عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، يوم الثلاثاء 21 أيلول/ سبتمبر 2021، الساعة السابعة مساءً بتوقيت دمشق، ندوة بعنوان نظام الأسد بين متغيرات السياسة وثوابت الإدانات الحقوقية، شارك فيها كلّ من السياسي والحقوقي أيمن أبو هاشم؛ والمحامية والكاتبة ربا الحمود؛ ورئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني؛ وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

تناولت الندوة متغيرات السياسة الدولية تجاه نظام الأسد، ومحاولات إعادة تعويمه دوليًا، والمحاولات التي تجري لاستعادته مقعد سورية في جامعة الدول العربية، مقابل استمرار إداناته -دوليًا وأمميًا- بمواصلة انتهاكات حقوق الإنسان في سورية، وبجرائم القتل تحت التعذيب والإخفاء القسري، بالرغم من خفوت صوت المعارك، ومن جرائمه المستجدة الواقعة على اللاجئين العائدين، والتي أدانتها تقارير حقوقية دولية وأممية، أخيرًا.

في بداية الندوة، رأى أيمن أبو هاشم أن المطالبة بالتطبيع وإعادة تعويم نظام الأسد، بعد مرور عقد من الزمن على انطلاق الحرب السورية، بالرغم من استمراره في ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين وخاصة المعتقلين منهم، هي “مفارقة صارخة، تم اكتشافها خلال تجربة العشر سنوات من الثورة السورية”.

وأضاف أن “هذه المفارقة تعكس هذه الفجوة الواسعة، سياسيًا وأخلاقيًا، ما بين مطالب الشعب السوري المحقة بالتغيير السياسي ونيل الحرية والكرامة، وما بين مجتمع دولي يقوم اليوم على علاقات ومصالح، لا مكان فيها لحقوق الشعوب وللدفاع عن وجودها ومشاريعها بالتغيير والحرية”.

واعتبر أن هذا الأمر يشكّل وصمة عار للبشرية، “لأنه لم يكن هناك تصرفات سياسية بالنسبة للدول ترقى لمعاناة الشعب السوري، وفي المحصّلة، نشاهد أنه كلما توغل النظام في انتهاكاته وارتكاب الجرائم بحق الشعب السوري؛ جرى تعويمه”.

وأكد أبو هاشم أنه “بالرغم من كل التوثيقات ولجان التحقيق وتقصي الحقائق، وكل الجهود التي تبذلها منظمات محلية ودولية حاولت أن تقدّم رواية الشعب السوري الذي تعرض لكل صنوف الانتهاكات للرأي العام السوري أو للرأي العام الدولي، فإن الاستجابة السياسية الدولية بقيت أدنى من الحدود، وبدأ السوريون اليوم يشعرون بحالة من اليأس والإحباط، وبالتالي فإن الأداء السياسي الدولي لم يؤد إلا إلى أبواب موصدة”.

ومضى قائلًا إن “هذا الصمت الدولي والتواطؤ مع جرائم النظام اتضح أكثر مع مرور الوقت بعد انطلاقة الثورة السورية، فمع بداية الثورة كانت هناك آمال عريضة بأننا نحن اليوم في عصر الحريات وعصر الاهتمام بالإنسان وبحقوق الفرد، وكان السوريون لديهم آمال بأن المجتمع الدولي لن يقبل بأن يستفرد النظام بالشعب السوري بطريقة وحشية، وأنه لا بدّ أن يكون لدى هذا المجتمع آليات ووسائل ضغط سياسية وحتى عسكرية”.

وتطرق أبو هاشم، في سياق حديثه، إلى المعارضة السياسية السورية التي راهنت على تدخل خارجي، منذ بداية الثورة السورية، وراهنت أيضًا على أن هناك قوى دولية ستتدخل، كما حصل في التجربة العراقية عام 2003، وقال “برأيي، إن ذلك كان قصور نظر، لأنه لم يكن لديها فهم عميق لطبيعة ارتباط هذا النظام، وأن لهذا النظام أدوارًا وظيفية كبيرة، جزء منها المتاجرة بالورقة الفلسطينية”.

