أصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة العدد الرابع من مجلته الفصلية: (قلمون) للدراسات والأبحاث، وتضمن العدد ملفًا أساسيًا بعنوان (حسين العودات: صحافيًا ومناضلًا)، وفي ما يأتي محتويات العدد، ويليها الكلمة الافتتاحية للعدد:

 

محتويات العدد الرابع

المحتويات

 

أولًا: كلمة العدد يوسف سلامة
ثانيًا: المقالات
1- الحاجة إلى الإعلامممتاز الشيخ
2- في العلاقة بين الثقافة والسياسةحسام الدين درويش
ثالثًا: ملف العدد
1- حكاية كتابقيس الزبيدي
2- المساران التاريخي والديني في وعي الآخر عند حسين العوداتإبراهيم شبلي
3- النهضة العربية المفترضة والهم المزدوجراتب شعبو
4- مسار حسين العودات في الفكر والممارسةفايز سارة
رابعًا: الدراسات
1- ممارسة الفنان بين الالتزام الفني والعنف السياسيوصال العش
2- مداخل في مقاربة مشكلة الإرهابالطاهر الثابت
خامسًا: ورشة عمل
الإعلام السوري بين مرحلتينممتاز الشيخ
سادسًا: قراءة في كتاب
1-المجال الافتراضي في الثورة السورية

الخصائص – الاتجاهات – آليات صنع الرأي العام

مراجعة خالد عثمان
2- نهاية الشجاعة

من أجل استعادة فضيلة ديمقراطية

مراجعة محمد نور النمر
سابعًا: إصدارات مركز حرمون للدراسات المعاصرة

 

 

وننشر هنا الكلمة الافتتاحية للعدد الرابع التي كتبها الأستاذ الدكتور يوسف سلامة، رئيس تحرير مجلة (قلمون) للدراسات والأبحاث:

 

كلمة العدد:

يوسف سلامة

 

لا يخفى على متابعي (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) أن همه الرئيس منصب على الشأن السوري، من زواياه كافة ووجوهه المتعددة، سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا وإنسانيًا. وللوفاء بمتطلبات هذه الرسالة، لم يكن لمركز (حرمون) إلّا أن يطلق منصات عدة تقارب الشأن السوري، وفقًا لبرنامجها المرسوم، بالتكامل مع ما تقوم به المنصات الأخريات من جهد في هذا السبيل.

مجلة (قلمون) هي إحدى هذه المنصات، وهي دورية محكمة تصدر أربع مرات في كل عام، وهي مثل (حرمون) عمومًا معنية بخلق ثقافة سورية تنويرية ديمقراطية تحتفل بالإنسان الفرد والمجتمع، على حد سواء. من هنا، يأتي تطلعها إلى إحياء الوعي الذاتي العميق بالمواطنة في كل سوري، وتقوية الحس الشخصي بالكرامة الإنسانية، وتعزيز الرغبة في الدفاع عن حق متساوٍ للبشر جميعهم في التمتع بكرامة غير منقوصة. وعندما يصل هذا العدد إلى قرائه، ونحن في المراحل الأخيرة من تحريره، تكون مجلتنا متأهبة لإصدار عددها الخامس الذي تفتتح به العام الثاني من صدورها.

حسب المرء أن يلقي نظرة على الأعداد الأربعة التي يفترض أن تكون قد أتمت صدور آخرها في نهاية سنة 2017، ليتأكد من أن جل الجهد المكرس لإصدارها، وهو كبير حقًا، قد كان بالفعل منصبًّا على الشؤون السورية، مع ما يقتضيه ذلك من حرص على إبراز التواصل العميق بين هذه الشؤون والقيم الإنسانية الرفيعة التي تعلي من شأن الإنسان في حد ذاته، بعيدًا عن كل صور الاستبداد البغيض والطائفية الهمجية والعنصرية الفجة التي تصنف البشر بحسب ألوانهم وصفاتهم الجسمية وخصائصهم النفسية الموهومة.

انطلاقًا من هذه الرؤية، كان العدد الأول من (قلمون) مكرسًا لذكرى المفكر السوري الراحل (صادق جلال العظم) الذي وافته المنية في برلين منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2016. وقد تضمن الملف المتعلق بفكر (صادق) عروضًا قيمة لأفكاره ومواقفه، وكان لهذه العروض، وما ارتبط بها من مناقشات نقدية، دور مهم في وضع أفكاره في سياقاتها الملائمة، من الناحية التاريخية والثقافية والسياسية، داخل الحياة السورية بخاصة، وأفق الثقافة العربية بعامة.

