عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوة بعنوان “نحو مواطنة متساوية في سورية الجديدة”، شارك فيها كلّ من المحامي عيسى إبراهيم؛ والباحث والسياسي مضر الدبس؛ والكاتبة والباحثة لمى قنوت، وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

تطرّقت الندوة إلى أهمية المواطنة المتساوية، ومدى حاجة سورية والسوريين إليها، في ظل وجود تنوّع غنيّ في نسيج المجتمع السوري، والحالة المتقدمة من التمزق المجتمعي، بعد الحرب المأساوية وبعد عقود خمسة من حكم شمولي دمّر مرتكزات المواطنة.

وناقشت الندوة الأمور التي يجب فعلها لتأسيس وتعزيز وترسيخ مفهوم ومبادئ وقيم المواطنة في سورية الجديدة، على صعيد العدالة الانتقالية، واستعادة الثقة بين السوريين، والاعتراف المتبادل، وتعزيز قيم التسامح، والنص الدستوري والقوانين، وإحياء المجتمع المدني والحياة السياسية والتربية والتعليم وغير ذلك. وتطرقت إلى العقبات التي ينتظرها السوريون حيال ذلك، وإلى كيفية التعامل معها.

استهل المشاركون الندوة بتقديم تعريفات مختلفة عن “المواطنة”، وقالت لمى قنوت: إن “المواطنة هي حق المشاركة الحرة لأفراد مسؤولين ومتساويين، ويشمل ذلك مبادئ المواطنة بالمسؤولية والتشاركية والحرية والمساواة، وأيّ اختلال لأيّ من هذه المبادئ يعني مواطنة منقوصة”.

أمّا عيسى إبراهيم، فعرّف “المواطنة” بأنها “آخر ما توصل إليه علم الاجتماع وعلم السياسة والقانون والاقتصاد في إدارة المجتمعات ذات التنوع، في منطقةٍ محددة يطلق عليها الوطن، تقوم بتأمين الحقوق والواجبات بمعزل عن الانتماءات الفرعية، وباعتبار أن الحق والواجب هو حقّ وواجب قانوني للأفراد”.

وعرّف مضر الدبس “المواطنة” بأنها “أسلوب ابتكره الإنسان لكي يكون أقرب إلى إنسانيته، ولكي يكون كائنًا اجتماعيًا قادرًا على ممارسة الحرية”. وأضاف أن “أفضل وسيلة لممارسة فن الحرية هي مفهوم المواطنة، وما دام الإنسان قادرًا على التفكير بحرية، فمفهوم المواطنة حاضر باستمرار”.

وتناولت الندوة في أحد محاورها الخطوات الأولى اللازمة لتأسيس وترسيخ مفهوم ومبادئ “المواطنة” في سورية الجديدة.

وفي هذا الصدد، أوضحت قنوت أن “سورية تعاني حالة فوضى دلالية لمصطلح المواطنة، قد تكون ناتجة عن عدم معرفة أو جهل أو عن مكر، بمعنى أن هناك من يسوق كلمة المواطنة في أدبياته، كحزب سياسي أو كقوى سياسية، لكنه ليس مع المساواة بين الرجل والمرأة”. وأشارت إلى النص الدستوري والقوانين التي تكفل “المواطنة” وتعزز هذا المفهوم، ولا سيما القوانين والمواد المتعلقة بالمرأة وتمكينها.

وفي السياق ذاته، لفت عيسى إبراهيم النظر إلى أن النص الدستوري وحده لا يكفل مفهوم “المواطنة”، وقال “النص الدستوري هو تجلٍّ من تجليات السردية الثقافية المجتمعية للسوريين، وبالتالي هنا الصعوبة في إدارة المجتمع السوري وفي إيجاد مفهوم المواطنة”.

وتابع إبراهيم: “أقصد بالسردية الثقافية مناحي التفكير والأدب والفن والتاريخ والروايات، التي تعتمد الثقافة الرعوية أي ثقافة الرعايا (الأب والرعية)، وبالتالي نحن أمام سردية مختلفة، وأيضًا هذه السردية لديها جوانب متعلقة بأنها مؤدلجة، ولديها جوانب متعلقة بالكراهية وبالتمييز وبكل العوامل التي تجعل مفهوم المواطنة بعيدًا عنها”.

وأضاف: “إذا لم يكن التغيير السياسي مدخلًا لتغيير هذه السردية، فلن نصل أبدًا إلى وجود مواطنة محمية بالدستور، وإنْ نصّ الدستور عليها أن تكون محترمة”.

