بصورة دائمة على أنها (جدلية العلاقة بين الداخل والخارج)، وكان المفكر الراحل طيب تيزيني كثيرًا ما يتحدث عن (الداخل) و(الخارج) في معرض نقاشاته عن الأزمات التي تعصف بالمجتمع العربي، ومن بينه المثال السوري. نحن الآن يمكننا استعادة المفهوم نفسه ليشكل أحد مفاتيح فهم ما ورائيات الكارثة السورية التي استعصتْ وتعقّدتْ. وكان يعني -في ما يعنيه- أن الخارج يخترق الداخل ويؤثر فيه، ويعيد صياغته ليصبح هذا الخارج داخلًا.

قبل هذا، يمكن الإشارة إلى حالة من الاستغراب لا نعرف سببه حيال ما يقال من أوصاف للحالة السورية، حين تصفها بأنها (أزمة) سوريّة؛ فثمة استنكار لتعبير (الأزمة)، وكأنها سبّةٌ أو انتقاصٌ من جلال الواقع وخطورته الفادحة، أو كأنه تقليلٌ من شأن ما جرى.

لم تكن الانتفاضة السورية في شهورها الأولى أزمةً. بل كانت وسيلة حالمة بالخروج من أزمةٍ شاملة غرقت فيها سورية على كل صعيد ومستوى. أزمةٌ تمّ التخطيط لها بمنهجية أسديّةٍ قمعية لا مثيل لها. فلم يكن هناك بدّ من الانفجار الكبير، كما يعبّر بعض الكتّاب. وكان يمكن أن تكون الشهور الأولى للانتفاضة العظمى بداية للخروج الكامل من تلك الأزمة ذات المنشأ الأسديّ، لولا…

هذه الـ (لولا) هي ما يجعلنا نستعمل أدوات للسؤال حول طبيعة ما تطورت إليه تلك الانتفاضة، بدءًا من عسكرتها، وصولًا إلى عبثية المفاوضات التي يناسبها وصف مفاوضات الخطوة الثابتة في المكان، وهي أشدّ عقمًا من المراوحة في المكان، مرورًا بتشظّي كتلة الانتفاضة إلى فصائل مسلّحة من كل حدب وصوبٍ. فكل هذه التطورات التراجيدية جعلت سؤال (الثورة) غائمًا بعض الشيء أو كثيرًا. وقد مرّ وقت طويل حتى تجرأ بعضنا على المساءلة والمحاسبة حتى في أشكالها الباهتة، حول ما جرى تشويهه وارتكابه باسم الثورة والحرية، من قبل فصائل لا ندري ما هي حقيقة انتمائها إلى الحلم السوري والثورة!

من هنا وجدنا أنفسنا -السوريين- أمام حالة لم يعد صالحًا معها التغنّي بأمجاد الثورة؛ فالثورة صارت هدفًا يتباعد عن متناول الواقع والممكن، وصار لزامًا السؤال حول أسباب ذلك. ولا بدّ من سؤال عن الأسباب الداخلية والخارجية لهذا العقم الذي وصلت إليه إمكانيات ثورةٍ وئدتْ في مهدها.

هناك افتراضٌ لم يقعْ، هو نجاح الانتفاضة في تخليص سورية من نظام القمع والقتل والانتقال بها إلى مرحلة جديدة يتم التدرج في خطواتها حتى يتمكن السوريون من بناء ذاتهم بشكل حرّ. هذا الافتراض هو الحلم المقتول بالضبط، وهو ما حوّل الثورة إلى أزمة فريدة في تعقيدها وانسداد آفاقها. فهل انسداد الآفاق هذا سببه الداخل أم الخارج؟ وما هو الداخل وما هو الخارج هنا؟

يمكن تكثيف عددٍ من العوامل الأساسية لانتفاضة السوريين، واعتبارها من أبرز وقائع تاريخ سورية المعاصر، اتخذت شكلًا يسمح لنا بوصفه بأنه تراجيديّ من بداياته. والتراجيدي يحيل إلى معنى البطولة التي تذهب إلى النهايات من غير تفكيرٍ منطقيّ وعدم اكتراث بالنتائج. ربما لا تفيد هذه الحال في أداء الانتفاضات والثورات، لكن الثورات تتفجّر هكذا كبركان مفاجئ، ثم تتخذ مساراتها المعقدة المأزومة، أو تصل إلى نتائجها المنشودة.

