عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، ضمن ندوات برنامج الحوار الذي أطلقه المركز حول القضايا السورية الأساسية، ندوة بعنوان “شكل الدولة المناسب لسورية الجديدة”، شارك فيها كلّ من الأكاديمية والسياسية بسمة قضماني؛ الكاتب والسياسي ميداس أزيزي؛ الكاتب والسياسي حسن النيفي؛ الكاتب والسياسي نواف الركاد؛ وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

تناولت الندوة ثنائية المركزية واللامركزية، وميّزات ومساوئ كل من هذه الأنظمة، وأنواع ومستويات كل منها، عموديًا وأفقيًا، وتحليل كلّ منها من حيث الوظائف السياسية والأمنية والمالية والتنموية، والأسس الدستورية والقانونية والإدارية والسياسية، وناقشت مسألة الأنظمة المناسبة لسورية الجديدة، أيّها يضمن الوحدة الوطنية وتطور التنمية والعدالة الاجتماعية، وغير ذلك من الأفكار والقضايا ذات الصلة بأنظمة الحوكمة.

في بداية الندوة، قدّمت بسمة قضماني توضيحًا حول شكل الدولة المناسب لسورية الجديدة، سواء أكان مركزيًا أم غير مركزي، ومصلحة سورية من وراء ذلك. وقالت: إن “موضوع اللامركزية وشكل الدولة فرضَ نفسه كموضوع جوهري، وأصبح بأهمية المبادئ الأساسية التي ترشد صياغة الدستور السوري، بمعنى أن السوريين متخوفون من المشاركة السياسية ومن شكل النظام السياسي والحكم، وأعتقد أن مفاتيح الحل هو تحديد شكل الدولة، منذ الآن، بالبدء بوضع المبادئ الأساسية والحديث عن المواطنة المتساوية وأهمية التعددية وأهميّة حماية كل مكونات المجتمع، وهوية الدولة وغيرها من المبادئ”.

وأوضحت أن اللامركزية ليست قضية إدارية، إنما هي قضية سياسية بامتياز، وستساعد في معالجة كل ما هو مطروح من قضايا التنوع والتعددية في المجتمع السوري، بمعنى أن “اللامركزية أصبحت الآن مرتبطة بشكل عضوي بتحديد هوية وشكل الدولة ومستقبل المواطنين ومكانهم في المجتمع، ومشاركتهم في صناعة مستقبل سورية، لذا من المهم الاهتمام في قضية اللامركزية خلال مرحلة وضع الدستور”.

وأشارت إلى أن السوريين بحاجة إلى إنتاج قيادات شابة جديدة، واللامركزية والعمل على المستوى هو أفضل طريقة لإظهار هذه المواهب عند قياديين جدد نساء ورجال، وهذه الطريقة الوحيدة لتطوير سورية نحو رؤية أكثر حداثة”.

وتطرقت الندوة إلى مخاطر اللامركزية على الوحدة السورية، وسط الأصوات التي تتعالى والمطالب بلامركزية موسعة، وبلا مركزية سياسية توحي ربما ببداية “التقسيم”.

وأوضح ميداس أزيزي أنه لا يمكن الحديث اليوم عن سورية كدولة أو دويلات، فثمة قوى أمر واقع على الأرض، وقال إن “اللامركزية شأنٌ يخصّ كل السوريين، ولا يخص الأكراد فقط، فالسوريون عانوا جميعًا بسبب النظام المركزي، والثورة السورية قامت أساسًا ضد النظام المركزي، وضد النظام الاستبدادي الذي يستند إلى المركزية”.

وأضاف أن “غالبية السوريين توصلوا إلى قناعة بضرورة أن تكون سورية المستقبل سورية اتحادية وسورية لا مركزية، وهذا لا يعني أن سورية مقسمة أو سورية منفصلة، لكن بطبيعة الحال إذا أردنا أن نتابع المشهد السوري، فإن سورية الآن مقسّمة فعليًا بين قوى أمر واقع، سواء شرقي سورية أو شماليها أو حتى في مناطق النظام”. ورأى أن الأنسب لسورية هو “اللامركزية الإدارية الموسعة، التي قد تتناسب مع واقع السوريين الجغرافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادية، كونها بالأساس تُبنى على التنمية”.

