عقد كلّ من مركز حرمون للدراسات المعاصرة، ومركز دراسات الخليج في جامعة قطر، ورشة عمل إفتراضية بعنوان “دور دول الخليج في الصراع الدائر في سورية“، وذلك يومي السبت والأحد 18 – 19 أيلول/ سبتمبر 2021.

شارك في الورشة باحثون وأكاديميون، من دول الخليج وتركيا وإيران وروسيا وألمانيا وفرنسا والصين وبريطانيا والولايات المتحدة، ناقشوا مواقف دول الخليج (دول مجلس التعاون مع العراق واليمن) من الصراع في سورية.

ركّزت الورشة على تحليل دور ومواقف هذه الدول، تبعًا لتغيّر صور الصراع في سورية والمراحل التي مرّ بها، وسمات كل مرحلة، وعوامل تبدّل الأدوار لكل دولة، وتحليل الموقف الحالي من الصراع الدائر، وممكنات أدوار هذه الدول في الدفع نحو إنجاز حلّ سياسي قريب، وتوقعات تطور هذه الأدوار بالارتباط بتطور الأوضاع في سورية. وندرج هنا خلاصة الآراء والأفكار التي أوردها المشاركون في الورشة.

1. سمات الوضع الحالي للصراع في سورية ومخاطره:

منذ آذار/ مارس 2020، ولقاء بوتين-أردوغان، تراجع مستوى العنف، وتجمّدت خطوط التماس العسكرية في الشمال السوري، مع استمرار الوجود العسكري للدول الأربعة المتحكمة في المشهد السوري، وهي أميركا وروسيا وتركيا وإيران. وأصبح الموقف الدولي يتسم بالفتور تجاه الصراع الدائر في سورية، وتراجع الاهتمام بالحل السياسي، وتحوّل النظر إلى هذا الملفّ من خلال الزاوية الإنسانية والإغاثية وحسب. وبقيت سورية مقسمة إلى أربع مناطق نفوذ فعلية، تديرها أربع حكومات، وهي حكومة النظام في دمشق والجنوب والوسط والساحل؛ وحكومة الإدارة الذاتية (التي تسيطر عليها قوات البي واي دي الكردية) في شمال وشرق البلاد؛ وحكومة الإنقاذ في إدلب التي تتبع لهيئة تحرير الشام؛ والحكومة المؤقتة في المناطق الثلاث في الشمال، مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام. ويخشى من استمرار حالة الانقسام في مناطق النفوذ في سورية، لتصبح حالة دائمة، حيث إن عمليات إعادة الإعمار بالوضع الحالي تعزز حالة التقسيم هذه، وإن إطالة أمد الحرب تؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، ولا يمكن لأي حل سياسي أن ينجح، ما لم يستند إلى القرار الدولي 2254، الذي يؤدي إلى انتقال سياسي وهيئة حكم انتقالية، تفضي إلى انتخابات حرة، بينما يهدد تطبيع العلاقات مع النظام السوري، بدون حل سياسي، باستمرار الوضع المتفجر، ولا يسمح بعودة آمنة للاجئين والنازحين إلى مناطقهم.

أوضاع الناس المعيشية سيئة جدًا، في مختلف هذه المناطق، وخاصة في مناطق سيطرة النظام، فهي الأكثر سوءًا، وتكاد بعد أكثر من عقد من الحرب أن تصل إلى فوهة البركان، والقادم قد يكون أخطر، بعد أن استنفدت كل الإمكانات السورية المحلية. وتنعكس هذه الأوضاع على شكل هجرة واسعة، وخاصة من أصحاب الكفاءات والمهن العلمية. وإذا كان عدد سكان سورية اليوم نحو 26 مليون نسمة، حسب التقديرات الأخيرة، فـإن نحو 10 مليون منهم خارج سورية، نتيجة التهجير والنزوح، وما تبقى هو نحو 16 مليونًا موزعين كالآتي: نحو 4.7 شمال غرب سورية التابعة للمعارضة السورية ومن خلفها تركيا ومعها مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب؛ ونحو 9.4 في مناطق النظام ومن ورائه إيران وروسيا؛ ونحو 3 مليون في مناطق “قوات سوريا الديمقراطية”، ومن خلفها أميركا. وبعد أكثر من 11 عامًا من بداية انطلاق الثورة، أصبح لدينا جيلٌ من الشباب عاش كلّ حياته في حالة عدم الاستقرار، وأصبحت ورقة اللاجئين مجالًا للمساومات السياسية بين أطراف عدة، كتركيا والاتحاد الأوروبي، الحكومة والمعارضة التركية، النظام والمعارضة في سورية.