لم نصل إلى نتائجنا المنشودة، لأننا بقينا في مرحلة (التراجيديّ)، ولم يكن هناك تزامنٌ معرفيّ ولا فكريّ مع حراك جمهور الثائرين المنتفضين، وهنا يقع قدر هائل من المسؤولية ليس على الثائرين، بل على النخب التي كان عليها تقديم مسار من الوعي يصون ذلك الحراك الشعبي من الشروخ والتشققات، ويصوّبه حين يصطدم بعوائق من أي نوع.

الجمهور الثائر كان عبارة عن كتلةٍ نصفُها هنا في (الداخل)، ونصف كل العوامل والأطراف الأخرى، سواء أكانت نخبًا سورية ثقافية أم سياسية أم دولًا إقليمية وعالمية، في (الخارج).

كانت العلاقة بين هذين الطرفين علاقة غير سويّة، ولا تعطي الكتل السياسيةَ السورية إمكانيات الذهاب نحو الهدف الأساسي الذي قامت لأجله انتفاضة السوريين من البداية. هنا، وجدت دول كثيرة في اندلاع ربيع سورية آذار 2011 فرصة تاريخية نادرة لتحقيق مصالح قديمة أو مستجدة، أو ترسيخ واقع جديد داخل سورية يحصدون من تكريسه مصالح جديدة. ووجد السوريون أنفسهم أمام دولٍ كبرى وتحالفات معقدة، لا تتعامل مع (ثورتهم) كما يشتهون، وأن رياح العالم لا تسير وفق السفينة الداخلية.

وقد ظهرت في السنتين الأخيرتين مجموعة دراسات أو مقالات تتحدث عن الخلل أو العطب الداخلي الذي كان من أبرز أسباب فشل الحلم السوري. ولكن ما هو جدير بالتركيز عليه أكثر أن هناك أسبابًا قد لا يتاح الاعتراف بها علانية وبشفافية، فهي أكثر تعقيدًا مما يخيل. وجميعها تصبّ في طريقة تعاطي معظم السوريين مع قضايا لم يسمح لهم بالتفكير بها علنًا في الأساس، منها كيف ينظرون إلى المشكلة المركزية في النظام السوري؟ على أيّ أساس كانت تبنى المواقف الشعبية من هذا النظام؟ هل هناك اتفاق عامّ على رؤية الخلل الأساسي في هذا النظام، في أنه نظام استبدادي أحادي باطشٌ، أم أن هناك أسبابًا في اللاوعي الجمعي (الجماهيري) المتديّن المتعصب الذي يرى مشكلته في النظام مشكلة دينية أو بالأحرى طائفية؟ أي هل هناك رؤية اجتماعية عامة تناهض النظام، لأنه ليس نظامًا إسلاميًا يقيم شرع الله وحدوده؟ هل هناك فهمٌ عموميّ للأزمة التي أوقع النظام بلادنا فيها؟ وهل هذا الفهم العموميّ مبنيّ على أسسٍ ثوريةٍ فكرية تسعى لبناء نظام ديمقراطي علمانيّ؟ أم أن هذا الفهم كان يتمحور حول تكفير النظام وضرورة استبداله بنظام إسلاميّ؟ أليس هذا ما سهّل على الجماعات الإسلامية المسلحة أن تجمع حولها جمهورًا غفيرًا من السوريين، في ما سمي بالمناطق المحررة؟ أليس هؤلاء السوريون مناهضين للنظام الحاكم؟ وهم حملة أعلام الثورة مع أعلام الخطاب الإسلامويّ؟ ثم ألم يكن هذا المآل الذي ذهبت إليه الأمور أكبر خدمة للنظام، أمام الرأي العام العالمي والإعلام الغربي الذي يهمه اقتناص المشاهد والصور المعبرة عن إرهاب الإسلام ومعاداة العلمانية؟ وفي النهاية، ألم يتحول ذلك كله إلى أزمة؟!

نريد القول إن هناك استعدادًا في (الداخل) لنموّ الأزمة واستفحالها، وإن كل العوامل الخارجية استغلّت هذا الاستعداد الداخليّ واخترقته، وصارت تعيد تركيبه وتسييره على هواها.

