عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم السبت 4 حزيران/ يونيو 2020، ندوة بعنوان “هل قلّصت معارك ليبيا من اهتمام تركيا بإدلب“، شارك فيها د. سمير صالحة، الكاتب والباحث وأستاذ القانون الدولي؛ وأحمد رحال، المحلل السياسي والعسكري؛ وأدارتها الإعلامية ربا حبوش.

ناقشت الندوة الأوضاع في إدلب شمالي غرب سورية، وخروقات النظام السوري للهدنة فيها، وزيارة وزيري الخارجية والدفاع الروسيين إلى تركيا، والوضع الراهن للعلاقات التركية – الروسية، ومساعي روسيا الأخيرة للتواصل مع المعارضة السورية، وسلطت الضوء على المعارك الدائرة في ليبيا، وعلى انعكاساتها على الوضع في سورية، وعلى اتفاقات تركيا مع حكومة الوفاق والتقدّم الليبية، والاتفاق البحري بينهما، ومدى ارتباط الهدنة في سورية بنية تركيا إعلان اتفاق وقف إطلاق للنار في ليبيا.

تحدث العميد أحمد رحال، في بداية الندوة، عن أوضاع محافظة إدلب في ظل اتفاق وقف إطلاق النار، وعن مدى تمسك النظام بالسيطرة على المدينة، في ظل التوافقات الجديدة التي تخضع لها المنطقة، ومصالح روسيا مع تركيا التي من الممكن أن تدفعها إلى التخلي عن دعم الأسد في السيطرة على إدلب. وأشار رحال إلى أن التفاهمات التي تم التوصل إليها سابقًا تعبّر عن ضغط تركي شديد على روسيا، بخصوص إدلب، وأنها لن تسمح لقوات النظام بالوصول إلى إدلب، لافتًا النظر إلى أن التوافقات الحاصلة بين روسيا وتركيا اليوم هي سيدة الموقف، لكن ذلك لا يعني أن النظام سيتنازل عن فكرة السيطرة على إدلب، لأنه يُدرك أن وقف إطلاق النار يعني في مرحلة لاحقة الانتقال إلى الحل السياسي والتخلص من الميليشيات الأجنبية، ومن ثم إسقاط النظام.

بدوره، رأى سمير صالحة أن القمة التركية – الإيرانية – التركية التي عُقدت قبل يومين، عبر فيديو “الكونفرانس”، تتضمن العديد من الإشكاليات ليس فقط في التعامل مع ملف إدلب، بل مع الملف السوري ككل، مشيرًا إلى أن كل طرف حاول أن يضمّن البيان الختامي ما يناسبه ويخدم مصالحه. وذكر صالحة أن كثيرًا من البنود التي طُرحت في البيان تُعيد الملف السوري إلى خط البداية مرة أخرى، معتبرًا أن الحديث عن تفعيل الحوار السياسي وأهميته، من دون أن تكون هناك استراتيجية تحرّكٍ ثلاثية بين الدول الضامنة، يضع علامة استفهام حول جدية هذا الحوار، في ضوء الاختلاف بين هذه الدول الثلاثة حول مصير إدلب. وقال: إن “الدول الضامنة تريد حاليًا أن ترمي الكرة في ملعب التطورات المحلية والإقليمية الجديدة، وهذا لا يعني أن هذه الدول عاجزة عن اتخاذ القرار، لكنه يشير إلى وجود كثير من العوامل الإقليمية التي باتت تؤثر بشكل مباشر في قرارات هذه الدول في سياق التعامل مع الملف السوري”.