بوازع من الرغبة في بناء عقد اجتماعي جديد يستند إلى تصورنا عما نسميه بـ «الوطنية السورية الجامعة»، صدر العدد الثاني من (قلمون)، مكرسًا للمكون السوري الكردي بعنوان (السوريون الكرد: التاريخ والثقافة). وقد احتوى هذا العدد على كثير من الدراسات التي كتبها مثقفون سوريون كرد، في جوانب عدة، منها ما هو متعلق بالحياة السياسية والوجود التاريخي، ومنها ما يتعلق باللغة والأدب الكرديين. لقد بسط عدد من الكتاب في هذا العدد جوانب من «المظلومية الكردية» التي نشأت في معظمها مما ترتب على الإحصاء السكاني الذي أجري في منطقة الجزيرة السورية سنة 1961.

أما العدد الثالث من (قلمون)، فقد اتخذ من شخصية المفكر السوري الراحل (ياسين الحافظ) موضوعًا له. على صفحات هذا العدد، أتيحت الفرصة واسعةً لعدد من أصدقاء (ياسين الحافظ)، ورفاقه في النضال والمتتلمذين عليه في الفكر والممارسة، أن يبرزوا إسهاماته القيمة في الفكر السياسي، وأن يكشفوا عن البصيرة السياسية والثقافية التي امتاز بها، على المفكرين القومين العرب في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. لقد احتوت بعض الدراسات المنشورة في هذا العدد على مراجعات نقدية عميقة وجادة، متعلقة برؤى (ياسين الحافظ) السياسية، ومناهجه الفكرية التي أغنت عقول كثيرين، وأخصبت تجاربهم وخبراتهم في الفكر والممارسة.

في هذه المناسبة، من المفيد التذكير بأن (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، اعترافًا منه بجدارة ياسين الحافظ ومنزلته المتميزة، قد خصص جائزة سنوية باسم (جائزة ياسين الحافظ في الفكر السياسي)، وقد أعلنت أسماء الفائزين بهذه الجائزة، في دورتها الأولى لسنة 2017، في موقع مركز حرمون بتاريخ 26-11-2017. وفي مطلع العام القادم 2018 سيتم الإعلان عن الموضوع الجديد للجائزة في عامها الثاني، وستنشر مجلة قلمون في عددها الأول/ 2018، وهو العدد الخامس بحسب تعاقب الصدور، الأبحاث الفائزة بالمراتب الثلاث الأولى، إضافة إلى الأبحاث التي أقرت لجنة التحكيم بتميزها.

إن من أبرز من دافعوا عن حرية الإعلام والثقافة والفكر، ولم يكف عن المطالبة بتعديل قوانين المطبوعات الجائرة والعتيقة التي استند إليها النظام السوري في التأسيس لقمع الحريات الشخصية والعامة، وكل صور تعبير المجتمع السوري عن ذاته، والتشريع لذلك، عبر وسائل الإعلام التقليدية والألكترونية؛ هو الأستاذ الراحل (حسين العودات).

يعلم كل من لهم صلة بالوسط الإعلامي والثقافي ما للأستاذ الراحل من اسهامات ثمينة وخلاقة في مجال الإعلام والسياسة والفكر والثقافة. واعترافًا بفضله وتقديرًا لجدارته، كان من الطبيعي أن تكرس مجلة (قلمون) عددها الرابع للاحتفال بذكرى الراحل، سيرًا على نهج (قلمون) في الاحتفال بالشخصيات السورية البارزة. ويعد هذا العدد مناسبة تسمح لنا بعرض بعض منجزات الراحل في الميادين التي اتخذ منها موضوعًا لنشاطه وإنتاجه.

نفتتح العدد بمقالين غير محكمين، أحدهما في مجال الإعلام والآخر في حقل الفلسفة الاجتماعية، من ثم ننتقل إلى الملف لمناقشة بعض القضايا الثقافية والسياسية التي انشغل بها الأستاذ الراحل. وقد صدَّرْنا هذا الملف بشهادة من فنان مبدع وعلم في مجال السينما والمسرح، واختتمناه بشهادة من سياسي سوري عايش الراحل وشاركه همومه السياسية والثقافية. لقد أتبعنا الملف بدراستين مهمتين في الفن والإرهاب على التعاقب، وألحقنا بهما مراجعة كتابين، ثم اختتمنا العدد بورشة عمل عن الإعلام السوري.

