حلّ الكاتب والناشر السوري فاروق مردم بك، الخميس 7/ 1/ 2021، ضيفًا على حلقة جديدة من برنامج “المقهى الثقافي” التابع لمركز حرمون للدراسات المعاصرة والذي يُشرف عليه ويديره بدر الدين عرودكي.

ناقشت الحلقة التي حملت عنوان “المؤلف… المترجم… الناشر” مختلف إسهامات ضيف الحلقة في مجالات التأليف والترجمة والنشر خلال ما لا يقل عن نصف قرن، من تحقيق ونشر الكتب العربية الكلاسيكية، إلى الكتابة في ميدان الفكر والتاريخ السياسي العربي ولاسيما القضية الفلسطينية، إلى إدارة نشر ترجمات الأدب العربي إلى اللغة الفرنسية ضمن سلسلة “سندباد” لدى منشورات “آكت سود” الفرنسية.

بدأ الحوار بالحديث عن بعض أبرز مؤلفات الضيف والتي تزيد عن عشرين كتابًا ما بين تأليف وترجمة، منها كتاب ”مسالك بين باريس والقدس، فرنسا والصراع العربي- الإسرائيلي”، الذي اشترك في تأليفه مع الراحل سمير قصير، و نُشر باللغة الفرنسية عام 1992. ذكر مردم بك أن الغرض منه هو التعريف بمواقف فرنسا من الصراع العربي الإسرائيلي في فترة أواخر الثمانينيات، مضيفًا أنه أدرك خلال تأليف الكتاب ضرورة عدم الاكتفاء بالكلام عن السياسة الرسمية الفرنسية في ذلك الوقت، بل أيضًا العودة إلى تاريخ الالتزام الفرنسي في الشرق الأوسط، خاصة في مؤتمر بال سنة 1897، واستعراض مواقف الأحزاب السياسية والكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية، بالإضافة إلى موقف الطائفة اليهودية وموقف المثقفين واستطلاعات الرأي العام.

وأشار مردم بك إلى أن القسم التاريخي من الكتاب منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى فترة التسعينيات، يفسر إلى حد بعيد ما يحصل حاليًا، لأن موقف فرنسا كان مختلفًا عن مواقف بقية الدول، بسبب تواجد أكبر جاليتين عربية وإسلامية على مستوى أوروبا في فرنسا، وهذا ما جعل من الصراع العربي الإسرائيلي يتخذ شكلًا أعنف وأكثر حضورًا في السياسة الفرنسية مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى.

تلا ذلك، نقاش حول كتاب “أن تكون عربيًا” الذي اشترك مردم بك في تأليفه مع الكاتب الفلسطيني الياس صنبر، وصدر عام 2005 في وقت كان العالم العربي يعاني من التفتت على الصعيد السياسي بشكل كبير، ذكر مردم بك أن الكتاب يتضمن أربعة أفكار، الأولى هي أن الهوية العربية ليست إرثًا ثابتًا ولا يمكن فهمها إلا في سياق تحولاتها التاريخية، والفكرة الثانية، هي أن العروبة مكوّن رئيسي في الهويات الجماعية والفردية في العالم العربي، ولكنها ليست المكون الوحيد لأن الهوية بطبيعتها متعددة. والفكرة الثالثة هي محاولة التمييز بين العروبة العفوية وبين عقيدة القومية العربية التي تطورت من خلال حزب البعث بشكل خاص، واستندت إلى معطيات تاريخية خاطئة منها أن الأمة العربية موحدة ولها جذور ضاربة في عمق التاريخ، وأن الاستعمار هو من مزقها. أما الفكرة الرابعة التي تضمنها الكتاب فهي تشكُّل حقل ثقافي عربي موحد على صعيد ثقافة النخبة والثقافة الشعبية، مشيرًا إلى أن هذا التقارب بين الشعوب العربية حدث خلال الفترة التي تفتت فيها العالم العربي على المستوى السياسي.

وأعقب ذلك حوار حول كتاب “في رأس بشار الأسد” الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2018 واشترك في تأليفه إلى جانب مردم بك، الكاتب السوري صبحي حديدي والكاتب اللبناني زياد ماجد، وذلك ضمن سلسلة خاصة صدرت عن دار “آكت سود” الفرنسية وتناولت عدة شخصيات منها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبين.

أشار الضيف إلى أن الهدف من الكتاب كان تسليط الضوء على طبيعة النظام السوري وتركيبته الفريدة غير المفهومة في العالم العربي وأوروبا، وشرح مفهوم الطائفية لدى النظام وهل هو طائفي أم لا، بالإضافة إلى محاولة فهم كيفية انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه بشار بعد وفاة باسل الأسد، والصراعات التي حدثت بين الجيل القديم والجيل الجديد في السلطة، وتفسير مفهوم “السلطة الأبدية” لدى حافظ الأسد.

كما تطرق الكتاب، بحسب مردم بك، إلى السياسة الداخلية للنظام السوري، والأدوات المستخدمة لتنفيذها، ومنها حزب البعث، حيث بحث الكتاب في مكانة حزب البعث لدى السوريين إزاء الجيش السوري والأجهزة الأمنية والمخابراتية، والدور الحقيقي الذي يؤديه الحزب. كذلك ناقش الكتاب مفهوم الممانعة كعنصر أساسي في الدعاية السياسية للنظام السوري، ودعامة أساسية في القضايا العربية وعلاقات الصداقة التي تربط النظام ببعض دول العالم التي لا تفكر في التركيبة الاجتماعية للنظام وفساده الاقتصادي والأمني، بل يرون فيه نظامًا ممانعًا فقط. وأفرد الكتاب فصلًا للحديث عن شخصية بشار الأسد وكيف تم التسويق له في الصحف والمحافل الغربية كرجل عصري متزوج من امرأة متعلمة وعصرية وتتحدث الإنكليزية بطلاقة.