وفي هذا الجانب، اعتبر مضر الدبس أن “المطلوب هو بناء قابلية المواطنة والديمقراطية وقابلية الحرية، وأن يكون لدينا نظرية اجتماع سياسي خاصة بنّا، وبالتالي المواطنة إذا فُرضت كأيديولوجية فستفشل، ومن هنا، فإن الحل هو ابتكار مقارنة للمواطنة تناسب المجتمع السوري، وهذا يبدأ بتأميم الحياة السياسية السورية”.

وفي ردٍّ على سؤال “هل يتعارض الدين مع مفهوم المواطنة؟”، أجابت لمى قنوت بأن “الدين يتعارض مع مفهوم المواطنة، لأن لكل رجل دين أو فقيه نصّ أو رؤية يستند إليها، وبالتالي هناك منظومة حقوق إنسان عالمية كونية من الممكن الاستناد إليها”. وأشارت إلى أنه “لا يمكن تحقيق المواطنة، ما دامت في نص دستوري، أو إن لم تكن الدولة علمانية”.

وحول ما يتم الحديث عنه بأن سورية والسوريين يفتقرون إلى “ثقافة المواطنة”، أوضحت قنوت أن السوريين عندما خرجوا بتظاهرات في كل أنحاء سورية، خرجوا للتعبير عن “مواطنيتهم”، وأضافت: “نحن نعيش مواطنة منقوصة، لكننا نمارس العمل العام ونمارس احتجاجاتنا ونَقدنا، لأننا نشعر بمواطنيتنا ونمارس هذا الحق، لكنّ المواطنة منقوصة، وهي كذلك بالطبع لوجود الاستبداد وعدة قضايا أخرى”.

وفي سياق الفكرة ذاتها، قال عيسى إبراهيم: إن المواطنة ستكون منقوصة حتمًا، إن لم تكن الدولة علمانية، “فمشكلتنا في سورية هي عدم تحييد الدين عن الدولة، ووجود خليط من الثقافة الأيديولوجية الدينية والحزبية والقومية والعائلية والفردية تخضع لمصلحة مافيا تحكمها وتحتل السلطة وتحتل عبرها الدولة، وبالتالي الحل يكون باعتبار الدولة جهازًا إداريًا محايدًا يتيح للمواطنين الحصول على حقوقهم وامتيازاتهم وفق الأصول”.

ومضى قائلًا: “مشكلتنا ليست مع الدين، بل مشكلتنا أن هناك أشخاصًا يمتطون الدين، كما أن هناك أشخاصًا يمتطون الوطن من أجل تحقيق مصالح فردية بحجة شعارات عامة”. وأضاف: “عندما نتحدث عن سورية المستقبل، يجب أن ندرك أن حلّ المشاكل يبدأ بوضع يدنا على ما لدينا من مشاكل، فلدينا: تفكير ما قبل الدولة، مفهوم الأب والرعية، مفهوم الحق والواجب الأخلاقي، لذا لا بدّ من البدء بنقطة ما، وهذه النقطة يجب أن نراها في الواقع”.

وفي ختام الندوة، أشار مضر الدبس إلى أن السوريين عملوا خلال السنوات العشر الماضية على التأسيس لبرامج ومشاريع وأبحاث تعالج القضايا الإشكالية: التهميش، والعنف، والتمييز، وخطاب الكراهية، والإقصاء، للوصول إلى سورية دولة المواطنة والمساواة وربما العلمانية.

وقال موضحًا إن “هناك الكثير من التجارب المهمة التي عمل عليها السوريون، لكن كل هذا العمل لم يرق إلى طموح السوري وإلى طموح الثورة، ولم تكن قادرة على محاربة خيبة الأمل التي يشعر بها السوريون كلهم، والسبب هو امتلاك المنهجية نفسها، أي ما زلنا نفكر بطريقة أيديولوجية لا تنتمي إلى روح الثورة”.

وتابع: “بتقديري، النخبة السياسية والفكرية التي تنتمي إلى ما بعد 2011 لم ينجزها السوريون بعد، وإلى حينه علينا أن نبقي مفهوم النخبة مفهومًا معلقًا، لذلك نَحتُ منهجية جديدة تنتمي إلى هذا السوري، بدلالة الثورة وبدلالة الروح الجديدة التعديدية في سورية، هو الأمر المهم الذي من الممكن أن يؤدي إلى تجربة سورية مختلفة”.