كتب (ممتاز الشيخ) المقال الأول غير المحكم (في الحاجة إلى الإعلام). وهو خبير مخضرم في مجال الإعلام والاتصال، وعلى دراية أكثر من كافية بإعلام النظام السوري، نتيجة لما اكتسبه من خبرة ناجمة عن المعايشة والمعاناة الشخصية المتأتية من المهمات والوظائف التي شغلها في أثناء حياته المهنية، قبل أن يغادر البلاد والمنصب على حد سواء. إن المقال غني بالمعلومات والأفكار والاجتهادات والرؤى والتفسيرات المتعلقة بحاضر الإعلام ومستقبله، مع الإلمام بشيء من تاريخه أيضًا، فالإعلام حاجة طبيعية للإنسان الذي مارسه، منذ أقدم العصور في الحضارات المختلفة، وفي أحوال وأوضاع شتى، وذلك لما بينه وبين المعرفة من صلة هي أحد شروط استقامة العلاقة بينه وبين بيئته أيضًا.

لقد تحول الإعلام في الحقبة المعاصرة إلى «قوة ناعمة»، لما له من مقدرة على صوغ الأفق الإدراكي للإنسان، وما يرتبط بذلك من بناء الرأي العام وتوجيهه. ويلاحظ الكاتب أنه من المتعذر على الإعلام، بما له وما عليه، أداء رسالته، ما لم يحظ المجتمع بهامش ديمقراطي، وإلا استحالت المادة الإعلامية نسخة من المادة الحزبية المنشورة لترشد الحزبيين إلى أدوارهم ووظائفهم في ضبط المجتمع وكبته، رديفًا للأجهزة الأمنية. هذه، على كل حال، هي وظيفة الإعلام في كل نظام استبدادي.

أما المقال الثاني غير المحكم في هذا العدد، فقد كتبه (حسام درويش) بعنوان (في العلاقة بين الثقافة والسياسة: نقد المقاربة الثقافوية). وبعقلية الفيلسوف ومنهجية العالم، يطور الكاتب شبكة متكاملة من مفهومات مكنته تفكيك «النزعة الثقافوية» التي تفسر الاستبداد السياسي بثقافة المجتمع -بعد أن توحد بين المجتمع والثقافة- فتعفي بذلك المستبدين من مسؤولياتهم، وما مارسوه من اضطهاد واحتقار للمجتمعات التي استولوا على الحكم فيها، وهو ما عاناه المجتمع السوري طيلة نصف قرن مضى.

(حكاية كتاب) هي المادة الجميلة والبراقة التي افتتحنا بها ملف العدد. وأما الكتاب الذي تُروى حكايته هنا، فهو (السينما والقضية الفلسطينية) الذي ألفه حسين العودات، بتشجيع من القسم الثقافي في منظمة التحرير الفلسطينية بدمشق، ودعمه. من خلال هذه الحكاية، رصد الكاتب تطور وعي (حسين العودات) بالأهمية الفنية والسياسية للسينما بعامة، وللسينما الفلسطينية بخاصة. وتشكل الحكاية بجملتها عرضًا ثريًا لفصل ناجح من تاريخ العلاقة بين القضية الفلسطينية والقطاع التقدمي من السينما العالمية، في عقد الثمانينيات من القرن العشرين. والأستاذ (قيس الزبيدي)، في تضاعيف هذا العرض، لا يفوته أن يكشف عن غياب التكافؤ في مستوى الخدمات التي أدتها السينما الصهيونية والسينما العربية والفلسطينية.

إذا كنا قد افتتحنا هذا الملف بشهادة عن الوعي الفني الذي جاء مقترنًا بالكفاح الوطني، دفاعًا عن القضية الفلسطينية، فقد اختتمناه بشهادة أخرى من رفيق دربه وشريكه في كثير من أوجه الفعل والممارسة؛ الأستاذ (فايز سارة). لقد قدم الكاتب في هذه الشهادة عرضًا مسهبًا لحياة الراحل وتطور فكره ومواقفه السياسية التي أهلته للمنزلة الرفيعة التي يحتلها في إهاب الحياة السورية.

