أقام مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الثلاثاء 19 أيار/ مايو 2020، ندوة بعنوان (هدنة الجنوب الهشة… ماذا يحدث في درعا؟)، حاضر فيها الناشط السياسي نصر أبو نبوت، وأدارها الإعلامي في قناة الجزيرة محمود الزيبق.

تطرقت المحاضرة إلى ما تشهده مدينة درعا جنوب سورية من انتفاضة جديدة، ضد تحشيد قوات النظام السوري على أطرافها، وتعاظم نبرة التهديد من قِبل النظام باقتحام المدينة، قُبيل أن تُكمل اتفاقية المحافظة الجنوبية عامها الثاني، في ظل اتفاق “التسوية” الذي جرى توقيعه بين القوى المحلية وقاعدة “حميميم” الروسية، في حزيران/ يونيو 2018. وعرّجت على ما تعرضت له الاتفاقية من هزات كبيرة، وعلى حالة عدم الثقة التي عمّمها النظام السوري برعاية روسية بعد اتفاق 2018، وعمليات الاغتيال والملاحقات، وعلى ما ينتظر المنطقة الجنوبية من سيناريوهات، وفق معطيات الواقع الميداني العسكري الراهن والظرف السياسي المحلي والدولي.

استهل أبو نبوت محاضرته بإلقاء الضوء على ما حصل في تموز/ يوليو عام 2018، وما أُطلق عليه في ذلك الوقت “اتفاقيات التسوية أو المصالحة” برعاية الضامن الروسي، وقال: “في منتصف عام 2018، نتيجة تخلي الداعمين الدوليين عن قوات الجبهة الجنوبية، وبالتفاهم مع الروس على استعادة المناطق المحررة، قامت قوات النظام السوري مدعومة بالطيران الحربي الروسي ومجموعة من قوات الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله، بالتقدم نحو مناطق الجنوب، وحصلت آنذاك مقاومة شرسة، في قرية بصر الحرير وبعض المناطق الأخرى، وفي النهاية تم وقف إطلاق النار، وأُبرمت التسوية بضمانة الجانب الروسي، وجرت من خلال هذا التسوية عملية تسليم السلاح وعودة المؤسسات المدنية إلى جميع مناطق المحافظة، لكن النظام السوري لم يلتزم بالاتفاق، وروسيا لم تُبدِ اهتمامًا بهذا الملف، ولم تضغط على النظام كي يفي بوعوده”.

وقدّم أبو نبوت عرضًا موجزًا للمشاكل العالقة التي ستكون سببًا دائمًا في عدم الاستقرار في المنطقة، وقال: “بعد اتفاق التسوية، تم اعتقال مالا يقل عن 1000 شخص، وما يزال معظم السكان مطلوبين للأجهزة الأمنية؛ ما يعوق تنقلاتهم وممارستهم لحياتهم الطبيعية. كما تم اغتيال 400 شخص موثق بالاسم في عموم المحافظة، وقام النظام بإطلاق سراح أكثر من 30 إرهابيًا من أتباع تنظيم (داعش)، وأرسلهم إلى مناطق حوض اليرموك على شكل خلايا بقيادة أشخاص معروفين، منهم يوسف النابلسي وراضي الخلف ومحمد الشبيب وهيثم النايف. وأيضًا تم طلب أكثر من 70 ألف شاب للخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياط، ويتعرض السكان لابتزاز دائم في جميع دوائر الدولة، فضلًا عن الفساد المنتشر في دوائر النظام المدنية والعسكرية والأمنية، ولم يبذل النظام أي جهد للحد من الفساد بل على العكس تم تعزيزه ليكون أداة قمع وإذلال للمواطنين”.

وتابع: “أحيل مئات الأشخاص إلى محكمة الإرهاب دون علمهم، وتم الحجز الاحتياطي والتنفيذي على أملاك آلاف السكان لصالح محكمة الإرهاب ودوائر الدولة الأخرى، وما تزال جميع معاملات المواطنين الإدارية تخضع لشرط الحصول على الموافقة الأمنية؛ ما يجعلهم واقعين تحت ضغط وابتزاز أجهزة المخابرات للحصول عليها. أيضًا 90 % من الموظفين السابقين في الدولة لم تتم عملية إعادتهم إلى وظائفهم، بعكس ما تم الاتفاق عليه، وأكثر من 80 % من طلاب الجامعات لم تُقبل عودتهم لجامعاتهم، وفُرض التجنيد الإجباري عليهم. ويتعرض السكان المحليون، وخاصة الناشطين المدنيين، لدعاوى قضائية كيدية بتحريض من الأجهزة الأمنية، بهدف تقييدهم ومنعهم من ممارسة نشاطاتهم، إضافة إلى محاولة النظام فرض سيطرة حزب البعث على الحياة العامة، على الرغم من إلغائه المادة الثامنة من الدستور السوري، التي تنص على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، كما لا يزال عدد كبير من المنتسبين إلى النقابات المهنية، من محامين ومهندسين وأطباء وغيرهم، خارج عملهم، لعدم قدرتهم على الحصول على الموافقات الأمنية المطلوبة”.

