عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة عبر البث المباشر، الخميس 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ندوة بعنوان: (فرنسا بين مسلميها و” إسلامها المأزوم)، شارك فيها فرنسوا بورغا، آلان غريش وسلام كواكبي، وأدارها بدرالدين عرودكي.

سلطت الندوة الضوء على العاصفة التي أثارتها التصريحات الحكومية الفرنسية حول “ترسيخ مبادئ الجمهورية العلمانية ومقاومة الانفصالية الإسلاموية”، بدءًا بتلك التي صدرت عن رئيس الجمهورية حول “الإسلام المأزوم” في العالم، وأثارت ردود فعل شعبية قاسية في العالمين العربي والإسلامي، حيث فُسِّر دفاعه عن مبدأ حرية التعبير في فرنسا وكأنه دفاع عن الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للإسلام، ما أدى إلى خلط -شارك فيه مسؤولون ووسائل إعلام وسياسيون- بين “الإسلاموية” و”الإسلام السياسي” و”الإسلام المأزوم” حسب تعبير الرئيس ماكرون.

افتُتحت الندوة بالحديث عن الجدل الذي أثير خلال الشهرين الماضيين بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مشروع قانون مكافحة النزعات الانفصالية، وبشكل خاص “الانفصالية الإسلامية”، من أجل ترسيخ مبادئ وقيم الجمهورية في فرنسا، وتداعيات جريمة قتل أستاذ التاريخ الفرنسي  المروعة والبشعة  التي أثارت الكثير من الانتقادات والعداوات والتعليقات غير العقلانية سواء من جانب الحكومة الفرنسية أو من قبل وسائل الإعلام ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي في فرنسا والوطن العربي.

وتحدث فرنسوا بورغا عن الأجواء السائدة في فرنسا على خلفية هذه الأحداث التي حصلت مؤخرًا، وذكر أن ما حدث يندرج ضمن سياق سياسي وفي إطار استعداد الرئيس الفرنسي واليمين المتشدد لخوض الانتخابات الرئاسية التي ستجري سنة 2022، مشيرًا إلى أن السياسات الاقتصادية الليبرالية التي اتبعها الرئيس ماكرون، بالإضافة إلى أزمة السترات الصفراء التي اندلعت على إثر إعلان الحكومة الفرنسية زيادة الضرائب على الوقود، أدت إلى تخلي اليسار الوسطي عن الرئيس ماكرون، رغم انتخابه له عام 2017. وبيّن بورغا أن ماكرون يدرك أن نجاحه في الانتخابات الرئاسية القادمة يتوقف على استقطاب الناخبين من اليمين واليمين المتشدد، ما دفعه لتوظيف ورقة التشدد السياسي والإسلاموفوبيا من أجل ضمان نجاحه في الانتخابات، مستغلًا حادثة مقتل أستاذ التاريخ الفرنسي، وبدلًا من أن يقول في خطابه في السوربون  لمناسبة جنازة أستاذ التاريخ القتيل: “اسمحوا لي أيها الأصدقاء المسلمون، نحن في فرنسا لا أستطيع، وليس من حقي أن أمنع مثل هذه الرسوم الكاريكاتيرية، بل قال نحن ، أنا رئيس الدولة، سوف نستمر في نشر مثل هذه الرسوم الكاريكاتيرية “..الأمر الذي أحدث ردود فعل غاضبة في العالم العربي والإسلامي. وأضاف: “للمرة الأولى في تاريخ فرنسا المعاصر يصبح الخطاب المعارض والعنيف والعنصري ضد المسلمين، خطابًا رسميًا للدولة. في الماضي كان خطاب الدولة يركز على الهامش الراديكالي والمتشدد والسلفي للمسلمين، لكن الخطاب الحالي الآن يعمّم حالة التشدد على 95 بالمئة من المسلمين، ويُحمّلهم مسؤولية الإرهاب”.

من جانبه، قال آلان غريش إن الاتجاه نحو تشكيل دولة استبدادية ونظام استبدادي ليس وليد الأمس، وأنه بدأ مع بدء الحرب العالمية ضد الإرهاب، ليس فقط تجاه المسلمين، بل ضد أي مظاهرات أو حركات احتجاجية شعبية ضد سياسة الحكومة، لافتًا إلى أن الهدف من وراء سن قوانين لمكافحة الإرهاب، هو تقييد حرية التعبير والرأي، مدلّلًا على ذلك بالعنف الذي تمارسه الشرطة الفرنسية ضد أي شخص يحتج ويتظاهر، وأصبح العنف يُمارس ضد الجميع دون تمييز. كما أشار غريش إلى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا أو رهاب الإسلام موجودة منذ أكثر من عشرين عامًا، وبدأت مع تيار اليمين المتطرف، أما حاليًا فلم يعد هناك فرق بين الخطاب اليميني المتطرف وخطاب معظم القوى السياسية والمسؤولين السياسيين. وأضاف: “هناك تناقض كبير في خطاب الحكومة الفرنسية الذي يدعم الحريات وحق التعبير، لكنه في الوقت ذاته يتجه للخروج من حكم القانون، وتحميل فئات معينة مسؤولية الإرهاب. نحن حاليًا في مرحلة حرجة، إذ لم يعد الصراع دائرًا بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف، بل تحول إلى صراع بين جزء من صغير المجتمع ومنظمات حقوق الإنسان وبعض القوى السياسية اليسارية، وبين معظم القوى السياسية ووسائل الإعلام التي تلعب دورًا سيئًا في هذه المرحلة”.