أما صلب الملف، فيتكون من دراستين مهمتين. لقد كتب الأولى منهما (إبراهيم الشبلي)، بعنوان (المساران التاريخي والديني في وعي الأخر عند حسين العودات)، فأظهر بجلاء واقتدار كيف أن الذات تفترض الآخر، مثلما أن الآخر يفترض الذات، فكل منهما ينعكس في الآخر، والذات يمكن أن تكون شخصًا أو قبيلةً أو ثقافةً أو دولةً أو دينًا أو أي كيان آخر، ويمكن لهذا كله أن يتحول إلى آخر. وقد اهتمت الدراسة بصورتين للآخر؛ أولاهما صورة الآخر السياسي، من مثل الفرس والبيزنطيين.. إلخ. أما الآخر الديني، فيتمثل في اليهودية والمسيحية والصابئة.. إلخ، وليس من الضروري دومًا أن يكون الآخر خارجيًا، فقد تنقسم الذات على ذاتها، وهو ما يحدث في كل دين، فتصبح الطوائف كلها ذوات وآخرًا، بنسبة بعضها إلى بعض، وهذا ما حدث في الإسلام.

جاءت الدراسة الثانية بعنوان (حسين العودات: النهضة العربية المفترضة والهم المزدوج) وكتبها (راتب شعبو). هنا يعود بنا الكاتب إلى السؤال الذي ما انفكت أجيال من المفكرين والساسة منذ قرنين تطرحه، من دون أن ينجح أحد حتى الآن في الإجابة، وهو: لماذا تقدمت أوروبا وأخفق العرب والمسلمون؟ في محاولة لإحياء المناقشة في «معضلة النهضة»، يبين الكاتب أن التيارات الثقافية والسياسية جميعها، بما في ذلك الأنظمة السياسية، تحاول وضع اليد على مفهوم النهضة وما يقترن به من مفهومات، مثل الحداثة والديمقراطية والتصنيع والتنوير، وما إلى ذلك، ولكن بعد أن تكون الأطراف جميعها قد كيفت هذه المفهومات وفق حاجاتها الخاصة، بعيدًا عما يقتضيه مفهوم النهضة أصلًا. عبر هذا التكييف يتم التخلص من المفهوم، عندما يتم تجاهل قاعدته العقلانية، مثلما تصورها فلاسفة التنوير. وفي الوقت الذي يظل فيه العربي شاعرًا بتفوق المفهوم المقترن بتفوق أوروبا، يظل الجميع عاجزين عن غرس هذا المفهوم وتوطينه في بيئة لاعقلانية تميل غالبًا إلى البحث عن العقلانية في ما لا يمت إلى العقل بسبب.

بعد كثير من المشكلات التي يعرضها (راتب شعبو) ويناقشها، من موقع المفكر والشريك، ينتهي إلى أن الجميع متفقون على إخفاق النهضة العربية، ولكنهم يختلفون في أسباب هذا الإخفاق، وهو يبين أن كثيرًا من الباحثين الذين اهتموا بمسألة النهضة قد انتهوا إلى نتائج متناقضة في تفسيرهم إخفاقَها، و(حسين العودات) واحد منهم، وهو حالة نموذجية لكثير من الباحثين، أكثر مما هو نموذج شخصي. ولإيضاح ذلك يقول الكاتب: «يميل العودات إلى عد الخطاب الثقافي العربي والخطاب الديني والموقف من التراث عوائق حقيقية أمام دخول الحداثة المجتمعات العربية. هنا يعزو العوائق إلى الوعي (الخطاب والموقف)، في ما كان من قبل قد مال إلى عد الواقع (عدم ظهور حامل اجتماعي اقتصادي) السبب المهم في إخفاق النهضة العربية». والمخرج المتاح من هذه الثنائية، وفق رأي (راتب شعبو)، قد يكون متوفرًا لدى (مهدي عامل) الذي تساءل قائلًا: «هل التراث في وجوده الحاضر سببًا للتخلف؟ بل هو وليد هذا التخلف، أي إنه أثر له». يبدو أن إجابة (مهدي عامل) لا تضعنا في مأزق يقل صعوبة عن ذلك الذي انتهى إليه (حسين عودات).

