عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم الاثنين 23 كانون الثاني/ يناير 2023، ندوة بعنوان “استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة سياسية في سورية“، مع سمير سعيفان، مدير مركز حرمون للدراسات المعاصرة، أدارها عمر إدلبي، مدير مكتب الدوحة في مركز حرمون.

ناقشت الندوة عدة محاور، منها مبدأ العقوبات الاقتصادية وآثارها المزدوجة، والعقوبات المفروضة على النظام منذ عام 2012 كأداة للضغط السياسي، ونتائج هذه العقوبات وآثارها، ومدى تحقيقها للغايات التي فُرضت من أجلها، واستخدام روسيا لملفّ إدخال المساعدات الإنسانية، كأداة للضغط السياسي.

بدايةً، قدّم سمير سعيفان شرحًا لمفهوم العقوبات الاقتصادية، وهي مجموعة تدابير تُتخذ تجاه مجموعة من المسائل الاقتصادية، كأداء الاقتصاد بشكل عام والتجارة وحركة سوق المال.. إلخ، في بلد محدد، وتكون موجهة ضد شركات وأشخاص، بهدف التأثير في سلوكهم ودفعهم إلى اتخاذ موقف معين، أو تقديم تنازلات معينة. وأضاف أن العقوبات الاقتصادية هي إحدى الأدوات المستخدمة في الحروب لتحقيق غاية سياسية، وقد اتّسع نطاق استخدامها في القرن العشرين، خاصة من قِبل الدول الأوروبية التي كانت سبّاقة في استخدامها، وكان أشهر استخدام للعقوبات هو الحصار والعقوبات التي فُرضت على الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي، إضافة إلى العقوبات التي طُبّقت على ليبيا والسودان وكوبا وغيرها.

أشار سعيفان إلى أنّه لا توجد عقوبات اقتصادية تمسّ رجال الأعمال أو الطبقة الحاكمة وحدَهم؛ لأن تأثير العقوبات الاقتصادي سيشمل المجتمع ككل، على الرغم من أنها عادةً تستثني الأدوية والمواد الغذائية، حيث إن الكثير من القضايا الأخرى التي تحدد المستوى المعيشي ونمط الحياة تتأثر بهذه العقوبات، وبالتالي سينعكس ذلك على الناس.

أوضح سعيفان أن تاريخ أول عقوبات اقتصادية تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على سورية يعود إلى عام 1979، ولاحقًا أُقرّ ما يسمّى بـ “قانون محاسبة سورية” عام 2003، وهو مشروع قرارٍ مرّره الكونغرس الأميركي، ليصبح قانونًا بهدف وضع حد لدعم النظام السوري للإرهاب. ولفت سعيفان النظر إلى أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على النظام السوري بعد اندلاع الثورة السورية كانت أقسى وأشد تأثيرًا مما سبقها من عقوبات، وكذلك العقوبات الأوروبية التي مسّـت بشكل مباشر التجارة ومنعت توريد المواد الأولية للنظام، كمستلزمات الإنتاج والآلات والتكنولوجيا، وفرضت عقوبات على “مصرف سوريا المركزي” وعلى حركة الأموال. وأضاف أن آخر العقوبات التي فُرضت على النظام وأقساها كانت “قانون قيصر” في أواخر عام 2019، وقانون مكافحة المخدرات الذي أقرّه الكونغرس الأميركي أواخر عام 2022، بهدف مواجهة تجارة المخدرات المرتبطة بالنظام السوري والشخصيات المقرّبة منه.