من جهته، ذكر نواف الكراد أن “اللامركزية الإدارية”، فضلًا عن أهميتها في السياسة السورية، هي مطلبٌ أساسي لدى جمهور الثورة، وقال: “يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الكيان السوري قابل للتفكك، بسبب ضعف التجربة السورية، كونه كيانًا حديثًا نشأ منذ 100 عام، وبالتالي لم تتعزز ولم تتبلور فيه الهوية الوطنية، بما يجعل روح الولاء والانتماء إلى سورية أقوى من أن تعكّرها أي تجربة”.

وأضاف قائلًا: “أعتقد أن الحلّ الأنسب، من بين التجارب الثلاث المعترف بها أكاديميًا حول العالم (المركزية، اللامركزية الإدارية، والفدرالية)، هو الحالة الوسطى، وليس الذهاب باتجاه المركزية التي قد تؤدي إلى انفصال أقاليم في سورية، أو باتجاه الفدرالية التي قد تطيح بالتجربة الديمقراطية برمتها، بسبب هشاشة المناعة الوطنية في سورية”.

وتابع: “علينا أن نذهب باتجاه نظام إداري يحقق العدالة الاجتماعية، ويؤمن أوسع مشاركة سياسية للمواطنين في السلطة والثروة، وكذلك يرفع مستوى الوعي الاجتماعي بأهمية صوت المواطن ومشاركته في مختلف المجالات والقطاعات، لكي يشعر المواطن بأهمية مواطنته”.

وأضاف: “نحن مع قضية المواطنة المتساوية التي لا تفرّق بين السوريين، لذا يجب الذهاب باتجاه النظام الذي يخدم المواطن السوري، وليس باتجاه ما يُشعل حربًا بين السياسات والأحزاب والقوميات”. وأشار إلى أن سورية اليوم ليست مقسّمة “ولكن وحدتها الوطنية في خطر شديد، والمخرج يجب أن يكون عبر وحدة النظام القانوني، بمعنى أن تكون سلطة التشريع مركزية، ووحدة النظام الإداري عبر نظام لا مركزي يقوم على فكرة توسيع المشاركة السياسية للمواطنين وإشراكهم في تقرير مصيرهم واختيار ممثليهم بحرية وممارسة السياسة، ولو على المستوى المحلي البسيط، وهذا الحل هو حلّ وسط، ما بين النظام المركزي وبين النظام الفدرالي الذي لا نعرف عواقبه في الشرق الأوسط تحديدًا”.

وفي سياق الندوة، تحدث حسن النيفي عن سلبيات الدولة “اللامركزية”، وقال إن “السوريين لم يكونوا يعانون من مركزية واحدة فقط، وإنما من مركزيات عدة، وأهمّها المركزية المركبة، أي مركزية الإدارة، وهي المركزية الإدارية التي يقرها الدستور الحالي ويعمل بها، ويعزز من شناعتها النظام الرئاسي الذي يزيدها مقتًا واختناقًا على المواطنين، ثم تأتي مركزية السلطة التي يعانيها السوريون، وتعني حيازة السلطة والقبض عليها، سواء من الشخص الحاكم أو من كيانات في السلطة، كالجيش والمخابرات، وبالتالي فإن مركزية السلطة هي التي افترست الدولة السورية، وألغت أي مسمّى للدولة، وحوّلت نظام الحكم إلى طغمة أو عصابة حاكمة لا تنطبق عليها أي صفة من صفات مفهوم الدولة الحديثة”.

واعتبر أن “اللامركزية الإدارية” هي التي تفكك وتنتزع الدولة من براثن الحكم والحاكم، وتعيدها إلى الشعب، وهي التي تتيح لكل المدن والبلدات السورية استثمار ثرواتها المحلية وإعادة التنمية وإيجاد فرص عمل لأبنائها. وأضاف: “إننا اليوم بحاجة إلى مزيد من الجهود، لتحديد الحدود الفاصلة بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية (الفدرالية)، وفي حال كان المطلوب هو اللامركزية الموسعة، فإن ذلك يتم بالتوافق والتعاقد بين المجتمع، وليس بقرار تتخذه هذه الجهة أو تلك”.