وبعد 2015، بدأت المساعدات الإنسانية الخليجية تذهب بالكامل إلى الأمم المتحدة، من أجل الابتعاد عن شبهة الإرهاب، وهنا تكمن بعض الخطورة، لكون عمل الأمم المتحدة في المناطق التي تكون فيها الدول هشة هو إشكالية كبيرة جدًا، إذ يجعل المساعدات الإنسانية مرهونة بقرار سياسي.

2. مواقف الدول الأخرى وكيف تنظر لدور دول الخليج مستقبلًا:

رأى المشاركون أن للدور الخليجي أهميته عبر مسارات عدة: دعم عملية الانتقال السياسي وفق قرارات مجلس الأمن، بالإضافة إلى الحفاظ على وحدة سورية واستقرارها، والاستمرار في تقديم الدعم الإنساني للسوريين وتنسيق الجهود مع تركيا ضمن هذا الإطار، وأخيرًا الاستفادة من المصالحة الخليجية الخليجية التي من الممكن أن يكون لها نتائج إيجابية على الملف السوري، على اعتبار أن هناك تقاطعات كبيرة بين تطلعات السوريين وأهداف دول الخليج، بالوقوف في وجه المخططات التخريبية الإيرانية ومكافحة الإرهاب والتطرف.

أما مستقبلًا، فقد أكد المشاركون في ورشة العمل على الدور الإيجابي الذي يمكن لدول الخليج أن تؤديه في سورية، وذلك من خلال تمكين الاستقرار السياسي، وتقديم مزيد من الدعم على المستوى الإنساني، بالإضافة إلى الدور الاقتصادي المهمّ الذي قد تؤديه دول الخليج في إعادة بناء سورية وتقديم المنح المالية لمشاريع إعادة الإعمار.

هذا ضمن الإطار العام، أما عن موقف الولايات المتحدة الأميركية، فهي تنظر إلى الملف السوري الآن من زاوية إنسانية ، وتركيز أميركا الحالي ضيّق النطاق ومحصور في محاربة تنظيم داعش، وتخفيض التوتر بين تركيا والأكراد شمال شرقي سورية، إضافة إلى عدم فتح ملف إعادة الإعمار من دون حل سياسي. وإذا حاولت بعض الدول الإقليمية، أو دولة من دول الخليج، خرق هذا الموضوع والدخول في ملفّ الإعمار، فسيكون هناك ضغط عليها من قبل الإدارة الأميركية الحالية.

أما بالنسبة إلى الموقف الروسي الذي ورد على لسان أحد المشاركين من روسيا،فإن كلًّا من روسيا ودول الخليج لديهما مصلحة في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وكلاهما ضدّ أيّ انقسام أو تقسيم لسورية، ومع تحقيق الاستقرار السياسي. ولكن هناك خلافات عدة بين روسيا ودول الخليج، وأبرزها دور بشار الأسد، فبالنسبة إلى معظم دول الخليج فأي عملية في سورية يجب ألا يكون فيها الأسد، أمّا بالنسبة إلى موسكو، فهذا الأمر ليس هو المخرج الوحيد، إذ ترى موسكو أنه لا يوجد أي بديل عن الأسد يمكن تقديمه. كما يوجد خلاف آخر بين روسيا ودول الخليج يتعلق بإيران؛ فالتصور لدى دول الخليج أن إيران يجب أن تخرج مع ميليشياتها من سورية، ووجودها قد يضرّ بكثير من الأمور، لذلك يجب نزعها من المشهد السياسي في سورية من أجل مصلحة الشعب السوري، بينما موقف روسيا تجاه إيران مختلف، إذ ترى أن إيران لديها مصالح شرعية في سورية، نظرًا للعلاقات التاريخية، فلذلك من الأفضل أن تكون إيران ضمن المعادلة وليست خارجها. ويمكن لروسيا أن تؤدي دورًا في الحوار بين النظام السوري والمعارضة، كما جرى في درعا أخيرًا، من أجل الدفع نحو حل سياسي يحافظ على وحدة سورية وأراضيها، ويضمن عودة اللاجئين.

