تستمر أعمال “المؤتمر الثاني للباحثين السوريين في العلوم الاجتماعية“، الذي ينظّمه مركز حرمون للدراسات المعاصرة والجمعية السورية للعلوم الاجتماعية، بالاشتراك مع مجلة قلمون، تحت شعار “الحرية الأكاديمية الكاملة للباحثين الاجتماعيين“.

ويشارك في المؤتمر الذي انطلق يومي 15 و16 كانون الثاني الجاري، ويستكمل أعماله يومي 22 و23 من الشهر ذاته، عددٌ كبير من الباحثين السوريين في تخصصات العلوم الاجتماعية المختلفة، إضافة إلى مناقشته 35 ورقة بحثية، يتخللها عدد من المحاضرات الرئيسية حول ملفات وقضايا متنوعة.

استُهلت أعمال اليوم الثالث من المؤتمر بمحاضرة رئيسية، بعنوان “التنمية الاقتصادية في عصر التعددية القطبية“، ألقاها عمر ضاحي، الأستاذ الجامعي في الولايات المتحدة، والباحث الزائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. وتناول ضاحي، خلال المحاضرة، قضايا عدة منها “ما يتعلق بمحاولة فهم أسباب فشل الثورات العربية، أو على الأقل عدم نجاحها، في الانتقال الديمقراطي، أو الانتقال مما كانت عليه إلى الأهداف التي ينشدها الثوار والمعارضات السياسية العربية، وما هو دور العامل الاقتصادي في ذلك الفشل؟ إضافة إلى طرح السؤال البحثي الثاني: ما هي آفاق واحتمالية التنمية الاقتصادية لدول مثل سورية ودول المنطقة العربية؟ وكان هناك سؤال بحثي ثالث يتعلق بثنائية (الفاعلية والبُنيوية): كيف يمكن لنا أن نحلل -تاريخيًا- التغيرات في حقبة تاريخية معينة؟ وهل هذه التغيرات هي نتيجة خيارات شخصية من قبل أفراد أو جماعات اتخذوا قرارات معينة أم لم يتخذوها، أم أن هناك عوامل بنيوية تتعلق ببنية الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية وغير ذلك”.

وطرح ضاحي، في سياق حديثه، فرضية “أن المعارضة السورية والمعارضات العربية فشلت في تقديم رؤية سياسية اقتصادية تستطيع استقطاب غالبية الشعوب العربية، وفي تكوين نوع من الإجماع الشعبي حول هذه الرؤية، وليس هذا الفشل بالضرورة فشلًا شخصيًا أو فشل إرادة، لكنه قد يحمل دلالة أوسع على عدم وجود مشروع اقتصادي اجتماعي بديل في العالم أجمع، وعلى غياب صوت وتمثيل حقيقي لمصالح دول الجنوب، على المستوى الاقتصادي على الأقل”. وأبرزَ ضاحي عددًا من القضايا الأخرى، من بينها “العلاقة ما بين الأوضاع المحلية والداخلية والذاتية في سورية، وفي أي بلد من بلدان العالم، بالأوضاع العالمية بشكل عام، وخاصةً بالقوى المهيمنة على العالم، سياسيًا واقتصاديًا”.

وناقشت الجلسة الخامسة التي حملت عنوان “ظواهر راهنة في سورية“، وأدارها الباحث في مركز حرمون طلال المصطفى، وجاءت مباشرة عقب المحاضرة الرئيسية، أربع أوراق بحثية، قدّمها باحثون حول مواضيع متنوعة.

الدراسة الأولى جاءت بعنوان “تفكيك الخطاب الرئاسي السوري المتزامن مع الأزمة السوري“، للباحثة علا الجبر، وتطرح فيها الباحثة مجموعة من الأسئلة أبرزها: “هل كانت خطابات النظام السوري السياسية المتمثلة بالخطابات الرئاسية بعيدة عن واقع الأزمة السورية؟ وإلى أي مدًى عبّرت هذه الخطابات عن سياسة النظام في إدارة الأزمة السورية؟ وما دورها الشعاراتي الإنشائي في حرب وجودية أنهكت سورية وشعبها؟”. وتقارب الدراسة “مقاطع من خطابين لبشار الأسد، ألقاهما منذ بداية الأزمة السورية، بهدف التعرف عن قرب إلى سياسة النظام السوري، وخططه المعلنة والمبطنة منذ البداية في التعامل مع الأزمة، وذلك بغية توضيح الطريق إلى كشف حل للأزمة السورية”.