يجد القارئ دراسة مهمة خارج الملف، بعنوان (مداخل في مقاربة مشكلة الإرهاب) كتبها (الطاهر الثابت). في هذه الدراسة يسلم الباحث بأن مشكلة الإرهاب أكثر تعقيدًا من أن يحيط بها بحث واحد، أو أن يتم الاهتداء إلى حلها في وقت قريب. ذلك لا يرجع إلى تعقد الظاهرة وتداخل عواملها فحسب، بل أيضًا وبالذات لعجز المجتمعات التي تمد هذه الظاهرة بالطاقة البشرية، وهم الشباب، عن حل مشكلات هؤلاء الشباب، فالمجتمعات العربية والإسلامية معظمها فقيرة ومحكومة بنظم استبدادية فاسدة، الأمر الذي يجعل حل هذه المشكلات أمرًا مستبعدًا.

إن المواجهة العسكرية لهذه الظاهرة لن تغني عن تطوير شبكة فاعلة من العناصر المتداخلة، بحيث لا تكون الإستراتيجية العسكرية إلا عنصرًا واحدًا يتكامل مع غيره من العناصر التي تكون بمجموعها إستراتيجية عامة لا بد لعناصرها من مباشرة الفعل والتأثير، في وقت واحد وبصورة متفاعلة ومتكاملة. هنا، من الإنصاف الاعتراف أن الباحث ينطلق في دراسته الظاهرة من رؤية منهجية عميقة متكاملة الأركان إلى حد بعيد، وهي تتكون من خمسة مداخل ينتج عن تفاعلها وتكاملها رؤية منهجية قابلة للاستعمال والاستثمار في تفهم مشكلة الإرهاب، واستكشاف كثير من مساراته.

يتضمن العدد أيضًا مراجعة كتابين مهمين في بابهما. اتخذ الكتاب الأول من التاريخ المبكر للثورة السورية موضوعًا له، وعنوانه (المجال الافتراضي في الثورة السورية: الخصائص، الاتجاهات، آليات صنع الرأي العام). أما الكتاب الثاني، فقد دار حول المخاطر والصعوبات التي تواجه الديمقراطية الغربية والحياة الليبرالية ومحاولة التصدي لها، وعنوانه (نهاية الشجاعة: من أجل استعادة فضيلة ديمقراطية).

يتضمن العدد ورشة عمل مهمة وقيمة أدارها (ممتاز الشيخ) مع مجموعة مرموقة من الصحافيين والإعلاميين والأكاديميين المختصين في قضايا الإعلام والاتصال حول (الإعلام في زمانين). لقد كشفت إسهامات المشاركين عن أن النظام السياسي السوري القمعي قد صاغ الإعلام، عبر خمسين عامًا، على صورته ومثاله، بل إن التعديلات جميعها التي أدخلها النظام على قوانين المطبوعات قد زادت القيود، وحدّت من الحريات.

في ما يتصل بإعلام الثورة أو الإعلام البديل، كشفت أجوبة المشاركين عن الصعوبات والعقبات التي واجهت هذا النوع المبتكر من الإعلام، وأدت في النهاية إلى تعثره، بسبب من نقص الخبرة، واجتذاب الفصائل المسلحة أعدادًا كبيرة من الإعلامين الجدد، فضلًا عن التحاق كثيرين منهم بوكالات الأنباء والقنوات التلفزيونية الكبيرة. هكذا، فإذا كان إعلام النظام قد أخفق في أن يتحول إلى إعلام حقيقي، بسبب الاستبداد والتضييق على أشكال التعبير الحر كلها، فإن مصير الإعلام البديل؛ إعلام الثورة، لم يكن أفضل من ذلك، من حيث النجاح والإخفاق، وإن كان لأسباب مختلفة.

في ختام هذه الافتتاحية ليس من حقنا أن ننسى أو نتجاهل ما تعرضت له مشاعرنا ومشاعر كل محبي السلام والعدالة في العالم من الأذى جراء ما دهمنا به (دونالد ترامب) من الاعتراف بالقدس، عاصمةً لـ «إسرائيل»، وعزمه الأكيد على نقل السفارة الأميركية إلى المدينة المقدسة. لقد قيل ما يكفي من ألفاظ الشجب والإدانة، في المنابر العالمية والعربية والفلسطينية كلها، ومن ثم لم يعد من داع لقول المزيد، وإذا لم يكن بد من قول شيء، فلا يمكن إلّا أن يكون متعلقًا بالمقاومة الشعبية السلمية التي يمارسها الشعب الفلسطيني فوق أرضه، فإذا كانت هذه المقاومة سياسية في جوهرها، وشرعيتها مستمدة من القوانين الدولية والمعايير الأخلاقية التي تسكن إليها النفوس الإنسانية بفطرتها السليمة، فلا بد من الإشارة إلى أن ينابيع الإبداع الفلسطيني تمثل الضمانة لاستمرار المقاومة الشعبية في التعبير عن الشخصية الفلسطينية، حتى تدخل أسوار المدينة المقدسة. هذا تعبير لا يتنكر لأي حق أخلاقي أو روحي لمحبي السلام جميعهم الذين يحترمون حق الفلسطينين في أن يكونوا شعبًا حرًا ومستقلًا وذا سيادة.

