عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، ضمن ندوات برنامج الحوار” الذي أطلقه المركز حول القضايا السورية الأساسية، ندوة بعنوان نظام الحكم الأنسب لسورية الجديدة، شارك فيها كلّ من المحامية منى أسعد، المختصة بحقوق الإنسان والدفاع عن معتقلي الرأي؛ والمحامي غزوان قرنفل، مدير تجمع المحامين السوريين؛ وعبد الله كدو، عضو الهيئة السياسية في الائتلاف عن المجلس الوطني الكردي في سورية؛ وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

تناولت الندوة ميزات ومساوئ أنظمة الحكم الثلاثة (الرئاسي، والبرلماني، وشبه الرئاسي)، والعلاقة بين طبيعة نظام الحكم وحالة المجتمع وظروفه وقدرته، وأيّها يمكن أن ينجح في سورية، ويمنع وقوع سورية بقبضة شمولية من جديد، وما النظام الأقدر على انتشال سورية من مشكلاتها الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويضمن دولة ديمقراطية تعددية تداولية.

في بداية الندوة، قدّم غزوان قرنفل شرحًا مختصرًا عن ماهية كل نظام من أنظمة الحكم الثلاث، موضحًا أن “النظام الرئاسي هو نظام حكم يقوم على فصل صارم، بين السلطة التنفيذية التي يمثلها الرئيس، والسلطة التشريعية التي يمثلها البرلمان، والسلطة القضائية التي يمثلها مجلس القضاء الأعلى، وهذا النوع من النظام يمنح صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية”.

أمّا نظام الحكم “البرلماني”، بحسب قرنفل، فهو “نظام حكم تتولى فيه الأغلبية البرلمانية الناتجة عن انتخابات حرّة تشكيل الحكومة، وبالتالي يكون رئيس الوزراء هو من يتولى إدارة الشأن السياسي في الدولة بأكمله، ويمكن تسميته بأنه الفرع التنفيذي للبرلمان، وتكون الحكومة في هذه الحالة مسؤولة فقط أمام البرلمان، وتكون السلطتان التنفيذية والتشريعية في حالة تشابك في الدور والصلاحيات”.

وتحدث قرنفل عن النظام “شبه الرئاسي” أو نظام الحكم “المختلط”، مشيرًا إلى أنه “صيغة تجمع بين نظام الحكم الرئاسي ونظام الحكم البرلماني، حيث يُنتخب الرئيس عادة بالاقتراع العام المباشر، ويتمتع بقدر معقول من الصلاحيات، وفي الوقت نفسه تكون الحكومة منبثقة عن البرلمان، وتكون مسؤولة أمام هذا البرلمان، وأمام رئيس الدولة”.

وتناولت الندوة الشروط الواجب توفرها من أجل إنجاح كل نظام من أنظمة الحكم المذكورة، وإلى أيّ حد يتطابق أيّ نظام من هذه الأنظمة مع الواقع السوري.

وفي هذا الجانب، أوضحت منى أسعد أن لكلّ نظام من هذه الأنظمة إيجابيات وسلبيات، و”لا يوجد نظام واحد من الممكن اعتباره أنه يتضمن كل الحلّ للواقع السوري ولإشكاليات هذا الواقع”، مرجعة السبب إلى الواقع السوري المتشظي، والحرب السورية التي أسهمت في تمزيق وتدمير المجتمع السوري، إضافة إلى دور “النظام القمعي” في هذا التدمير والتمزيق.

ولفتت الانتباه إلى أن اعتماد نظام الحكم السابق “نظام البعث”، على منظومة قانونية قائمة على الاستبداد والتمييز بين فئات ومكونات المجتمع أو حتى التمييز بين المرأة والرجل، أدى إلى تمزيق المجتمع. وأضافت: “نحن اليوم بحاجة إلى نظام حكم وإلى نصوص دستورية تكون أقرب إلى الديمقراطية، وأرى أن النظام الأقرب إلى الديمقراطية هو النظام المختلط الذي يوزع السلطات التنفيذية بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، الأمر الذي يحد من إمكانية تغوّل رئيس الجمهورية على السلطات الأخرى”.

وذكرت أسعد أنها تميل أيضًا إلى “النظام شبه الرئاسي”، والسبب في ذلك هو أن هذا النظام “يعطي رئيس السلطة صلاحيات محددة ومنضبطة، يتشارك فيها مع رئيس الحكومة المنتخبة من قبل البرلمان”، وأن “هذا النظام يساعد في منع تغول السلطة التنفيذية في الأجهزة الأمنية وفي الجيش على باقي السلطات، ومن هنا فإن هذا النظام هو الأنسب في المرحلة القادمة”.

