استضاف مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، يوم الثلاثاء 9 شباط/ فبراير 2021، في ندوة بعنوان “10 سنوات من انتهاكات حقوق السوريين: التوثيق والمحاسبة”، فضل عبد الغني رئيس “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، وريم الكسيري مديرة “المنظمة الدولية للمعتقلات”، وأدار الندوة عمر إدلبي مدير فرع الدوحة لمركز حرمون.

تناولت الندوة ما شهدته سورية خلال عشر سنوات من انتهاكات لها علاقة بحقوق الإنسان، وجرائم الحرب، والتراجع الملحوظ في مستوى الاكتراث الدولي والإقليمي والاهتمام الإعلامي، بما يجري في سورية من معاناة إنسانية يعيشها النازحون واللاجئون، وبقضايا العدالة ومحاسبة المجرمين.

وأجاب ضيوف الندوة عن مسائل عدّة منها: لماذا يقف المجتمع الدولي ومجلس الأمن عاجزًا؟ ومن يستطيع أن يوقف هذه الجرائم؟ وكيف يمكن للمجتمع السوري الثقة بمبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي، في ظل هذا الفشل؟ وما هي الأدوات المتاحة لإعادة التركيز على خطورة ما يجري في سورية وتفعيل العدالة والقصاص؟ وما الآثار الخطيرة التي ستنتج عن الحرب السورية؟ وما أنواع الدعم التي يمكن أن تُقدّم لذوي الضحايا؟ وهل يمكن أن يكون هناك حصانة للقتلة؟ وما هي تداعيات ذلك على الشعب ومستقبل الدولة السورية؟

في بداية الندوة، أوضح فضل عبد الغني أن نظام الأسد كان يختبر ردات فعل المجتمع الدولي بممارسة الانتهاكات ضد السوريين، ومن ثم ينتقل إلى مستويات أكثر شدة وأكثر عنفًا في انتهاكاته ضد السوريين، لأنه يثق بأن لن يكون هناك أي ردّات فعل دولية تشكّل خطرًا عليه. وأضاف أن هذه الانتهاكات التي مورست عبر 10 سنوات لم تأتِ فجأة، بل هي نتيجة تراكمية لسنوات من الانتهاكات ونتيجة للإفلات التام من العقاب، الأمر الذي شجّع على الاستمرار، وعلى تصاعد الانتهاكات، عبر سنوات، وكل ذلك سببه الضوء الأخضر من المجتمع الدولي.

واستعرض حصيلة الانتهاكات التي تم توثيقها في السنة العاشرة من عمر الثورة السورية، معتبرًا أن الانتهاكات في هذه السنة هي أقلّ، مقارنة بالسنوات التي مضت، لكنها أعلى انتهاكات في العالم، وقال: “لا يوجد أي دولة أخرى في العالم يقتل فيها 1800 مواطن، وليس هناك تشريد لنحو مليون شخص، وعلى الرغم من هذا الانخفاض في هذه السنة، فإن هذه الإحصاءات تشير إلى أن الجرائم ضد الإنسانية ما تزال مستمرة، بالرغم من مضيّ العام العاشر من الثورة، وأن الأسوأ من ذلك أيضًا هو توثيق مقتل حوالي 130 شخصًا، وقرابة أكثر من 180 حالة اعتقال، وعمليات استهداف لمراكز حيوية، خلال الشهر الأول من العام الجاري 2021، ما يدلّ على أن هذه الانتهاكات مستمرة ولا تتوقف”.

وتطرّق في حديثه إلى عمليات القتل تحت التعذيب التي تتم في معتقلات نظام الأسد ومراكز الاحتجاز التابعة له، ووصف ما يجري في هذه المعتقلات بـ “الوحشي”، وحذّر من مخاطر انتشار فيروس كورونا على المعتقلين المحتجزين في سجون النظام التي تكتظ بهم، وقال: “إن مراكز الاحتجاز التابعة للنظام في حالة اكتظاظ شديد جدًا، وهناك تخوف من كارثة كبيرة، بالرغم من النداءات التي تم توجيهها من آذار/ مارس 2020 لمعالجة هذه المسألة، مع العلم أن كل دول العالم أطلقت سراح قسم من المعتقلين في سجونها، للتخفيف من الاكتظاظ في سجونها، على خلفية جائحة كورونا، باستثناء النظام الذي لم يقم بأي عملية إفراج عن المعتقلين بسبب الجائحة”.

وقدّم المشاركون في الندوة شرحًا عن أبرز الجرائم التي ارتُكبت ضد النساء في سورية، وعن أبرز جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي شهدته سورية خلال السنوات الماضية. وأوضحت ريم الكسيري أنه مع استمرار النزاع المسلح في سورية تعرّضت المرأة السورية لمختلف أشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي، وفق قرارات مجلس الأمن الدولي، ومنها القرار رقم 1325 (حول المرأة والسلام والأمن في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2000).