تطرق النقاش إلى موضوع آثار العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية على المستوى المعيشي للسوريين خاصة بعد عام 2019، مقارنة بالمستوى المعيشي للسوريين قبل عام 2011، عندما فُرض “قانون محاسبة سورية”، لكن المستوى المعيشي لم يتدهور في وقتها كما يحصل الآن. وحول هذه النقطة، أوضح سعيفان أن العقوبات على النظام السوري قبل عام 2011 لم تكن صارمة، والنقطة الأهمّ أنها ليست عقوبات أممية ولم تفرضها الأمم المتحدة، وهي ليست ملزمة لبقية دول العالم، مشيرًا إلى أن القرار الوحيد الصادر عن الأمم المتحدة بعد عام 2011 يتعلق بمنع الاتجار بالآثار السورية، وهو قرار يستهدف تنظيم (داعش) وليس النظام السوري المحمي بطبيعة الحال بالفيتو الروسي، وبالتالي الغاية من هذه العقوبات هي إضعاف قدرة النظام، وإفقاده جزءًا من شرعيته.

ناقشت الندوة أيضًا أسباب تصاعد الأزمة الاقتصادية للنظام السوري أخيرًا، وإلى أي مدى ساهم حلفاء النظام، خاصة إيران، في الضغط على النظام وابتزازه اقتصاديًا في سبيل الوصول إلى بعض الأهداف. وذكر سعيفان أن إيران قلّصت في الآونة الأخيرة حجم توريدات النفط الشهرية إلى النظام السوري، وأدى ذلك إلى تفاقم أزمة المحروقات في مناطق سيطرة النظام وفقدانها بشكل شبه نهائي، وتعطيل مؤسسات الدولة والمدارس والمواصلات، وتزامن ذلك مع انتشار أخبار مفادها مطالبة إيران أن تكون معاملة رجال الأعمال الإيرانيين كمعاملة المواطن السوري، مع تقديم تسهيلات لهم في مجالات الاستثمار وشراء العقارات وغير ذلك.

وحول مستقبل وجدوى العقوبات المفروضة على النظام السوري والإصرار على فرضها من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، في مقابل الدعوة لرفعها للتخفيف من وطأة تأثيرها على السوريين، كون النظام قادرًا على ابتكار أساليب تعكس آثار هذه العقوبات على الناس؛ أوضح سعيفان أن هناك رأيين مختلفين حول هذه المسألة: الأول يرى في رفع العقوبات مكافأة للنظام، على الرغم من كل ما فعله خلال السنوات العشر الماضية، وإعادة لتمكينه وتأهيله مرة أخرى، فيما يرى أصحاب الرأي الثاني أن النظام مستمرّ حتى الآن، على الرغم من العقوبات المفروضة عليه، وأن المتضرر الوحيد من تلك العقوبات هم السوريون، وبالتالي ليس هناك أي أهمية للاستمرار في فرضها، خاصة في ظل عدم وجود استراتيجية واضحة لمستقبل ونتائج هذه العقوبات وأن تترافق مع حل سياسي.

وأكد مدير مركز حرمون للدراسات أن هناك غضبًا شعبيًا كبيرًا ضدّ النظام السوري، بسبب الأزمة الاقتصادية وسوء الأوضاع المعيشية، لكن في الوقت نفسه لا يوجد بديل من المعارضة التي بقيت مشرذمة ومشتتة، ولم تستطع أن تطرح نفسها كبديل للنظام وممثلة لجميع السوريين بمختلف أطيافهم، مشيرًا إلى أنه من غير الممكن الاعتماد على العقوبات وحدها فقط، كأداة لإسقاط النظام، بل يجب أن تقترن باستراتيجيات ورؤى وتحرك سوري ودولي باتجاه الوصول إلى حل سياسي.

اختُتمت الندوة بنقاش مفتوح، حول الأسئلة والمداخلات التي طرحها الحضور والمتابعون على منصات التواصل الاجتماعي، وكان أبرزها إمكانية أن يلعب قانون “تجارة الكبتاغون” دورًا في إعادة بعض الدول لعلاقاتها مع النظام السوري، وتأثير الحرب الأوكرانية في موقف أميركا من وجود روسيا وإيران في سورية، ومدى قدرة الولايات المتحدة على تفعيل آليات العقوبات التي تفرضها على النظام.

يمكن متابعة الندوة، عبر البث المباشر، على صفحة المركز في منصة (فيسبوك)، على الرابط التالي:www.facebook.com/HarmoonCenter، إضافة إلى منصة “تويتر ويوتيوب“.