وزاد قائلًا إنه “لم يكن لدى المعارضة تصورٌ بأن المجتمع الدولي سيضع مصالحه وحساباته فوق كل هذه الاعتبارات، وقد لاحظنا في الفترات المتعاقبة التي حدثت خلال محطات الثورة أن المشهد بدا أكثر وضوحًا، خاصة بعد أن أصبح التدخل الدولي لصالح تمييع فكرة الثورة وحرفها عن مسارها ومشروعها، ولفرض إملاءات على العمل العسكري، وكان من الواضح أن الهدف هو إبعاد مضمون فكرة التحرر للثورة السورية، وتم إظهار الثورة في بعض الأحيان على أنها حرب أهلية أو صراع طوائف أو مذاهب في سورية، ولو كان هناك إدراك لطبيعة هذا النظام ولكيفية إدارة الصراع معه، لكنّا تمكنا من حماية الشعب السوري، ولكان بالإمكان -رغم المصالح السياسية للدول- أن يكون لدينا مقاربة ذاتية سورية ننطلق بها للدفاع عن مشروع التغيير الوطني في سورية”.

وتناولت الندوة كذلك الانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري بحق اللاجئين الفلسطينيين السوريين، والأسباب التي تقف وراء غياب الاهتمام الدولي بهذا الملف.

وأوضح أبو هاشم أن استهداف النظام للفلسطينيين السوريين يأتي لتوظيفات سياسية، وقد بدأ ذلك قبل الثورة السورية وبعد انطلاقتها. وأضاف أن “الانتهاكات التي يمارسها النظام السوري في زمن بشار الأسد، بحق الفلسطينيين السوريين، اقترنت بالنسبة للنظام بكيفية تقديم رسائل للإسرائيليين وحلفائه بأن لديه القدرة على البطش والتنكيل بالفلسطينيين، وصولًا إلى تصفية وجودهم في سورية، وقد بلغ النظام أشواطًا طويلة في هذا الإطار، ومنذ بداية الثورة حتى الآن، هناك 200 ألف لاجئ فلسطيني، من أصل 600 ألف لاجئ فلسطيني كانوا في سورية عام 2011، أصبحوا الآن خارج الحدود، و70% من اللاجئين الفلسطينيين نازحون داخليًا، و12 ألف فلسطيني دخلوا الفروع الأمنية للاستجواب، منهم 1800 مختف قسرًا، وهناك 300 شخص مفقود ومصيره ومجهول، و1100 امرأة فلسطينية في سجون النظام، ومنهن محتجزات مع أطفالهن”.

وأرجع أبو هاشم سبب عدم تسليط المجتمع الدولي الضوء على تلك الانتهاكات، إضافة إلى غياب أي موقف واضح ضد النظام نصرة للفلسطينيين، إلى أن “غالبية الفصائل الفلسطينية موالية للنظام، وغالبيتها شاركت في التغطية على جرائم النظام”، إضافة إلى وجود أطراف دولية أخرى كانت تقدّم الدعم للمعارضة السورية، وفي الوقت نفسه “كانت تريد التعتيم وتجهيل الملف الفلسطيني خدمة لإسرائيل”، وأيضًا، كان هناك “مجموعة قوى كانت تريد إنهاء الملف وتهجير الفلسطينيين وحرمانهم من حقهم حتى بالعودة إلى سورية، لكن في المقابل هناك منظمات دولية حاولت تقديم الحقائق والتنسيق مع الجهات الحقوقية الفلسطينية، ومن هنا فإنه لا يمكن فصل ملف المعتقلين الفلسطينيين عن ملف المعتقلين السوريين”.

وسلّطت الندوة الضوء على التقارير الدولية الصادرة عن منظمة العفو الدولية، وعن لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسورية، التي تحدثت عن جرائم نظام الأسد، وعن سورية التي تعدّ مكانًا غير آمن لعودة اللاجئين السوريين، وبالرغم من كل هذه التقارير، فإن هناك من يطالب بعودة اللاجئين إلى هذا المكان “الخطر”.