أمّا الدراسة الثانية، وهي بعنوان “اقتصاد الظل لشبكات الشبيحة في سورية بعدعام 2011″، للباحث علي الجاسم، فقد بيّنت “أن مثل هذه التشكيلات (الشبيحة) ليست فقط أدوات عنفية أو أدوات لضبط الأمن واستعادة السيطرة على الأرض، ولكنها أيضًا عبارة عن شرايين حياة اقتصادية للنظام السوري”. وتهدف الدراسة، حسب الجاسم، إلى أن تكون ملفًا يوثق للمستقبل المعاناة التي مرّ بها السوريون، بسبب هذه التشكيلات التي ظهرت على الساحة السورية بعد انطلاقة الثورة السورية 2011.

وفي دراسةٍ بعنوان “الواقع الاجتماعي في الرواية النسوية في ظل الثورة (مها حسن أنموذجًا)“، ذكرت الباحثة فاطمة علي عبود أنها اختارت لهذه الدراسة “كاتبة سورية، وهي (مها حسن) عبر رواياتها الثلاث: (طبول الحب 2012) و(مترو حلب 2016) و(عمت صباحًا أيتها الحرب 2017)، استطاعت أن ترصد عبر رواياتها مأساة الواقع الإنساني والاجتماعي، داخل سورية وخارجها، فصوَّرت التغريبة السورية، والتحولات التي طرأت على المرأة السورية، وما كان لها من أثر نفسي واجتماعي ضمن سرد تتداخل فيه الشخصيات والأصوات، وتتعدد ضمنه الفضاءات الزمانية والمكانية، لتتشكل عبر البنية السردية والصراع المتنامي رؤية لمستقبل قادم يتجاوز الواقع بكل حيثياته، وإن كان ينطلق منه ويستند عليه”.

وأضافت الباحثة: “في روايات مها حسن، ظهرت أصوات متعددة للمرأة، عبَّرت من خلالها عن موقفها من تلك الحرب، فكان لا بدّ لنا من الوقوف عندها مليًا، لنستقرأ من خلالها حقيقة الواقع الفعلي للثورة في سورية، وهي بتعبيرها عن صوت المرأة السورية تتخذ بذاتها موقفًا ثقافيًا تواجه به الاستبداد، فقوة الكلمة وأثرُها الباقي لا يقلُّ أثرًا عن أي سلاح فتاك”.

وناقشت الدراسة الرابعة، وهي بعنوان “عقوبة الإعدام في القوانين العربية والأثر الاجتماعي لتنفيذها على عائلة المحكوم”، للمحامي عاصي الحلاق،موضوع “تطبيق عقوبة الإعدام في القوانين العربية، والحق بالحياة من منظور القانون الدولي، والنظرة العالمية للعقوبة، حيث يرى البعض أنها ليست عقوبة، بل جريمة بحق البشرية جمعاء، وعلى العكس يرى فريق آخر أنها أفضل عقوبة رادعة تقلل الجرائم بالمجتمعات”. كما تناولت الدراسة “الأثر الاجتماعي لتنفيذ عقوبة الإعدام على الدائرة الاجتماعية المحيطة بالمحكوم. وعلى مختلف مناحي الحياة لأفراد الأسرة (النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية)”.

وتابع المؤتمر أعماله بجلسة سادسة، حملت عنوان “الأقليات وحق تقرير المصير“، أدارها الباحث علي الجاسم، تم خلالها مناقشة 4 دراسات قدّمها عدد من الباحثين السوريين.

وقدّمت الدراسة الأولى التي جاءت بعنوان “اضطهاد الدولة وحق الأقليات في تقرير المصير“، لرئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، “موجزًا عن مفهوم الأقليات ضمن الدولة، إضافة إلى مناقشتها التطور القانوني الخاص بالأقليات في ظل هيئة الأمم المتحدة، ومدى فاعليته”، وبيّنت الدراسة أن “اضطهاد الدولة لحقوق الأقليات عملٌ أساسي للمطالبة بتقرير المصير”. وأوضح عبد الغني أن الدراسة “تحاول معالجة قضية حساسة، وهي مدى مسؤولية الحكومات عن مطالبة الأقليات في البلدان التي تحكمها بحق تقرير المصير؟ وما مدى تأثير ذلك على مبدأ سيادة الدولة؟”.