وتناول أبو نبوت الجانب المعيشي والاقتصادي السيئ الذي يعانيه السكان بسبب انهيار الليرة السورية وارتفاع الأسعار، والضعف الشديد في الإنتاج الزراعي والصناعي، وانعدام الفرص والشروط المناسبة للنشاط التجاري، وفساد مؤسسات الدولة، وشبه انعدام الخدمات الصحية والتعليمية والخدمية، ومعاناة المواطنين من عدم توفر المواد الأساسية كالأدوية والمحروقات. وقال: “نستنتج من كل ما سبق أنه لا يوجد هدنة أو اتفاق في الأصل، والأمور بعد اتفاق التسوية أصبحت أسوأ بكثير مما قبله، وهذا ما جعل كل ما حصل، خلال العامين الماضيين، يؤدي إلى تفاقم الأوضاع منذ بداية هذا العام، لتصل الأمور إلى حافة الانفجار، ليقوم النظام على إثر ذلك بعمليات عسكرية في الجنوب السوري، ونذكر منها أحداث الصنمين، حيث هاجمت مجموعة من وحدات النظام العسكرية أحد أحياء مدينة الصنمين، وتمت التسوية بعد اندلاع تظاهرات كبيرة ومفاوضات، وساهم في إنجاحها بعض القادة الثوريين السابقين في الجيش السوري الحر”.

تطرق أبو نبوت إلى الدور الذي لعبته الميليشيات الإيرانية في الجنوب السوري، حيث إنها تظل تسعى دائمًا إلى تخريب أي اتفاق، إضافة إلى دورها في نشر التشيع من خلال شراء ذمم بعض ضعاف النفوس. وقال: “التمدد الإيراني في الجنوب يعدّ من أهم عوامل التوتر، بسبب رفض السكان المحليين له، حيث سعت الميليشيات الإيرانية وميليشيا حزب الله إلى تجنيد بعض أبناء الجنوب لصالحها، وإرسالهم إلى اتباع دورات قتالية في لبنان، كما أنشأ الحرس الثوري الإيراني المصنف على قوائم الإرهاب معسكرًا للتدريب في اللجاة، ما يشكل تهديدًا للسلم الأهلي في الجنوب، فضلًا عن اتباع الحرس الثوري وميليشيا حزب الله سياسة ممنهجة في زراعة وتصنيع وتهريب المواد المخدرة”.

وتحدث أبو نبوت عن عمليات الخطف التي تمت بين محافظتي درعا والسويداء، حيث تشكلت خلال السنوات الماضية، بإشراف جهاز المخابرات العسكرية التابع للنظام، مجموعة كبيرة من العصابات والميليشيات في محافظة السويداء، مهمتها الأساسية خطف المواطنين من درعا لابتزازهم ماليًا. واتبعت هذه العصابات سياسة ممنهجة تقوم على تعذيب المخطوفين ونشر مقاطع إباحية لهم، للضغط على ذويهم، وقد بلغ مجموع المبالغ التي دُفعت من أجل تحريرهم مئات الملايين، وأدت عمليات الخطف هذه إلى حالة احتقان شديدة لدى أهالي درعا، وخلقت توترًا بين المحافظتين.

وأوضح أبو نبوت أن الحشد العسكري الحالي لقوات النظام قد تم التمهيد له بالعديد من الاجتماعات الأمنية، ففي تاريخ 4 آذار/ مارس 2020، اجتمعت اللجنة الأمنية في درعا المدينة، بحضور كل قيادات الأفرع الأمنية، وقدّم كل فرع أمني تقييمه للوضع في كل قطاع، واقترح الحلول للمشاكل العالقة، وكانت التقييمات مرفقة بصور وبيانات عدد كبير من المطلوبين بتهم الإرهاب، وأغلبهم من بلدات طفس وجاسم وحوض اليرموك ودرعا البلد. كما عُقد اجتماع آخر بتاريخ 6 آذار/ مارس 2020 في دمشق، ضمّ وزير الدفاع ومدير مكتب الأمن الوطني ورؤساء الإدارات الأمنية ووزير الداخلية واللواء حسام لوقا، مسؤول الملف الأمني في جنوب سورية، وقدّم الأخير خلال الاجتماع التقييم النهائي للجنوب الذي تم إعداده من قبل الأفرع الأمنية في درعا، مع إرفاق تقارير من أمن الدولة عن دعم جهات خارجية دولية للمعارضة من أجل تشكيل خلايا إرهابية. وتضمنت مخرجات هذا الاجتماع ضرورة عودة الجنوب السوري إلى سيطرة النظام بأسرع وقت، سواء بالسلم أو بعمل عسكري، وتم تكليف الأفرع الأمنية بدراسة مكثفة عن المناطق الخارجة عن السيطرة. وبعد هذه الاجتماع؛ بدأ النظام حشد قواته باتجاه مدينة جاسم، بدعم من القوات الروسية، وقام بنقل العديد من التعزيزات العسكرية إلى المنطقة، وتزامنت هذه التحركات مع زيارة ملحق عسكري إيراني إلى تل محجّة، اجتمع مع كل قيادات الحرس الثوري الإيراني وميليشيا “حزب الله”.

واختتم نصر أبو نبوت محاضرته بالحديث عن أهم المخاطر المتوقعة، في حال اجتياح الجنوب من قبل النظام السوري، وأهمّها تعرض آلاف المدنيين -خاصة في الريف الغربي لمحافظة درعا- للخطر، باعتباره خزانًا بشريًا كبيرًا نظرًا لاتساع المنطقة جغرافيًا، حيث يفوق عدد سكان الريف الغربي 500 ألف نسمة، وتعرّض القطاع الزراعي في المنطقة المحاذية لريف القنيطرة وريف دمشق لأضرار، كونها من أكثر المناطق خصوبة في الجنوب، إضافة إلى موقعها المهم، كونها تشكل عقدة مواصلات بين المحافظات الثلاث.

وأجاب أبو نبوت في ختام المحاضرة عن أسئلة وتعليقات المتابعين عبر البث المباشر.