وحول ذلك، قال فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن “الخطاب الحقوقي لم يتغير مع النظام، لكنّ الخطاب السياسي لم يَستثمر الخطاب الحقوقي والإنساني ولا أي تقارير صادرة أخيرًا عن منظمة العفو الدولية وعن لجنة التحقيق الدولية بخصوص سورية”. وأضاف أن الخطاب الصادر من العفو الدولية وتوصيف النظام السوري بأشد العبارات الحقوقية والقانونية، يشير إلى أن النظام ما زال يرتكب الجرائم والانتهاكات الفظيعة، وأن مناطق النظام غير آمنة، في حين أن تقرير لجنة التحقيق أشار إلى أن سورية كلها غير آمنة، وأن انتهاكات النظام ليست القصف فقط أو التشريد، بل هو يمارس انتهاكات من أنماط أخرى، وهذه الانتهاكات ما تزال مستمرة، وتعتبر أنها سياسة منهجية لدى النظام وليست حالات فردية.

ولفت عبد الغني النظر إلى أن المشكلة اليوم “هي مع الدول غير الديمقراطية والدكتاتورية، التي لا تكترث بسمعتها أو بهذه التقارير الدولية، والتي تلجأ إلى إعادة اللاجئين، ولا تأخذ بهذه التقارير”. وذكر أن كل المنظمات الحقوقية وكل الصحفيين حول العالم، ينظرون اليوم إلى النظام السوري، الذي يمارس التعذيب والقتل حتى في أيام السلم وتوقف العمليات القتالية، باحتقار وازدراء شديد، فالتعذيب عند النظام لا حدود له، وهو مفتوح وممتد إلى ما لا نهاية، بمعنى أن المعتقل لدى سجون النظام يشعر بأن حالة التعذيب مرافقة له طوال فترة اعتقاله، ولا يوجد أي معتقل لدى النظام لم يتعرض للتعذيب.

وبيّن أن هناك 141 ألف معتقل اليوم في سجون النظام، جميعهم يتعرضون للتعذيب بشكل مستمر، “ولا يوجد أي سبب يدعونا للاعتقاد بأن النظام أوقف عمليات التعذيب، بل هو أمر مستمر ومستدام، وهذا الأمر يمكن وصفه بأنه نوع من التشفي السادي”.

كما تناولت الندوة الأسباب التي تدفع بعض اللاجئين السوريين في دول اللجوء إلى العودة إلى مناطق النظام السوري، بالرغم من كل التقارير الدولية حول الانتهاكات والاوضاع الاقتصادية الصعبة.

وتعقيبًا على ذلك، أوضحت ربا الحمود أن هناك من يعود، ولديه بصيص أمل بالكشف عن مصير معتقل أو مغيب لدى سجون النظام، وهناك من يعود لأسباب مالية وللتحقق من الأملاك ووجود “التركة” ومبلغ مالي ما، وأشارت إلى أن كثيرين انخدعوا بتسهيلات العودة إلى سورية، وكانت هذه التسهيلات عبارة عن “فخ” وقعوا فيه، وذكرت أن هناك شريحة أخرى من الموالين أو الحيادين أو من هم خارج كل هذه الأحداث، استفادت من اللجوء على موجب بطاقة الهوية السورية، وهؤلاء بإمكانهم الذهاب والعودة إلى سورية، ولا يوجد لديهم مشاكل أمنية مع النظام.

وفي ردّ على سؤال يتعلق بالوسائل المتاحة أو الأدوات لدى المعارضة السورية أو المنظمات الحقوقية أو منظمات المجتمع مدني للضغط على الدول للالتزام بحماية اللاجئين السوريين وعدم إجبارهم على العودة إلى سورية، أجابت “الحمود” أن الأداة الوحيدة في ظل تشرذم المعارضة هي التوعية، وبخاصة توعية الأشخاص البسطاء الذين يقعون ضحايا الابتزاز. وذكرت أن الأداة الأخرى هي “أن يكون هناك مرجعية واحدة للمعارضة، تمثل اللاجئين السوريين، وتكون على مستوى عال من الثقة بالنسبة لهم”. وأضافت أن “الأدوات موجودة، ولكن لا يوجد أطراف قادرة على الاستفادة من هذه الأدوات، وعلى استهداف الأشخاص البسطاء الذين فقدوا الثقة بوجود معارضة حقيقية”.

وختمت بالقول “نحن بحاجة إلى تعزيز الثقة بهيئة في المعارضة السورية، لكي يشعر السوريون جميعًا بأن هذا المكان هو المكان الآمن لأي مشكلة، ولكن هذا الأمر مع الأسف حتى الآن غير موجود”.