في حين أن اهتمام تركيا بالملف السوري يأتي منأربع جهات: أولًا ضمان عدم قيام كيان عابر للحدود تقوده القوات الكردية؛ وثانيًا ضمان نزع فتيل النزاع في إدلب لتكون المنطقة آمنة؛ وثالثًا ضمان عدم حصول أي موجة نازحين باتجاه مناطق سيطرتها أو موجة لاجئين جديدة باتجاه أراضيها؛ وأخيرًا تطبيق القرار الأممي 2254 وضمان الاستقرار والسلام في سورية، والتوصل إلى إقامة حوار بين المعارضة والنظام السوري.

أما الموقف الإيراني فقد كان واضحًا بدعم نظام الأسد لمنعه من السقوط، إذ يعتبر الإيرانيون أن ثورات الربيع العربي جزءٌ من الخطة الأميركية لتغيير الأنظمة السياسية في المنطقة، بعد وصول روحاني للرئاسة 2013، كان موقف إدارة روحاني داعمًا أكثر للانخراط الإيراني في سورية لدعم الأسد وإنقاذ النظام السوري. خصوصًا بعد الدعم الذي قدّمته بعض دول الخليج للثورة السورية. ولا يتوقع أن يُغيّر الرئيس الإيراني الجديد سياسة إيران تجاه سورية.

يتفق كل من الموقف الفرنسي والبريطاني والألماني على الحلّ السياسي في سورية، وفق قرارات مجلس الأمن، وعلى عدم التطبيع مع النظام السوري من دون حلّ سياسي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى إعادة الإعمار، فلا إعادة إعمار قبل تحقيق حل سياسي حقيقي. وقد باتت هذه الدول الثلاث تنظر إلى الملف السوري من خلال تقديم الدعم الإنساني ومحاربة الإرهاب ووقف موجات الهجرة واللجوء.

اكتفت الصين في البداية باستخدام حقّ النقض “الفيتو”، ضدّ أي قرار يدين النظام السوري في مجلس الأمن، خشية تكرار السيناريو الليبي، وفي الفترة بين 2012 و2018، ركزت الصين على دعم الحلّ السياسي، سواء مع الحكومة السورية أو مع المعارضة السورية، حيث استقبلت أربعة وفود من المعارضة خلال هذه الأعوام، وفي العام 2016، عيّنت مبعوثًا خاصًا لسورية. ومنذ العام 2018، بدأت الصين التفكير بالمساهمة في إعادة الإعمار، وقد زارت سورية أكثر من 30 شركة صينية للبحث عن فرص. حيث تنظر الصين إلى سورية على أنها جزء من طريق الحرير البري والبحري. وتركز الصين أيضًا على مكافحة الإرهاب في سورية، وهذا لا ينطبق فقط على داعش وجبهة النصرة. حيث يؤثر الإرهاب في الصين، بالرغم من بُعد سورية جغرافيًا عن الصين.

3. سياسات دول الخليج تجاه الملفّ السوري وعوامل تبدل هذه السياسات:

انخرطت دول الخليج في الصراع في سورية، بعد أن فقدت الأمل بأي خطوة إصلاحية يمكن أن يقوم بها بشار الأسد، وكان لها دور فاعل في الفترة بين 2011 و2015، ولكنه تراجع بعد دخول روسيا، وسط صمت عربي ودولي مطبق، وبعد بروز الخلافات الخليجية الخليجية إلى السطح في 2014 وانفجارها في 2017. وعلى الرغم من أن دول الخليج تملك أوراقًا وإمكانيات تؤهلها للعب دور في الدفع بحل سياسي في سورية، فلا يمكن لها أن تلعب الأدوار الكبيرة المأمولة منها، وذلك بسبب التحديات الداخلية والاقتصادية. وممّا يُضعف دور دول الخليج في الملف السوري غيابُ موقف خليجي موحد تجاه هذا الملف، وغياب استراتيجية خليجية موحدة للتعامل مع أي ملف خارجي، فضلًا عن وجود تباين في المواقف من إيران وتدخلاتها في المنطقة.