بدوره، أوضح سلام كواكبي أن المشكلة الأساسية تكمن في تنميط جميع المسلمين ضمن الخطاب اليميني العنصري، وفي تكرار مفاهيم كالعنصرية والاقصائية بشكل كبير على ألسنة مسؤولين وسياسيين فرنسيين، وتبنّيهم للخطاب المتشدد. من جانب آخر، أشار كواكبي إلى وجود تقصير وأخطاء كبيرة من قبل بعض الشخصيات والهيئات الإسلامية المنخرطة في العمل المدني، من ناحية التصريحات والخطابات التي يطلقها البعض، التي تحمل بين ثناياها الكثير من المعاني السيئة والمشجعة على العنف، مؤكدًا أنهم يتحملون جزءًا كبيرًا من التأجيج الحاصل. وأضاف: “من ناحية أخرى، تعيش دولة القانون في مرحلة خطيرة حاليًا، إذ لم يعد الفرد يُعاقب على ما ارتكبه، بل يُعاقب على عدم تنديده بما اقترفه الآخرون، وهذه سابقة جديدة وخطيرة، ولا يجوز استخدام العقوبات من أجل إرسال رسائل تحذيرية للآخرين، لذا الموضوع متشابك ومعقد جدًا”. وتحدث كواكبي عن وجود ما أسماه بـ “عرب الخدمة” وهم فئة قليلة من العرب محدودي الثقافة والعلم، تقوم وسائل الإعلام اليمينة المتطرفة والحكومة الفرنسية باستغلالهم، من أجل تصدير صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين.

تطرقت الندوة إلى مسألة تغييب وسائل الإعلام الفرنسية المختصين في الإسلام سواء كانوا علماء اجتماع أو مؤرخين أو سياسيين، وعدم دعوتهم لمناقشة ومواجهة من يتصدرون المنابر الإعلامية من الجهلاء الذين لا يفقهون بالإسلام وتاريخه، ويخلطون بين الإسلام والسلفية والإسلام السياسي، إلى جانب مشكلة عدم توحد المسلمين المتواجدين في فرنسا ضمن جبهة واحدة ومنهجية مشتركة. وحول ذلك، أشار كواكبي إلى أن مخاطبة المسلمين ككتلة أو مجموعة سياسية اجتماعية واحدة هو خطأ منهجي، مبينًا أن هناك مشكلة بالانخراط في العمل المدني خارج الإطار الديني، إلى جانب عدم رغبة الكثير من المسلمين المشاركة في الاقتراع أو أي نشاط سياسي، الأمر الذي ينعكس سلبًا على إيصال أصواتهم ومواقفهم، يُضاف إلى ذلك اقصاء الأصوات الواعية من قبل وسائل الإعلام والحكومة، في مقابل ترجيح الأصوات الجاهلة، موضحًا أن مهمة هذه الأصوات الواعية لا تنحصر في الدفاع عن الإسلام فقط، بل في تحليل جذور المشكلة بشكل منطقي وواع بعيدًا عن السطحية الذي تتناولها وسائل الإعلام والحكومة التي تتبنى مواقف قانونية وتاريخية بناء على هذه القشور.

وفي السياق ذاته، أوضح غريش أن هناك مشكلة في تعاطي الحكومة مع 6 ملايين مسلم في فرنسا ومخاطبتهم بطريقة واحدة، مبيّنًا أن مصطلح “مسلمي فرنسا” الذي أطلقته الحكومة، يتشابه مع خطاب الدولة الإسلامية الذي يحرض على ارتكاب أعمال إرهابية، لافتًا إلى أن المسلمين في فرنسا ينحدرون من أصول وأعراق مختلفة، والبعض منهم ليس لديه أية توجهات إسلامية متشددة، ومن غير المنطقي التعامل معهم جميعًا على أنهم شبكة واحدة بفكر ورؤى مشتركة، لأن ذلك يجعل منهم أقلية تعيش تحت الاضطهاد.