وأضافت أن هذه الجرائم يمكن اختصارها بـ “جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات”، وينطوي تحت هذا المفهوم العديد من الجرائم التي استهدفت النساء السوريات. وأيضًا يمكن اختصارها بـ “جرائم الاتجار بالبشر” التي تزداد في النزاعات المسلحة، وهناك كثير من التقارير التي تتحدث عن ازدياد حالات تزويج القاصرات في مخيمات اللاجئين، مثل الأردن وتركيا ولبنان، و”هذا الأمر يأتي نتيجة للتشجيع من مكاتب خاصة، تحاول تبريرها من خلال فتاوى دينية”، يضاف إلى ذلك استغلال وضع النساء المادي في المخيمات للعمل في الدعارة، نظرًا لمحدودية فرص العمل، إضافة إلى أن الاستغلال الاقتصادي للاجئات في المخيمات انتشر على نطاق واسع في السنوات الأخيرة، بسبب غياب أي فرصة عمل للنساء. وركزت الندوة على آلية محاسبة الفاعلين على هذه الانتهاكات التي ما تزال ترتكب بحق السوريين، وآلية العمل الحقوقي في ملف توثيق الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها نظام الأسد وداعموه.

وذكر فضل عبد الغني أن لجنة التحقيق الدولية وثقت نحو 36 تقريرًا، ما بين تقارير عامة وخاصة وموجزة، منذ العام 2011، وهذه التقارير تشكل أرشيفًا قويًا جدًا، يمكن الاستناد إليه والاعتداد به، ويمكن مواجهة مؤيدي النظام وحلفائه بها، وهي تقارير عالية المصداقية، وجميعها توصّف جرائم النظام وتحمّله المسؤولية، وجميعها وصفت كمًا كبيرًا من هذه الجرائم، بأنها جرائم ضد الإنسانية، وهذا بحد ذاته إدانة حقيقية لنظام الأسد.

وتحدثت ريم الكسيري عن تداعيات الانتهاكات المرتكبة من كل الأطراف في النزاع السوري، بحق السوريين عمومًا وبحق السوريات خاصة، في ظلّ الإفلات التام من العقاب لجميع الأطراف، على مستقبل الدولة السورية، وأكدت أن التداعيات على عموم الشعب السوري، خلال عشر سنوات من عمر الثورة، لا حصر لها بكل المجالات، وأن الملايين من السوريين لا يحصلون على الحماية التي تعدّ من أهم النقاط.

ولفتت النظر إلى وجود 6.9 ملايين لاجئ، و6.3 ملايين نازح في الداخل السوري، وهذه الإحصاءات غير دقيقة، كونها تزيد وتنقص بين وقت وآخر، وتقدّر الأمم المتحدة بأن هناك 1.3 مليون بحاجة إلى مساعدة إنسانية، وأكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، وعشرات الآلاف في عداد المفقودين والمختفين قسريًا والمعتقلين والمعرضين لسوء المعاملة والتعذيب، لدى أطراف النزاع جميعها، وكل ذلك يعني انعدام الأمن والسلام بالنسبة للشعب السوري، وكل ذلك خلق بيئة صعبة للعيش المشترك والسلم الأهلي والتعافي والتسامح والمصالحة وقبول الآخر، في بلد متعدد الطوائف والأديان بطبيعته.

تناولت الندوة أيضًا أهمية توثيق الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها نظام الأسد وغيره من الأطراف، بالرغم من الخذلان الواضح من المجتمع الدولي، وأكد فضل عبد الغني أن هذا التوثيق هو دليل قاطع على المجازر والقصف وأعداد الضحايا، وهو شكل من أشكال تعرية المجرمين، وشكل من أشكال العدالة الانتقالية. وأوضح أن من المهم إعادة تفعيل هذه القضايا وإعادة طرحها على الطاولة، وزيادة التشبيك مع المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، من أجل إعادة إحياء القضية السورية ووضعها على طاولة صنّاع القرار، وجعلها من أولويات أجنداتهم، وهذه مسؤولية كل السوريين.

في ختام الندوة، أعرب المشاركون فيها عن أملهم في ألّا تمرّ جرائم الانتهاكات المرتكبة بحق الشعب السوري دون عقاب، وأكدوا أن للضحايا وأسرهم الحقّ في معرفة الحقيقة والتماس التعويض والعدالة، وأن العدالة والمساواة هما أمران لا غنى عنهما لأي سلام مستدام في سورية، وقد يكون طريق العدالة طويلًا، ولكن يجب على جميع الأطراف أن تتحرك لضمان أن تتخذ الأمم المتحدة جميع الخطوات المتعلقة بذلك.

فضل عبد الغني: مؤسس ورئيس “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، ماجستير في القانون الدولي من جامعة “دي مونت فورت” في المملكة المتحدة، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق،  واضع العديد من التقارير والتحقيقات والعروض الكتابية والشفهية عن الشأن السوري، في ما يتعلق بحالة حقوق الإنسان في سورية.

ريم الكسيري: محامية سورية، مديرة المنظمة الدولية للمعتقلات، ماجستير في القانون الدولي، تعمل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.