عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الأربعاء 4 كانون الثاني/ يناير 2023، ندوة بعنوان “التقارب التركي مع النظام السوري وانعكاساته على القضية السورية واللاجئين“، شارك فيها علي باكير، أستاذ العلاقات الدولية في مركز ابن خلدون بجامعة قطر، دكتوراه في العلوم السياسية/ العلاقات الدولية؛ والكاتب والسياسي محمد ياسين النجار، وأدارها عمر إدلبي، مدير مكتب الدوحة في مركز حرمون.

جاءت هذه الندوة على خلفية التطورات المتسارعة والانقلاب الجذري للعلاقات التركية مع نظام بشار الأسد، وتناولت دوافع هذا التقارب وتطوراته، والخيارات المتاحة أمام المعارضة السورية، وانعكاسات هذا التقارب على القضية السورية واللاجئين.

في البداية، قدّم الدكتور علي باكير عرضًا لتطوّر الموقف التركي من القضية السورية، ابتداءً من عام 2011 عندما اندلعت الثورة السورية حتى الآن. ورأى باكير أن الموقف التركي الحالي من نظام الأسد لا يمكن تسميته انقلابًا جذريًا تجاه القضية السورية، لافتًا النظر إلى أن المرحلة القادمة وما سيتمخض عنها من تطورات هي من ستحدد ما يحصل أهو تقارب أو تطبيع. وأضاف باكير أن الاتصالات التي جرت بين تركيا ونظام الأسد كان لها ظروف موضوعية نشأت منذ أربع أو خمس سنوات، بعد عملية (درع الفرات) و(غصن الزيتون)، وكان هناك مبادرات روسية وإيرانية تحثّ تركيا على التواصل مع نظام الأسد وتفعيل (اتفاقية أضنة) الموقعة بين النظام السوري وتركيا عام 1998، مقابل ألا تنفذ أنقرة أي عملية عسكرية داخل الأراضي السورية، على اعتبار أن روسيا وإيران لا تريدان أن يخسر النظام السوري مزيدًا من الأراضي.

وأشار باكير إلى أن الجانب التركي لم يكن متحمّسًا لهذه المبادرات، لأنه لا يثق بالنظام السوري الذي انسحب عام 2013 من الشمال وأتاح الفرصة للميليشيات الكردية لتسيطر على مساحات كبيرة من الأراضي هناك، ولعدم قناعة أنقرة بامتلاك النظام السوري قدرات عسكرية تمكنه من بسط سيطرته، لأنه كان يعتمد على الطيران الروسي والميليشيات الإيرانية على الأرض.

أشار باكير إلى أن روسيا بدأت، منذ أربع سنوات تقريبًا، بالضغط على تركيا من أجل فتح قنوات تواصل مع النظام السوري على المستوى الاستخباراتي، وعلى الرغم من استجابة أنقرة لهذا الضغط، لم ينتج عن ذلك أي فوائد. وأوضح باكير أنّ الروس والإيرانيين أبدوا، في اجتماع آستانة الأخير الذي عُقد في حزيران/ يوليو 2022، رفضًا علنيًا للعملية العسكرية التي كانت تعتزم تركيا إطلاقها في الشمال السوري، وقوبل هذا الرفض بإصرار أنقرة على ضرورة محاربة الإرهاب، حتى الجماعات الانفصالية التي تعمل تحت مظلة الحكم الذاتي. وجددت روسيا اعتراضها على العملية العسكرية التركية خلال قمة سوتشي المنعقدة في آب/ أغسطس 2022، واقترحت على أنقرة التواصل مع نظام الأسد لحلّ هذه المشكلة، لكن تركيا لم ترحب بهذا الاقتراح، وأصرت على تنفيذ العملية العسكرية.

أوضح باكير أن الدعوات إلى التقارب التركي مع النظام السوري عادت إلى الواجهة من جديد، نهاية عام 2022، على أن يتم الاتصال بشكل مباشر بين بشار الأسد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن تركيا اشترطت أن يكون يتم هذا التقارب بشكل تدريجي، على مستوى وزراء الدفاع أولًا، ثم وزراء الخارجية، وفي حال أثمرت هذه اللقاءات، يمكن أن يكون هناك تطبيع أو تقارب حقيقي مع نظام بشار الأسد.