تطرقت الندوة إلى احتمال وجود أسباب وجذور أكثر تعقيدًا من مسألة الانتخابات، وراء التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي ماكرون حول أزمة الإسلام في العالم. وفي هذا الشأن، أوضح فرنسوا بورغا أن اتجاه ماكرون نحو هذا الخطاب المتشدد لم يكن من قبيل الصدفة، بل كان نتيجة قراءته للرأي العام السائد في بلاده، ومعرفته أن غالبية الفرنسيين حاليًا يميلون نحو اليمين المتشدد، مشيرًا إلى أن الأحداث التي حصلت خلال الشهرين الأخيرين لم تحدث عن عبث، بل كان لها علاقة بتاريخ فرنسا الاستعماري المعروف باللعب على وتر آلية تمثيل المسلمين. وأضاف: “يمكن تلخيص الوضع السياسي والاجتماعي في فرنسا فيما يخص علاقات المجتمع الفرنسي مع المسلمين، باستضافة الداعية المثير للجدل حسن الشلغومي في البرامج التلفزيونية، وما لذلك من دلالات على مشكلة فرنسا مع المجتمعات الأخرى، وسعيها للاستمرار في تكريس نهجها الاستعماري في التلاعب بآليات تمثيل المسلمين”.

في المحور الأخير، وفيما يتعلق بمدى قدرة النخبة السياسية الفرنسية على الاستمرار في اتباع سياسة تحتقر فيها 6 ملايين من مواطنيها المسلمين، ومدى خطورة ذلك على الحكومة نفسها وعلى الفرنسيين المكلفة بحمايتهم، قال بورغا إن هذا الاتجاه الحالي في فرنسا ليس خطيرًا على المسلمين فقط، بل على الفرنسيين والمجتمع الفرنسي أيضًا، لأنه سيرفع معدلات العنف ويغذي نزعة الكراهية، وستستمر تأثيراته العميقة إلى ما بعد الفترة الانتخابية، فيما رأى آلان غريش أن فرنسا تعاني حاليًا من أزمات اقتصادية واجتماعية، وهناك إمكانية كبيرة للميل باتجاه التطرف، الذي سيولّد بدوره الكثير من المشاكل، خاصة في ظل ضعف الأحزاب السياسية المتواجدة حاليًا، ما قد يخلق مناخًا ملائمًا لنمو الاتجاهات المتطرفة.

وفي ختام الندوة، جرى نقاش معمّق وطويل أجاب خلاله الضيوف على العديد من أسئلة الجمهور، حيث أجاب آلان غريش عن سؤال حول مدى تأثير الشخصيات الفكرية الفرنسية التي تتبنى خطابًا واعيًا، وقدرتها على الضغط على الحكومة الفرنسية، وحدود الحيز الإعلامي الذي تتمتع به، وأشار إلى وجود العديد من الصحف التي تقف ضد الاتجاه المتشدد الذي تتباه الحكومة، لكن في المقابل هناك عدد من الصحفيين الذين يلعبون دورًا سيئًا للغاية، سواء في الصحف أو الإذاعات والمحطات التلفزيونية. بدوره، قال فرنسوا بورغا إن فرنسا تحتاج في هذه المرحلة إلى أصوات من الخارج تنتقد أداء الحكومة وتوجهاتها، وإلى ضغوط من العالم العربي على الصعيد الاقتصادي، وإلى استمرار الصحف الدولية العريقة كواشنطن بوست ونيويورك تايمز في نقد سياسات فرنسا الحالية.

من جانبه، أجاب سلام كواكبي عن دور المثقفين الوطنيين والمتنورين في ما يحصل في فرنسا، وإن كانت لديهم خطط لإعادة فرنسا إلى مكانها الطبيعي بين الأمم المتنورة التي تقف على مسافة واحدة مع الجميع، وفق مبادئ الثورة الفرنسية، وقال إن هناك الكثير من الأشخاص القادرين على مواجهة هذا الخطاب السطحي، ولكن لا تُتاح لها الوصول إلى المنابر الإعلامية، ونوّه إلى أن الخطر الأكبر هم الباحثون الذين يمتلكون تكوينًا علميًّا جيدًا، لكنهم يسيئون استخدامه من أجل إرضاء السلطة.

فرنسوا بورغا: أكاديمي ومفكر سياسي وباحث فرنسي مختص بدراسة الإسلام، عمل في المركز القومي للبحث العلمي، وفي مركز الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي في “إكس آن بروفانس”، وكان مديرًا للمركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية في صنعاء، ومديرًا للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى في دمشق، من بين كتبه “فهم الإسلام السياسي” و” لا ربيع لسورية”.

آلان غريش: مدير مجلة أوريان 21، متخصص في شؤون الشرق الأوسط، له مؤلفات عديدة منها “علام يدل اسم فلسطين؟”، و” الإسلام والجمهورية والعالم”.

سلام كواكبي: كاتب وباحث سوري، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، وأستاذ مشارك في جامعة باريس الأولى، قسم الدراسات العليا.