وتطرقت الندوة إلى مدى تأثير وجود التنظيمات المتشددة في إدلب، التي تتذرع روسيا بوجودها من أجل دعم النظام، على وضع إدلب في المستقبل والاتفاقيات التي قد تُبرم بخصوصها. وفي هذا الشأن، ذكر العميد رحال أن موضوع التخلص من هذه التنظيمات كان حاضرًا بشكل دائم في التفاهمات الروسية – التركية، وقد وُضعت “هيئة تحرير الشام” على قوائم الإرهاب التركية، منذ ثلاث سنوات، لكن المشكلة التي تواجهها تركيا في هذا الملف هي تذرّع روسيا بوجود هذه التنظيمات للهجوم على المناطق المحررة، وقصف المدنيين والبنى التحتية والمشافي والمدارس، من دون أن تتعرض لـ “هيئة تحرير الشام”. وأضاف: “تخشى تركيا من أن تؤدي الاشتباكات مع الهيئة وبقية الفصائل الموجودة، إلى إلحاق الضرر بأربعة ملايين مدني في المنطقة، لذا هي تحاول البحث عن حلول جزئية تقلل من حجم الخسائر الكبيرة التي قد تتسبب فيها العمليات القتالية. وتواردت معلومات تفيد بأن هناك توجهًا للتخلص من بقية الفصائل والإبقاء على “الجولاني” الذي أعلن انفكاكه عن تنظيم القاعدة، من أجل إبرام تفاهمات معه في وقت لاحق، إضافة إلى الربط ما بين “الجبهة الوطنية” و “هيئة تحرير الشام”، لكن هذا الطرح قوبل بالرفض من قبل “الجبهة الوطنية”. ويجب على الجولاني الآن ترتيب الأمور وتصفية كل المتشددين من الفصائل التابعة لـ (جبهة النصرة)، لكنه يدرك أن حياته ستكون على المحك، لأنه لا يمكن إيجاد حل في سورية وهناك راية طائفية في الأراضي السورية”.

وناقشت الندوة إمكانية القيام بعملية إعادة إعمار جزئية في شمال سورية، في ظل تعثر عملية إعادة الإعمار في سورية ككل، بسبب وجود النظام. ورأى صالحة أن دعم هذا التوجه ممكنٌ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن أنقرة ستنفذ المشروع الاستراتيجي الذي تحدثت عنه أكثر من مرة، في إطار المنطقة الآمنة وإعادة إعمار شمال سورية، بسبب وجود العديد من العقبات الأمنية والسياسية والاقتصادية. ورجّح صالحة أن الأمر سيكون معقدًا دون وجود صيغة توافقية باتجاه الوصول إلى قرار إعادة الإعمار، لأن هذا الملف مرتبط بملف العمليات العسكرية التركية في إدلب، وبمدى التزام النظام بوقف إطلاق النار، ما قد يجعل عملية إعادة الإعمار تتم في نطاق ضيق، لا في إطار الاستراتيجية التركية التي تحدثت عنها في الأعوام السابقة.

وبالحديث عن انعكاسات المعارك في ليبيا على الوضع في سورية، واحتمالية أن تقلص أنقرة من اهتمامها بملف إدلب، لم يرجّح صالحة أن تتخلى تركيا عن إدلب، لأن هذه المسألة مرتبطة حاليًا بعوامل إقليمية ودولية عدة. وقال: “مع الأسف، أصبح هناك العديد من الملفات الإقليمية التي تؤثر في ملف إدلب، وأهمّها الملف الليبي، في إطار الحوار التركي – الروسي، وأيضًا الحوار التركي – الروسي – الإيراني. ولعل دخول الولايات المتحدة، خلال الفترة الماضية، على خط المجريات السورية، يدفعنا إلى القول بأن لا ضمانات على ما تم الاتفاق عليه في السابق بين اللاعبين الثلاثة، وأتوقع حدوث تحولات جديدة ليس فقط على مستوى المشهد السوري بل على مستوى المنطقة ككل”.

وعرّجت الندوة على مدى تأثير السياسات المختلفة، لكل من روسيا وتركيا في ليبيا، على الوضع في سورية، وإمكانية حدوث خلاف روسي – تركي في سورية، ضمن ما يحدث في ليبيا. وأشار رحال إلى وجود رسائل ضغط ما بين الدولتين حول ملفي ليبيا وإدلب، وهناك تداخلات عميقة ما بين الملفين، لكنها لا ترقى لأن تكون صفقة مقايضة على مبدأ (أعطِني إدلب أُعطِك ليبيا).