من جانب آخر، رأى الكاتب والسياسي محمد ياسين النجار أن حادثة إسقاط الطائرة الروسية من قبل الدفاعات الجوية التركية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، أحدثت تغيرًا مفصليًا في إعادة هندسة الدبلوماسية التركية، خاصة بعد أن تعثّر إتمام صفقة الباتريوت للدفاع الجوي الصاروخي مع الولايات المتحدة، وشعور تركيا أنها أصبحت وحيدة في المنطقة، الأمر الذي دفعها إلى تقديم اعتذار رسمي لروسيا.

ورأى النجار أن زيارة الرئيس التركي لموسكو عام 2016 شكّلت بداية تغير لآلية التعامل بين الطرفين، والانتقال من ملعب المفاوضات التي تتم عبر جنيف، إلى مفاوضات روسية – تركية فقط. وأضاف أن ما حصل في حلب، كانون الأول / ديسمبر 2016، إذ تخلت تركيا عنها ولم تقدّم الدعم العسكري الكافي للثوار رغم أهمية حلب بالنسبة لها، وانطلاق مفاوضات أستانا عام 2017، كانا دليلًا على تشكل تفاهمات روسية تركية جديدة تجاه القضية السورية.

وأوضح النجار أن هذا التقارب التركي مع النظام السوري كان نتيجة انتقال تدريجي أفضى إلى الوصول إلى هذه المرحلة، من أجل إنضاج المناخ الذي يجعل السوريين والمجتمع الدولي أكثر تقبّلًا لهذه المصالحة.

ناقشت الندوة أيضًا أثر الأزمة الاقتصادية والانتخابات الرئاسية التركية في تسارع وتيرة التطبيع التركي مع النظام السوري، واستخدام المعارضة التركية لورقة اللجوء السوري، من أجل الضغط على حكومة حزب العدالة والتنمية. وفي هذا السياق، رأى باكير أن المعارضة التركية وظفت ملفّ اللاجئين السوريين بشكل سيئ لخدمة أهدافها ومصالحها، وأدى ذلك إلى حصول تفاعلات سلبية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، ما جعل الحكومة التركية تدرك أن ملف اللاجئين خطير جدًا، وأن له انعكاسات سلبية على الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولا بد من إيجاد حلّ له، ولو على المستوى التكتيكي، من أجل إقناع الناخب التركي بأن إقامة اللاجئين السوريين في تركيا ليست دائمة، وأن الحكومة تعمل على تأمين بيئة مناسبة في الشمال السوري، تمهيدًا لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.

تطرّق الحوار إلى موقف الولايات المتحدة الأميركية من التطبيع التركي مع النظام السوري، وهل ستسمح واشنطن لنظام الأسد وتركيا بالضغط على حليفها (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد). وفي هذه النقطة، رأى محمد ياسين النجار أن أميركا غير جاهزة حاليًا لإعادة ترتيب المنطقة، وأنها ستستمر في سياسة (إدارة الأزمة) ولا سيّما أن روسيا تعيش حالة من التقهقهر في أوكرانيا، ومن الممكن أن تقدّم تنازلات أكبر في حال التوصل إلى أي اتفاق بخصوص سورية.

وحول مدى قدرة روسيا حاليًا على دفع تركيا والنظام السوري باتجاه المصالحة، أوضح الدكتور علي باكير أن روسيا لا تملك القوة الكافية للضغط بشكل مطلق، لكنها تستطيع رفع التكاليف على الجانب التركي إذا أراد أن يدخل بدون تسوية معها، وأن تشدّ الحزام على نظام الأسد، مبيّنًا أن نفوذ إيران على نظام الأسد أقوى بكثير من نفوذ روسيا في المرحلة الحالية، إضافًة إلى امتلاك النظام السوري أوراق مناورة تمكّنه من تخفيف وطأة الضغط الروسي.

طرحت الندوة أيضًا بضعة محاور للنقاش، منها إمكانية مواجهة نظام الأسد لميليشيا (قسد) والميليشيات الأخرى لحزب العمال الكردستاني، والموقف الإيراني من التقارب التركي مع النظام السوري، وعجز المعارضة السورية عن فعل أي شيء إزاء مستجدات المصالحة بين تركيا وبشار الأسد.

والندوة متاحة للمشاهدة على منصّات التواصل الاجتماعي التابعة لمركز حرمون للدراسات المعاصرة.