حسبنا في هذه العجالة التوقف عند أحد مظاهر الإبداع الفلسطيني في الفن التشكيلي، عبر البحث الذي ننشره في صفحات هذا العدد من (قلمون) للباحثة التونسية (وصال العش عزديني) بعنوان (ممارسة الفنان بين الالتزام الفني والعنف السياسي: الفنان الفلسطيني أحمد ياسين نموذجًا)، وقد جمعت الكاتبة فيه بين الحساسية الفنية المرهفة ودقة العلم وحداثة الرؤية وعمق التحليل، في كشفها عن مصادر الإبداع لدى الفنان الفلسطيني بعامة، و(أحمد ياسين) بخاصة.

من المفيد التذكير بأنه كثيرًا ما تساءل الفنانون والنقاد عما إذا كانت المادة التي يظهر من خلالها العمل الفني جزءًا من مضمونه الفني ودلالاته الرمزية، أم إن هذه المادة محض حامل محايد لهذا العمل ولا شيء غير ذلك. البحث المشار إليه يكشف عن أن (أحمد ياسين) قد شرع في الرسم على ألواح الصبار أو ما يدعى في بعض الأقطار بالتين الشوكي، ونحن نظن أن فناننا، بلجوئه إلى الصبار، قد افتتح فصلًا جديدًا في الإبداع الفني، وذلك لأن نبتة الصبار، لا تشير إلى الصبر فحسب، وهو جوهر الخبرة الفلسطينية، بل أيضًا إلى القدرة الفائقة على تحمل الآلام الناجمة عن التعرض لأشواك هذه النبتة. نحن نذهب إلى أن استخدام ألواح الصبار، وما يقترن بها من دلالات رمزية، تفتتح فصلًا جديدًا في النقد التشكيلي، ومؤداه الاعتراف بأن مادة العمل يمكن أن تكون جزءًا لا يتجزء من مضمونه ودلالاته الرمزية. وهذا منجز يجمع بين الإبداع الفني والإبداع النقدي، وهو ما جسده في لوحته التي أطلق عليها اسم (مستقبل).

ترى الباحثة أن ما يبهرنا في ذلك هو أن الجمال يصبح «إشراقًا للحقيقة الحية، وأن الحقيقة واقعية، وأن حضور الفكرة في الصبار تجسيد حرية تطلب تحررًا على الرغم من الآلام الشوكية»، فالفلسطيني مستعد لدفع ثمن الحرية مهما كان باهظًا. هكذا «فإن مشاركة الصبار في نسق الممارسة الفنية هي انفتاح على الحرية ونقد لنظام العالم، فالفنان يطلب حرية فنه، وهو يطلبها ليستطيع الالتزام بما يريده فعليًا». تنتهي الباحثة من ذلك كله إلى أن (أحمد ياسين) «قد جعل من الفن ما يريده، وليس الفن جعل منه ما يريده»، وهذا ليس باعتداء على ماهية الفن من جانب الفنان، بل هو نوع من احترام الفنان لكون الأثر الفني «يدفع بذاته إلى أن يكون موضوعًا استطيقيًا، ليحقق استكمال وجوده الحي، لكن حيث يتعذر على الإنسان امتلاكه والاستقرار فيه».

إن هذا المستوى الرفيع من الإبداع هو ما يليق بنا أن نهديه إلى القدس، لأنه بمنزلة الضمانة الأكيدة لاستمرار الكفاح الإنساني من أجل كسب معركة السلام، وليس هذا كل ما يمكن تقديمه إلى القدس، وهي ذات منزلة متميزة تفرض على (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) إهداءها، ولو بعد حين، تكريمًا يليق بقداستها، وبكونها أرضًا للسلام.