لم تستخدم الدول الخليجية علاقاتها مع روسيا للضغط عليها، في ما يتعلق بالشأن السوري، بل على العكس طوّرت من علاقاتها معها، مند تدخلها في سورية في العام 2015. ويعتقد بعض قادة دول الخليج أن الانفتاح على النظام السوري يُسهم في تخفيف النفوذ الإيراني، وقد ثبت خطأ هذا الاعتقاد.

بالنسبة إلى الموقف السعودي، فقد حرصت الرياض منذ البداية على ألا ينزلق الوضع في سورية باتجاه العنف، نتيجة العلاقة بين الملك عبد الله وبشار الأسد. حيث عرضت المملكة بداية 350 مليون دولار، لتحسين أوضاع الشعب، ثم طرحت مبادرة شبيهة بالنموذج اليمني، لكن تعنّت النظام حال دون ذلك. حيث استمر النظام في القتل المنهجي. ولا تبدو السعودية لاعبًا ذا تأثير كبير في الملف السوري، فهي مشغولة اليوم، ماديًا ومعنويًا وإعلاميًا، تمامًا في اليمن، ولكنها تبقى متمسكة بنقاط عدة، أوّلها وحدة سورية وعدم طرح نموذج فدرالي أو طائفي في البلاد، وثانيها عروبة سورية، والثالثة إشكالية الأسد، حيث يجب التفريق بين النظام والدولة، لمنع تكرار النموذج العراقي. الموقف السعودي لا يزال ثابتًا، بخصوص الحل السياسي القائم على القرار 2254 وبيان جنيف1، مع التأكيد أن إيران لا تزال تشكل خطرًا على سورية وهويتها.

أما موقف قطر، فقد كان واضحًا في دعم تطلعات الشعب السوري، ولكن هذا الدور شهد تراجعًا، بعد أزمة 2014 وسحب السفراء، ثم انفجارها في 2017، وأصبح التركيز موجهًا إلى الدعم الإغاثي والإنساني، مع تراجع قوى الثورة عسكريًا وميدانيًا، وكان لتشتت قوى المعارضة دور في توجيه الدعم للقوى والفصائل المختلفة. ويتركز الدور القطري حاليًا باتجاه دعم استقرار المناطق المحررة في الشمال، بانتظار تحقيق تقدم في العملية السياسية.

الكويت كان لها موقف مشابه لمواقف دول الخليج الأخرى، بل إنها رأت في بداية ما جرى في سورية فرصة للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، وما تزال الكويت تسمّي علاقاتها مع النظام السوري (تجميد العلاقات) وليس قطع العلاقات، ويشهد الكويت حالة انقسام تجاه المسألة السورية، على أساس طائفي (سّني وشيعي)، ومن أجل ذلك، كانت الكويت تتعامل بحذر مع الملف السوري، وكانت تلتزم بالقرارات التي تصدرها جامعة الدول العربية والأمم المتحدة. ويمكن تصنيف المحركات الأساسية للسياسية الكويتية تجاه سورية بالتالي: الهوية الإسلامية السّنية للكويت، وجود المكوّن الشيعي، وتأييد الكويت لدول الخليج وعلاقتها الوثيقة بأميركا، والتخوف من إيران وتدخلاته. ولم تتخذ الكويت حتى الآن أي خطوة في مجال إعادة العلاقات مع النظام السوري، وهي ترفض حاليًا مسألة الاعتراف بـ “بشار الأسد” كرئيس شرعي، وتسعى للحياد النسبي في كثير من القضايا الإقليمية.

أما سلطنة عمان، فقد مرّت سياستها تجاه سورية بثلاث مراحل: مرحلة الترقب والانتظار وعدم اتخاذ إجراءات صريحة معلنة، واتخاذ موقف محايد، ومرحلة الاقتراب النسبي من النظام السوري الذي استمر سنوات عدة، والأخيرة مرحلة التأييد الصامت للنظام السوري. تميل السلطنة إلى التصالح مع القضايا الإقليمية، وتتجنب حالة الصدام.