وأكدت أسعد أن سورية اليوم بحاجة “إلى نظام حكم شبه رئاسي، ونصوص دستورية تعتمد مبدأ شرعة حقوق الإنسان كمرجع وليس الشريعة الإسلامية، لأن اعتماد الشريعة الإسلامية كمرجع يؤدي إلى إلغاء أو إقصاء باقي المكونات الدينية في المجتمع، ولا يجوز أيضًا اعتبار دين رئيس الدولة هو الإسلام، لأن ذلك يمنع هذا الحق الدستوري عن باقي أبناء المجتمع غير المسلمين، ويجب تحييد المؤسستين العسكرية والأمنية عن أي فعل سيادي في الدولة، وأن يتضمن الدستور منع أصحاب المناصب العليا في كلتا المؤسستين من الترشح إلى المناصب السيادية في الدولة، وهذا يتضمن إلغاء الجيش العقائدي الذي كان من أبرز مشكلات الثورة السورية”.

وأعربت أسعد عن اعتقادها بأن “النظام المختلط أو شبه الرئاسي، بحكم توزع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والبرلمان، وبحكم الحضور الأساسي والمهم للمحكمة الدستورية في الحياة التشريعية، من الممكن أن يشكل ضمانة لعدم تغول السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية”.

ورأت أيضًا أن “الدستور وحده غير كافٍ لضمان الديمقراطية، ولا بد من إحاطة النصوص الدستورية بالمبادئ فوق الدستورية لمنع التلاعب بها أو تعديلها، ولا بدّ من تفعيل دور المحكمة الدستورية العليا، كي تكون الجهة الرقابية وأداة المحاسبة لتجاوز السلطات، سواء من قبل رئيس الدولة أو رئيس الحكومة، وتشكيل منظومة دستورية قائمة وأسس يمكن من خلالها أن تكون الديمقراطية قادمة وقائمة”.

وحول نظام الحكم في الحالة السورية الحالية الذي يضمن للسوريين عدم عودة الاستبداد، ذكر عبد الله كدو أن الشعب السوري في الفترة الحالية، نتيجة غياب السياسة لأسباب متعددة، يعيش حالة من الشك وعدم اليقين، ومن أجل ذلك، فالسوريون بحاجة إلى نوع من نظام الحكم القادر على إعطاء فرصة لإشراك أكبر قدر ممكن من السوريين، وتعزيز الانتماء والهوية الوطنية للشعب السوري، لافتًا إلى أن الشعب السوري مهمش، ولا يستطيع ممارسة السياسة أو الانتماء إلى أي حزب، حسب تعبيره.

وقال: “علينا الآن، عند البحث عن نظام الحكم الملائم لسورية، أن نفكر في كيفية تعزيز الهوية الوطنية السورية والانتماء، وكيفية تعزيز قدر أكبر من المشاركة، وهذا الأمر يؤدي إلى التفكير في نظام انتخابي جيد وملائم، وأنا هنا أرى أن النظام البرلماني قد يحقق أكبر قدر ممكن للمشاركة، وبالتالي سيتمكن الناس من التعبير عن إرادتهم ورغبتهم بشكل أسهل”.

ورأى أن “النظام الرئاسي يعيد الشعب السوري بالذاكرة إلى الدكتاتورية والإقصاء، على حين أن النظام البرلماني، على قصر عمره في تاريخ الشعب السوري، يذكّرهم بالعصر الذهبي، ويذكرهم بالبرلمان والحياة البرلمانية”. وأشار إلى أن الضمان الأساسي لتطبيق الدستور وتنفيذ القانون وتفعيل المؤسسات، في الحالة السورية الراهنة الخارجة من حرب عمرها 10 سنوات، هو تفعيل دور المواطنين وإعطاؤهم الفرصة وإشراكهم، وعندما يتم هذا الأمر، سيكون هناك شيء من التوازن.

وختم كدو بالقول إن “النظام البرلماني” يبقى هو الأفضل الذي يحقق نوعًا من التزامن ونوعًا من الشراكة، مؤكدًا أن “ثقته بصناديق الاقتراع كبيرة، وقد نجح الناس من خلالها في إيصال أصواتهم إلى البرلمان”.