وفي سياق بعيد عن المجال الفكري والسياسي، جرى حوار حول سلسلة مقالات نشرها مردم بك باللغة الفرنسية في مجلة “قنطرة”، التي كان معهد العالم العربي بباريس يصدرها، وكانت الغاية منها التعريف بالمطبخ العربي وتاريخ الطعام عند العرب. ، والتي قام مردم بك لاحقًا بجمعها في كتاب حمل عنوان “مطبخ زرياب”. وجدير بالذكر أن هذا الكتاب هو الوحيد الذي تمت ترجمته من بين مؤلفاته حتى الآن إلى اللغة العربية.

ثم تطرق الحوار باختصار إلى كتاب “المطوّل في الحمّص” الذي ألفه مردم بك بالاشتراك مع روبير بيستولفي المستشار في معهد العالم العربي،وتحدثا فيه عن أنواع الحمّص وأصوله واستخداماته والأساطير الشعبية المرتبطة به. وحول كيفية ولادة فكرة تأليف الكتاب، قال مردم بك: “جاءت الفكرة عن طريق المزاح عندما عبّر صديقي بيستولفي عن رغبته في تأليف كتاب لا يتناول السياسة أو الاقتصاد أو الفكر، وقال لي: لماذا لا نكتب عن العدس أو الحمّص مثلا، وبعدها بدأنا سوية بتأليف كتاب عن الحمّص، يقع في أكثر من مئتي صفحة، وهو حاليًا قيد الترجمة إلى العربية”.

وفي القسم الثاني من الحلقة، تم تسليط الضوء على نشاط الضيف واسهاماته في مجال النشر والترجمة بصفته مديرًا لسلسة سندباد التابعة لدار نشر “أكت سود” الفرنسية، التي تُعنى بنشر الأدب العربي، بالإضافة إلى الحديث عن مشكلات الترجمة والنشر ومعايير اختيار الكتب التي يتم اقتراحها للنشر.

وتحدث مردم بك عن مشكلة تراجع مبيعات الأعمال المترجمة في جميع دور النشر، وبالأخص الأعمال المكتوبة بلغات غير أوروبية، كالأدب العربي والصيني والإيراني والكوري، وشدد على أن المهمة الأساسية ليست في زيادة العرض، وإنما كيفية العمل على زيادة الطلب، بما يضمن وصول الكتب إلى المكتبات العامة والخاصة، من أجل التعريف بالأدب العربي، بالإضافة إلى ضرورة العمل على إيجاد القراء الذين يستحقهم الكتّاب. وأضاف: “نحن الآن في وضع سيئ جدًا في فرنسا، لأن كل ما يخص العرب والمسلمين أصبح موضوعًا اشكاليًا، بسبب انتشار الإسلاموفوبيا، “رهاب الإسلام”، في فرنسا بشكل كبير، وهذا يؤثر على إنتاج الكتاب والإنتاج الثقافي بشكل عام”.

من جانب آخر، تحدث عن أسباب قلة الأعمال السورية المترجمة في دار “أكت سود”، وأرجع أسباب تقصيره في ذلك إلى شغفه بالأدب المصري خلال فترة الستينيات، وأضاف أنه عمل في السنوات الأخيرة على ترجمة الأدب السوري، وقام بنشر ترجمة روايات لكل من الروائي السوري خالد خليفة، والروائية روزا ياسين حسن، والروائي ممدوح عزام، ومجموعة قصصية للكاتب مصطفى موسى.

وفي الختام، تطرق إلى الدور الذي تؤديه الترجمة في تجاوز سيئات النص العربي من الناحية اللغوية، وأشار إلى أن هناك العديد من الكتب التي قد لا تستهوي القارئ عندما يقرأها باللغة العربية، ولكن عندما تمت ترجمتها للفرنسية أصبحت أفضل، لأن الاستعارات والمجازات اللغوية في اللغة العربية لا يمكن نقلها للفرنسية كما هي، وأكد على أهمية أن تلتزم الترجمة بالنص مع ضرورة الابتعاد عنه عندما تقتضي الحاجة ذلك.

فاروق مردم بك: ولد في دمشق في العام 1944، درس الحقوق في جامعة دمشق، والعلوم السياسيّة في جامعة كان، ومناهج التاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعيّة في جامعة باريس السابعة، عمل قيِّمًا للكتب العربية في مكتبة معهد اللغات والحضارات الشرقية بباريس (1972- 1986) ومديرًا لمجلة الدراسات الفلسطينية الصادرة بالفرنسية (1981-2008) ومستشارًا لمعهد العالم العربي في باريس (1989-2008)، ويشرف منذ سنة 1995، في دار نشر “أكت سود”، على سلسلة “سندباد” التي تعنى بالدرجة الأولى بترجمة الأدب العربي إلى اللغة الفرنسية. نشر بالفرنسية، مؤلّفًا ومُترجمًا ومًحرّرًا، نحو عشرين كتابًا في السياسة الدوليّة والأدب وتاريخ الطعام والببليوجرافيا.