بالنسبة إلى الإمارات، فقد تبنت في البداية الموقف الخليجي الداعم للحراك في سورية حتى العام 2013، ولكن مع ارتفاع الخطاب الإسلامي في سورية ومواجهتها مع الإخوان المسلمين، تحوّلت إلى الانكفاء، ومواجهة الحركات الإسلامية في المنطقة. والإمارات اليوم مشغولة بأكثر من جبهة، في حين كان التوجه الإماراتي واضحًا بالتطبيع مع النظام السوري، وبالتالي وصلت الإمارات إلى نقطة اللا عودة في هذا المسار.

وأخيرًا العراق، لا يوجد سياسة عراقية مستقلة، وهناك انقسام تجاه سورية، كل طرف من طرفي الانقسام هو تابع لأحد أطراف الانقسام الإقليمي. لم يكن هناك ودّ بين العراق وسورية، بعد الغزو الأميركي وسقوط نظام صدام حسين، حدث التحوّل الجذري تجاه الثورة السورية 2011، من خلال موقفٍ اتخذه رئيس الوزراء نوري المالكي، بالوقوف مع النظام السوري، وكان العراق جزءًا من القرار الإيراني في الدفاع عن النظام السوري، وجزءًا من الميليشيات التي تستلم قراراتها من إيران.

4. إمكانيات دول الخليج في تحريك الملف السوري اليوم:

ابتعدت دول الخليج أو أبعدت نفسَها عن الملفّ السوري، مفسحة المجال أمام إيران وتركيا وروسيا وأميركا، حتى بات البعض يعتقد بعدم وجود دور حقيقي لدول الخليج في سورية الآن، وعلى الرغم من ذلك، يبقى الدور الدولي لدول الخليج ظاهرًا ولا يخفى على أحد؛ ويبقى مؤثرًا عبر شبكة علاقات كل دولة خليجية، وعبر شبكة العلاقات الداخلية لهذه الدول، نتيجة وزنها السياسي والاقتصادي، حيث تتمتع هذه الدول بعلاقاتٍ مع مراكز القوى العالمية، وبالدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن، وبالدول الأوروبية، ويتيح لها ذلك أن تلعب دورًا أساسيًا في أزمات المنطقة، ومنها الأزمة السورية، لتدفع باتجاه حلّ سياسي عادل يُسهم في الحد من معاناة السوريين والتأثيرات الناتجة عن ذلك في بلدان الجوار والمنطقة. ويمكن أن تكون هناك علاقات أقوى مع تركيا، بخصوص سورية، لما لها من أوراق في الشأن السوري، مثل مناطق نفوذها في الشمال السوري، واستضافتها لملايين اللاجئين على أراضيها.

من جهة أخرى، تواجه دول الخليج مشاكل داخلية وتحديات اقتصادية ومالية، وبالتالي لا يمكن التعويل كثيرًا علىيها مستقبلًا، ومن الممكن لدول الخليج أن تُسهم وتساعد، ولكن لا بدّ أن يكون هناك مناخ ودعم دولي لدورها، علمًا أن سورية تحتاج إلى هذا الدور الخليجي. ولكن أي تسوية سياسية مُشوهة في سورية، لا تأخذ في الاعتبار إرادة الشعب السوري الذي خرج مطالبًا بالتغيير، لن تخدم الاستقرار في المنطقة.

يمكن لبعض دول الخليج أن تلعب دورًا مؤثرًا في المستقبل لتسدّ فراغ الدور العربي، ويمكن التعويل على المصالحة الخليجية القطرية السعودية، لأنها فتحت الباب أمام إمكانية التفاهم بين الرياض والدوحة، لتحريك الموقف العربي الموحد. ويمكن للمصالحة الخليجية-الخليجية، والمصالحة الخليجية-التركية، أن تخلق مناخًا جديدًا، وأن تنعكس إيجابًا في الملف السوري، من خلال علاقات هذه الدول والأدوات التي تملكها، خصوصًا في حال وجود حد أدنى من التفاهم تجاه الأزمة في سورية..حيث يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في مجالات مكافحة الإرهاب، سواء من الميليشيات الإيرانية أو الجهادية وميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYJ، وفي مجال مكافحة المخدرات.

