عقد المنتدى الثقافي العربي في إسطنبول، التابع لمركز حرمون للدراسات المعاصرة، السبت 15 شباط/ فبراير 2020، ندوةً حوارية سياسية بعنوان (الموجة الثانية للربيع العربي – العراق ولبنان نموذجًا)، بمشاركة باحثين مختصين من لبنان والعراق.

في بداية الندوة، تحدث سمير سعيفان، مدير مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عن الفكرة الأساسية من مناقشة الموجة الثانية من الربيع العربي، ودلالات استمرارية هذه الثورات، بالرغم من القمع والعنف الذي واجهته ثورات سورية وليبيا واليمن، والذي يدل على وجود جذور عميقة لهذا الحراك الذي انطلق عام 2011، وأنه ليس نتيجة مؤامرات خارجية، كما حاول أن يسوّق البعض.

وتحدث الإعلامي والمحلل السياسي محمود علوش، في بداية الندوة، عن أسباب الانتفاضة في لبنان، والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي رافقتها، وكيف تطورت من حركة عفوية سببها الرسوم التي اقترحتها الحكومة اللبنانية على الخدمة الصوتية لتطبيق (واتساب) للهواتف الذكية، إلى احتجاجات تطالب بإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، بمعنى التحول من المطالب الاقتصادية إلى المطالب السياسية، لافتًا إلى أنها المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن الإصلاح السياسي في الشارع اللبناني، إذ إن الاحتجاجات في لبنان كشفت ضعف الهيمنة الحزبية على الشارع في لبنان، واستطاع المحتجون تشكيل هوية وطنية لبنانية جديدة بعيدة عن المحاصصة الطائفية وسطوة الزعامات السياسية.

وتطرق علوش إلى البعد الخارجي للأزمة في لبنان المتمثل بمحورين: الأول التوازن السعودي-السوري، متمثلًا بسيطرة سورية على المشهد السياسي والأمني في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، إضافة إلى الدور السعودي عبر القطاع الاقتصادي. والمحور الثاني هو التنافس السعودي-الإيراني الذي أنتج حالة من عدم الاستقرار السياسي في لبنان، إضافة إلى تراجع الدعم الاقتصادي السعودي، وهذا بدوره أدى إلى بروز أزمة اقتصادية.

واختتم علوش مداخلته بالحديث عن أوجه التشابه بين الاحتجاجات في لبنان والعراق، والمتمثلة بتركيبة النظام السياسي الذي يعتمد الطائفية في توزيع المناصب الكبرى، والهيمنة الإيرانية على لبنان والعراق، من خلال ميليشيا “حزب الله” في لبنان وميليشيا “الحشد الشعبي” في العراق، إضافة إلى الفساد الاقتصادي.

ومن لبنان أيضًا، تحدثت سارة الشيخ علي، المديرة التنفيذية لمنظمة هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية، عن تضييق مساحة الحرية وحق التعبير منذ وصول ميشيل عون للحكم، والعنف الذي واجهه المحتجون اللبنانيون من قبل المجموعات الحزبية، الأمر الذي طرح إشكالية جديدة حول مدى استقلالية القوى الأمنية اللبنانية، وتفاعلها مع التظاهرات بناء على انتمائهم السياسي.

وتحدثت الشيخ علي أيضًا عن واقع المشاركة النسائية في الاحتجاجات اللبنانية وأبعادها قائلة: “كانت المرأة اللبنانية في مقدمة الحراك الثوري، وقدّمت خطابات حقوقية وسياسية ناضجة، وسبب ذلك وجود هامش حرية في لبنان سمح بأن تكون النساء فاعلات أكثر، والسبب الأهم أن المرأة اللبنانية غير ممثلة سياسيًا، بسبب نظام المحاصصة الطائفية، والسيدات اللواتي وصلن إلى مناصب كن تابعات أو مقربات من أحزاب وشخصيات سياسية نافذة، وبذلك فإن هذا التمثيل كان شكليًا فقط”.

وأضافت: “وجود النساء في مقدمة الاحتجاجات والحياة السياسية ليس فقط في لبنان، وإنما في مختلف الدول الأخرى كسورية والعراق وليبيا وتونس واليمن، ليس أمرًا غريبًا، ففي عام 1921 كانت هدى شعراوي في مصر واحدة من أعضاء الوفد الذي اختير لمقابلة المفوض السامي. المشكلة أن الأنظمة الحاكمة مبنية على قوانين تمييزية تحد من وجود النساء في العمل السياسي، ولا تؤمّن مساحة آمنة لعملهم”.