وناقشت الدراسة المعنونة “المسألة الكردية في سورية بدلالة مفهوم (حق الشعوب في تقرير المصير)“، للباحث عبد الله تركماني، مفهوم “حق الشعوب في تقرير مصيرها، على صعيدي الممارسة السياسية والقانون الدولي، إضافة إلى واقع المسألة الكردية في سورية وآفاقها، وأهمّ الأخطار المحدقة بوحدة سورية وكيفيات التعاطي المجدي معها”. وانطلقت الدراسة، حسب تركماني، “من أنّ المفاهيم هي نتاج الواقع، إذ بعد ما يزيد عن عشر سنوات، فإنّ مفاعيل تعقيدات الحراك الشعبي السوري تنطوي على تحديات عديدة، منها وجود مسألة كردية في سورية، تضاف إلى جملة المسائل أو التحديات، التي تواجه السوريين وتفرض عليهم إعادة تعريفهم لذاتهم، في ظل الوطنية السورية الجامعة”.

وجاءت الدراسة الثالثة بعنوان “الحوار الكُردي في سوريا، الواقع، المعوقات والنتائج“، للباحث حسين جلبي، وتناول فيها “الحوار الذي دخله الفرع السوري لحزب العمال الكُردستاني مع المجلس الوطني الكُردي أخيرًا، بعد تجربة فاشلة خاضاها في إقليم كُردستان، انتهت إلى ثلاثة اتفاقات لإدارة المنطقة مناصفةً بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس، واستخدمها الحزب وسيلةً لتعزيز سيطرته عليها”. وناقشت الدراسة “دوافع الحزب لهذا الحوار، وهل كان خيارًا حقيقيًا أم مجرد تكتيكات مرحلية يلجأ إليها الحزب كعادته، بسبب ظروف خاصة به، إضافة إلى مناقشة القضايا الرئيسية في الحوار والمعوقات التي تواجهه، وما حققته المفاوضات بعد مرور مدة طويلة على بدئها، وهل ستؤدي في نهاية المطاف إلى اتفاق بين طرفيها اللذين يقولان بأنها خطوة على طريق حوار أوسع بين السوريين، وفي خدمته؟”.

وحملت الدراسة الرابعة والأخيرة من الجلسة السادسة عنوان “حقوق المرأة المسيحية في دول المشرق العربي والصكوك الدولية لحقوق الإنسان“، للباحث نائل جرجس، وناقش فيها “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، والتأثير المسيحي أو الإسلامي على حقوق المرأة المسيحية من ناحية (الحضانة، الطاعة وخضوع المرأة للرجل، ديانة الأطفال، الحرمان من الإرث ورفض الشهادة، وغير ذلك..)، وتناول مواضيع مثل (التوسع في هيمنة الشريعة الإسلامية على المسيحيين وأثره على حقوق المرأة، والتمييز ضد المرأة المسيحية في إطار الزواج الديني المختلط، وهشاشة استقلال مسيحيي سورية والأردن في مجال الأحوال الشخصية..)، بالإضافة إلى معالجة بعض الصكوك الدولية الأخرى، ولا سيما بنودها ذات الصلة بحقوق المرأة المسيحية”.

وتخلل الجلستين (الخامسة والسادسة)، من اليوم الثالث للمؤتمر، طرح أسئلة من قبل المتابعين للباحثين وأصحاب الدراسات، بالإضافة إلى تبادل وجهات النظر، ومحاولة توضيح بعض ما ورد من عناوين عريضة في مجالات بحثية عدة.

ويختتم المؤتمر الثاني للباحثين أعماله غدًا الأحد 23 كانون الثاني/ يناير الجاري، بجلستين: الأولى بعنوان “الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي“؛ والثانية بعنوان “إعادة الإعمار، الفن السوري“، يتم خلالهما مناقشة تسع أوراق بحثية لمجموعة من الباحثين السوريين.

يشار إلى أن “المؤتمر الأول للباحثين السوريين” انطلق في 15 كانون الثاني/ يناير 2021، في حين يسعى مركز حرمون للدراسات المعاصرة والجمعية السورية للعلوم الاجتماعية، بالاشتراك مع مجلة قلمون، إلى أن يتحول المؤتمر إلى تقليد سنوي، يجمع الباحثين السوريين المشتتين في أنحاء العالم المختلفة، وإلى تحقيق رسالته بإتاحة الحرية الأكاديمية لجميع الباحثين في العلوم الاجتماعية، والتبادل الحر للآراء ووجهات النظر، ولا سيّما في ما يخص مستقبل سورية المنكوبة بالاستبداد والتدمير والاحتلالات المتعددة.