ويمكن لدول مجلس التعاون أن تلعب دورًا في الدفع باتجاه استئناف جهود الحل السياسي، عبر علاقاتها الدولية، والدفع باتجاه تبني المعارضة السورية رؤية موحدة تجاه العملية السياسية. والدفع باتجاه وقف التطبيع مع النظام السوري ومواجهة عودته للجامعة العربية قبل تحقيق الانتقال السياسي.

هناك خلافات في الرؤية بين روسيا ودول الخليج، حول قضايا عدة، مثل دور الأسد وتعويم نظامه ودور إيران ودور المعارضة، وترى موسكو نفسها أنها تلعب دور الوسيط، وأن لإيران مصالح شرعية في سورية، ومن الأفضل أن تكون إيران جزءًا مهمًا من أي اتفاق لتحقيق السلام والاستقرارفي سورية. ولا تريد روسيا أن تدفع أكثر مما دفعته حتى الآن في إعادة الإعمار بسورية، وترى أن التدخل الروسي في سورية محدود، ويمكن تحمل تكلفته، ويمكن أن تحافظ على قواتها الجوية في سورية لسنوات قادمة، لأنه لا يوجد هناك خسائر بشرية كبيرة لقواتها، ولا تكاليف مالية لقواتها، وقد يتغير هذا الوضع في حال كانت هناك معارضة كبيرة من الشعب السوري، وقد يغيّر هذا الأمر الحسابات في موسكو.

يمكن لدول مجلس التعاون استغلال علاقاتها الاقتصادية الجيدة مع روسيا، للضغط عليها لإقناعها بأن استمرار الوضع الحالي يشكل خسارة لروسيا. يتطلب التغيير في سورية إجراء حوار ذكي مع روسيا، بغية أن تقتنع بالحل السياسي الذي يلبّي تطلعات الشعب السوري، ويحافظ على مؤسسات الدولة السورية، ويصون وحدة سورية، ويحفظ في الوقت ذاته مصالح روسيا في سورية، ضمن حدود احترام السيادة الوطنية.

يمكن أن تنضم السعودية إلى اللقاء الروسي القطري التركي، وقد يسهم ذلك في الضغط على أميركا وموقفها السلبي في سورية، حيث يشكل هذا دفعًا باتجاه الحل في سورية.

يمكن لدول مجلس التعاون أن تُسهم في حل في سورية، بالتنسيق مع تركيا في مسارات عدة، منها الإنساني بدعم مناطق المعارضة في الشمال، والضغط الدولي بعدم السماح بإعادة اللاجئين لمناطق النظام قبل تحقيق حل سياسي، ودعم الموقف التركي الذي يصارع دوليًا ضد إعادة تعويم النظام.

التعاون العربي مع تركيا هو الكفيل بدعم الدور العربي، ويبقى في كل الأحوال أن مواجهة المشروع الإيراني في المنطقة تبدأ من سورية، وهذا شأن سوري وإقليمي ودولي، ولكنه يتحوّل إلى ضرورة خليجية، بالنظر إلى الدور الإيراني التخريبي في اليمن والعراق ولبنان وسورية، ومن دون شك، إن حرب اليمن هي إحدى تجليات الدور الإيراني، وهي حرب ضد السعودية بالوكالة.

إنّ أيّ حلّ يقوم على انتقال سياسي يتطلب توافقًا أميركيًا روسيًا تركيًا، ويتوقع أن يكون لإيران دور معارض ومعرقل، ولكن إذا كان هناك توافق ثلاثي، فسيكون من الصعب على إيران عرقلته، وفي الوقت ذاته، يمكن مراعاة بعض مصالح إيران في الحدود المنطقية، كإحدى القوى الإقليمية، ولكن الأمر الأهم لنجاح أي حلّ هو التوافق بين السوريين حول القضايا الخلافية.

تملك المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري إمكانات كبيرة جدًا، والاحتياجات هناك ضخمة جدًا، لكن الدعم الخليجي بحاجة إلى آليات أكثر فعالية للاعتماد على المجتمع السوري. وإنّ تنمية مناطق الشمال السوري تعزز القدرة الإنتاجية الذاتية، بما يقلّص الاعتماد على المساعدات الإغاثية ويعزز ثقافة العمل. وإن فتح سوق عمل دول مجلس التعاون أمامَ العمالة السورية، وقد ثبت أنها عمالة فعالة وناجحة في دول اللجوء، يُعدّ شكلًا مناسبًا لمساعدة أعداد كبيرة من السوريين، من خلال إتاحة فرص عمل للسوريين، مما يقلّص الحاجة إلى المساعدات الإنسانية.