في الشأن ذاته، يرى رحال أن روسيا قد تمارس عملية شد وجذب في إدلب، بناءً على المتغيرات التي تحصل في ليبيا، وقد تُعطي الضوء الأخضر للنظام كي يخرق الهدنة، متذرعة بأنها أعطت فرصًا كثيرة لأنقرة من أجل تفكيك “هيئة تحرير الشام”، مؤكدًا أن النظام غير قادر على خوض أي عمل عسكري من دون دعم روسي.

من جانبه، يرى صالحة أن تركيا تؤسس لعلاقة استراتيجية جديدة مع ليبيا، وأن هذا مرتبط بالتطورات التي ستشهدها المرحلة المقبلة في الداخل الليبي، ومرتبط بالتعامل الدولي مع الملف الليبي، مشيرًا إلى وجود قناعة واضحة في تركيا على مستوى القيادات السياسية والأحزاب والقواعد الشعبية، بأن هناك استهدافًا إقليميًا ضد مصالح تركيا ونفوذها ليس فقط في ليبيا، بل في شمال أفريقيا وشرق المتوسط في ما يتعلق بموضوع الطاقة والغاز، بالإضافة إلى الملف السوري، مبيّنًا أن الاصطفاف الحاصل اليوم، بمشاركة فرنسية ويونانية ومصرية وبدعم إماراتي، يؤكد بأن أنقرة لن تقبل أن تُفرض عليها حالة إقليمية جديدة، وأن تُحاصَر في هذه الملفات.

وفي سياق مختلف، سلطت الندوة الضوء على التفاهمات الروسية – التركية، حول طريق إم4، الذي يشهد تسيير دوريات مشتركة من الطرفين. وأشار رحال أن طريق إم 4 هو جزء من اتفاق يتضمن أربع مراحل: الأولى هي وقف إطلاق النار؛ والثانية فتح الأوتوسترادات الدولية؛ والثالثة إعادة ترسيم خرائط جديدة لإعادة تموضع نقاط المراقبة التركية؛ والمرحلة الرابعة هي عودة النازحين والمهجرين. وأضاف: “في الآونة الأخيرة، تم الحديث عن رسم خارطة جديدة روسية – تركية، من أجل إعادة تموضع النقاط، وقد يكون هناك انسحاب تركي إلى الخلف من جهة مورك باتجاه الحدود الشمالية، وانسحاب لقوات النظام والجيش والأمن مع بقاء مؤسسات النظام الخدمية كمؤسسات الماء والكهرباء ودوائر السجل المدني. أعتقد أن طريق إم 4 ليس شأنًا روسيًا – تركيًا فحسب، فأميركا حاضرة بقوة في هذا الملف، ودليل ذلك قيامها بفتح قاعدة عسكرية في اليعربية كي تمنع روسيا من فتح الطريق ومن فك الحصار المفروض على النظام بسبب قانون قيصر، لكن الصورة النهائية تبقى غير واضحة، حتى الآن”.

وأشار صالحة إلى أن ما يشهده الملف السوري حاليًا، من تحركات روسية وتركية وأميركية، والحوار الكردي – الكردي والحراك الثوري في الداخل، إضافة إلى المتغيرات الإقليمية، يعطي المعارضة السورية فرصة تاريخية لتشكيل معارضة سورية جديدة، في إطار تفاهمات جديدة. في المقابل، رأى رحال أن القضية السورية خرجت من يد المعارضة والنظام، وأن الحل لم يعد مرتبطًا بوجود معارضة منظمة أو تابعة لتركيا، بل هو مرتبط برضوخ روسيا للقرارات الدولية، وبتوقفها عن دعم النظام.