لا شك في أن جميع الجماعات البشرية، في أي مجتمع، لها حقوق التديّن والعبادات والتعبير عن ذلك، فهذا مما لا يحق لأحد منعه وإلغاؤه، لكن الخطاب الدينيّ لا يمكن له التأسيس لمشروع اجتماعيّ سياسي اقتصاديّ شاملٍ، يكون بمنزلة الردّ على خطاب النظام، بل إن المردود سيكون عكسيًا في هذه الحالة، أي حين يتصارع خطابان دينيّ راديكاليّ، وخطابُ نظامٍ شموليّ، سيأتي ذلك بمردود سلبيّ يصبّ في مصلحة النظام أمام العالمِ الخارجيّ. وهذا ما برّر لكثيرين في الخارج تعديل طرق تعاملهم حتى مع المعارضة السورية الممثلة بكيانات سياسية لا تخلو هي الأخرى من غلبةِ الخطاب الإسلاميّ عليها. لقد وجد النظام فرصة موضوعية سانحة لتحسين مشهده أمام العالم الذي يهمّه وجود أنظمةٍ تتذرّع بالمعاصرة والعلمانية المقنّعة، وإن كانت موغلة في استبدادها، فالعلمانية لا تعني غياب الاستبداد، لهذا نفهم الأسباب غير المباشرة لتأييد الغرب لأنظمةٍ شرقية وعربيةٍ، تحمل سجلًا أسود في حقوق الإنسان والحريات، فقط لأنها إما تحقق جانبًا مهمّا من مصالح الغرب، أو لأنها تدعي الوقوف في وجه المدّ التكفيريّ الذي صعد ذروته مع تنظيم (داعش) وتداعياته.

إن العطب الداخليّ لدى السوريين حوّل المرحلة السورية الأخيرة بالفعل إلى (أزمةٍ)، بل إلى أزمةٍ كبرى ونادرة الحدوث في تاريخ سورية على ما يبدو. لهذا حين تصف الأمر بالأزمة، فنحن لا نردد توصيفات تسويغيّة اعتدنا على سماعها، كتعبير مسموح به في الداخل لدى الجميع تقريبًا، بل ينبغي أن يكون معنى الأزمة هنا معطًى أكثر خصوصية وخطورة بما يعنيه من تعقّد الحلول التي ذهب السوريون في الأساس إليها، وفي انسداد الآفاق التي تتيح تحقيق العدالة على الأرض السورية، وانسداد الآفاق على مستويات كثيرة ومتشابكة. فالمفاوضات بين النظام والمعارضة صارت جزءًا من المشكلة، وهي مظهر جليّ من مظاهر الأزمة، والسوريون في الداخل أمام شبكة أزمات حادة لا تخلو من الجانب النفسي والاجتماعي المظلم، واللاجئون، خاصة في دول الجوار السوري، يعيشون أزمات لم يألفوا مثيلًا لها، والنخب الثقافية تعاني أزماتها… إلخ. لقد أطبقت دلالة (الأزمة) بمعانيها على الجميع، ولا يبدو لأحدٍ أن باب الخروج منها ممكنٌ، بل إنه يزيد ضبابيةً وتأزّمًا.

خلاصة القول هنا: إذا كانت (الأعمال بالنّيات) فإن الثورات لا تُصنع بالنيّات ولا بالرغبات التي نُسقطها على حركة ثورية ما أو انتفاضة ما، ثمة من يهرب من الاعتراف بأن أزمات مجتمعنا العربيّ هي في بنية هذا المجتمع وثقافته وذاكرته. ومن أوجه هذه الأزمات أن مجتمعنا ليس مدنيًا ولا علمانيًّا، إضافة إلى أنه غير ديمقراطيّ، وأنه مستلب للفكر الديني بصورة عامة. نعم، لقد عززت الأنظمة الشمولية المستبدّة هذا الوضع، ولا شكّ في ذلك، ولكن لأنها وجدت في الاستلاب للفكر الديني ما يساعدها على شموليتها، فالدين شامل مثل نظام الاستبداد، مثل الحزب الكلي القدرة كأنه الله. ولا يجوز أن نهرب من الاعتراف بأن الانتفاضات العربية لن تؤدي، بهذه السهولة والطيبة التي نتوقعها، إلى تحرير العقل من غيبوبته، فهذا هدفٌ يحتاج تحقيقه إلى تراكم أنماط من الوعي والتغير الداخليّ حتى على صعيد الفرد.

لا يمكننا نكران أن للحمولة الدينية الرمزية أثرًا وجدانيًا في ثورة الناس وتمرّدهم على حكّامهم، وعلينا أن نعزّز هذا التمرّد ونقدّره عاليًا؛ ولكننا سوف نقع في سلسلة أزماتٍ طاحنة، حين نشرعنُ أن بديل أي نظام استبدادي هو نظامٌ قائم على خطابٍ دينيّ محض.