في الجزء الثاني من الندوة، تحدث الدكتور زيد الأعظمي من العراق، عن واقع احتجاجات العراق، ولماذا خرجت هذه الموجة الثانية أساسًا، وإلى أي درجة هناك تجدد في دوافع ومحركات جديدة تختلف عن تلك التي أخرجت الموجة الأولى. وقال: “يُلاحظ في شكل الشعارات والهتافات التي يرفعها المتظاهرون، في مدن الربيع العربي الجديد، أن هناك حالة وعي واضحة وتحول فكري في أهداف ومطالب الثورات الجديدة، نحو أن تكون أكثر موضوعية وعمقًا في تقديم الحلول الاستراتيجية، فقد تجاوز المتظاهرون مطالب إسقاط النظام ورأسه إلى مطالب أكثر حيوية تتعلق بدواخل النظام السياسي والدولة العميقة التي تقف خلف إفشال الربيع العربي في موجته الأولى، أو في شنها ثورة مضادة وهدم تحولات التغيير كما في الحالة المصرية”.

وتابع: “إن تقديم مشروع سياسي منتظم كفيل بعدم نشوب موجة ثالثة، كنتاج طبيعي لفشل متوقع للثانية، لأن المشروع السياسي الذي يتبنى فكرة التظاهرات وأهدافها يمكنه في غضون سنوات الوصول إلى الدولة العميقة التي تقف خلف إجهاض كل ثورات التغيير، ومحاولة استئصال استحواذها على مراكز قوى الدولة الأمنية والاقتصادية والسياسية، ورؤية كهذه تحتاج إلى نفَس طويل وإلى ضعف المدة التي احتاجت إليها الدولة العميقة لتؤسس البقاء لنفسها، فعملية الهدم لبنيانها ليس سهلة، إذ لا يمكن أن تتم إلا من الداخل، ولنا في ذلك شواهد كثيرة عبر تاريخ الثورات في حياة الشعوب”.

ومن العراق أيضًا، قدّم نظير الكندوري، باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية، توضيحًا لملابسات الاحتجاجات في العراق التي ربما قد تكون غير مفهومة للمتابع العربي، على حد وصفه، إضافة إلى حديث عن ما يميز الانتفاضة في العراق عن غيرها من الانتفاضات في الدول العربية الأخرى، وما هو أثر غياب القيادة السياسية في تأخير تحقيقها لأهدافها. وقال: “إن انتفاضة تشرين كانت مختلفة عما سبقها من انتفاضات، وكل انتفاضة لديها محركات تدفع الناس للخروج إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم، لكن هناك خصوصية معينة للانتفاضة العراقية، وقد يتساءل كثيرون عن أسباب تأخرها، وهذا يعود لأمور متعلقة بالشأن العراقي، أهمّها أن العراق حاليًا -بوضعه السياسي والاجتماعي- يعيش مفرزات الاحتلال الأميركي الذي حصل عام 2003، إضافة إلى الاحتلال الإيراني للبلد بعد أن تقلصت القبضة الأميركية واستبدلت بالقبضة الإيرانية، المتمثلة بالأحزاب والميليشيات المسيطرة على العراق، وانطلاقًا من تأثير الاحتلالين الأميركي والعراقي، ظهرت حالة جديدة لم يعرفها الشعب العراقي من قبل، وهي الانقسام الطائفي، وكانت أبرز صوره عندما قام المكون العربي السني برفع راية المقاومة للاحتلال الأميركي بمفرده، وهذا الأمر كان له تأثير كبير، حيث إن المناطق العربية السنية في العراق تحوّلت إلى ساحة حرب كبرى، وتم تدميرها بشكل كبير”.

وأضاف: “لقد شهدت الاحتجاجات في العراق تطورًا نوعيًا، حيث لم نعد نشاهد مطالبات بحقوق معيشية وخدمية فقط، بل تطورت لتطالب بتغيير النظام السياسي برمته، لأن نقص الخدمات وسوء المعيشة ليس سببه قلة موارد البلد، لأن العراق بلد غني بموارد الطبيعية ولديه كفاءات بشرية، لكن فساد النظام هو الذي أدى إلى انعدام الخدمات وتدهور الاقتصاد، فهناك شريحة كبيرة من العراقيين تعيش تحت خط الفقر، وهذا يعود لأسباب سياسية لا اقتصادية. لقد أدرك المكون الشيعي تحديدًا كونه يعتبر الحاضنة الشعبية لأحزاب السلطة الحالية، أن المشكلة ليست اقتصادية، وليست حرب ضد تنظيم (داعش) أو تنظيم القاعدة، وإنما المشكلة في النظام السياسي الحاكم، لذلك جاءت انتفاضة تشرين الحالية لتضرب البنية الفكرية للنظام العراقي الحالي”.

وأعرب الكندوري عن أهمية هذه الندوة، كونها تسلط الضوء على الاحتجاجات العراقية التي تعاني من تعتيم إعلامي ربما بسبب النفوذ الأميركي والإيراني الذي يجعل كثيرًا من الوسائل الإعلامية العربية أو الدولية، تحجم عن تغطية هذه الاحتجاجات، لذلك عقد مثل هذه الندوات، سواء في إسطنبول أو غيرها من عواصم العالم، سيكون مساهمة فاعلة للفت النظر إلى ما يحدث في العراق، وكسب تعاطف مع هؤلاء الشباب المتظاهرين، لأنهم يعانون حالة تهميش كبيرة”.

تلا الندوة نقاش مفتوح مطوّل بين الحضور والباحثين المشاركين.