ثمة حاجة إلى دور خليجي فاعل، في ما يتعلق بالدور الإنساني على الأقلّ، فالناس في الداخل السوري ليسوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية فقط (سلة إغاثية) بل إلى توفير البيئة، كي يتمكنوا من بناء اقتصادهم وتوفير دخلهم ذاتيًا.

هناك تجارب رائدة لبعض دول الخليج في مجال العمل الإنساني، كالكويت وقطر، وهذا ينطبق على دورهم المستقبلي في إعادة الإعمار، وربما يتم تفعيل هذا الدور بشكل أكبر من خلال التركيز على قطاع التعليم أولًا في الشمال السوري، ومن ثم الانتقال إلى باقي المناطق، وإيجاد آلية مناسبة لإيصال المساعدات إلى مستحقيها.

إن جهود الدفع نحو حلّ سياسي في سورية تتطلب انبثاق طرف سوري معارض، يكون لديه خريطة طريق وصياغة وجهة نظر توافقية، ويوجّه له الدعم السياسي من مختلف الأطراف. وبدون ذلك، لن تستطيع الدول الخارجية تقديم دعم مفيد.

يبقى لدول مجلس التعاون دورٌ في الصراع السوري، فإن المساعدات الخارجية من دول الخليج في فترة إعادة الإعمار المرتقبة هي مصدر رئيسي وأداة أساسية لتحقيق الاستقرار في البلاد، ويمكن أن تشمل هذه المساعدات أشكالًا وشروطًا مختلفة، بناء على المصلحة السياسية أو الأولويات التي تريدها كل دول الخليج. غير أن دول الخليج، كدول مانحة فإن خبرتُها محدودة خاصّة في مسألة إعادة لإعمار، حتى الدول الكبيرة التي لها باع طويل في تمويل إعادة الإعمار قد تفشل في كثير من الحالات في تحقيق الهدف من إعادة الإعمار. ولا بد أن تقوم دول الخليج بدراسة دورها في مساعدات إعادة الإعمار، وأن يكون هدفها من الاستراتيجية هو تحقيق نتائج إيجابية للبلدان المستفيدة وشعوب هذه البلدان، وزيادة فاعليتهم كمساعدين مانحين.

غير أن أعمال إعادة الإعمار ضمن الوضع الحالي، وسورية مقسمة إلى مناطق نفوذ، إنما تعزز تقسّم سورية، ويبقى موضوع إعادة الإعمار مرتبطًا بالحل السياسي القائم على انتقال سياسي حقيقي، ويمكن لدول الخليج أن تُسهم بشكل كبير، من خلال رفض تقديم أموال لإعادة الإعمار، ما لم يتحقق الانتقال السياسي. وهو الموقف الذي تصرّ عليه كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، ومن الأفضل أن تتبنى دول الخليج في أنشطتها، في حال إعادة الإعمار في سورية وغيرها من الدول، استراتيجية منظمة وموحدة قائمة على ثلاثة محاور: بعيدة عن المصالح الشخصية والمصالح الاستراتيجية لكل دولة، وأن تتضمن منهجًا قائمًا على النتائج، والتفاعل مع أصحاب القرار داخليًا أو خارجيًا، والتنسيق الدائم ما بين دول الخليج، كمانحين، ومع المنظمات الدولية والدول الأجنبية والدولة المستفيدة التي تستلم المساعدات.

ثمة حاجة إلى مناقشة دور الخليج المستقبلي، في الدفع نحو إنجاز حلّ سياسي عادل في سورية، على الرغم من الفروقات الحالية في مواقف دوله، وصياغة سياسة موضوعية ضمن حد أدنى من التفاهمات المشتركة بين دول الخليج حيال الملف السوري، وذلك بعد تحليل أبعاد هذا الصراع، والاستفادة من الأجواء الإيجابية بين دول الخليج.