عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الخميس 16 كانون الأول/ ديسمبر 2021، ندوة بعنوان مكان سورية في المفاوضات والحوارات الدولية، شارك فيها كلّ من السياسي والإعلامي السوري أيمن عبد النور؛ والأكاديمي والباحث السياسي محمود الحمزة؛ والباحث والصحفي إياس المحمد، وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

سلّطت الندوة الضوء على مكان سورية في المفاوضات والحوارات الدولية الجارية حاليًا، خاصة المفاوضات النووية مع إيران، وعلى الحوار الروسي – الأميركي، وتطرّقت إلى مسائل عدة: هل يتم الحوار على مستقبل سورية في تلك المفاوضات واللقاءات؟ وما هو الموقف الأميركي خلالها، وما هو موقف روسيا؟ وهل الملف السوري بالفعل هو أحد الملفات على طاولة المفاوضات؟ وما هو السيناريو المستقبلي المتوقع لسورية في ظل تلك الحوارات والمفاوضات؟ وكيف سينعكس على الملف السوري؟

في البداية، ناقش المتحدثون وجود سورية كجزء من الملفات التي تطرحها أميركا على طاولة الحوار مع روسيا. وحول ذلك، قال أيمن عبد النور: إن الجالية السورية في أميركا عملت بشكل حثيث من أجل إدارج سورية في الاتصالات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة و روسيا، لافتًا إلى أن إدراج سورية لا يعني أن تكون أحد البنود أو أن تحمل ذات الثقل النوعي لكلا الدولتين، فروسيا تحتاج إلى مناقشة الملف السوري أكثر من أميركا، وذلك بسبب العوامل الضاغطة عليها نتيجة وجودها في سورية دون تحقيق أي نصر اقتصادي أو سياسي، بعد أن حققت النصر العسكري، بينما الولايات المتحدة ليس لديها أي عامل ضاغط يتطلب منها السرعة والوصول إلى نتائج في الملف السوري، إضافة إلى أنها لا تقبل أن تقايضه بملفات أخرى كما ترغب روسيا.

وحول أهمية سورية بالنسبة إلى روسيا والشرق الأوسط والعالم، أوضح محمود الحمزة أن سورية تحظى باهتمام روسي منذ حقبة الاتحاد السوفيتي، لكن هذه العلاقات شهدت حالة ركود منذ بداية التسعينيات حتى عام 2005، وكان هناك تراجع في حجم التبادل التجاري، لكن بعد الثورة السورية عاد الاهتمام الروسي في سورية، لأسباب كثيرة، وهذا ما دفعها إلى التدخل العسكري والدفاع عن وجود النظام السوري، كي تفرض نفسها على الغرب كمحاور وشريك في القضايا الدولية.

في سياق آخر، ناقشت الندوة موقف إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن من الملف السوري حاليًا، خاصة في ظل تنامي النفوذ الإيراني في سورية. وحول ذلك، قال إياس المحمد إن أميركا تتجنب الصراع المباشر مع الإيرانيين، خوفًا على مصالحها في سورية والعراق من العمليات الانتقامية التي قد تقوم بها الميليشيات الإيرانية في البلدين.

من جانب آخر، بيّن عبد النور أن الملفات المهمة لأميركا،  في ما يتعلق بسورية، كانت واضحة في جلسة الاستماع العلني التي أجراها نائب رئيس الأركان الأميركي المرتقب أمام الكونغرس، والتي ركز خلالها على النقاط التالية: المساعدات الإنسانية، قضية التواجد الإيراني والأسلحة الكيمياوية، تثبيت وقف إطلاق نار كامل في سورية، موضحًا أن هذه النقاط تعكس اهتمام أميركا بمصالحها الاستراتيجية بالدرجة الأولى، لا بمصلحة السوريين، وأن دور السوريين كسياسيين ومعارضين ومؤسسات إعلامية هو إيصال مطالب السوريين إلى السياسيين في الخارج ووضعها على طاولة المفاوضات.

في المقابل، قال الحمزة إن روسيا مهتمة جدًا بمسألة إعادة تأهيل النظام السوري والتطبيع معه وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين السوريين، لافتًا إلى أن إمكانيات روسيا في طرح هذه الملفات ومناقشتها مع أميركا محدودة، لأن الولايات المتحدة ليس لديها اهتمام بأغلب المواضيع التي تهتم بها روسيا في سورية.

وأوضح الحمزة أن هناك تفاهمات بين روسيا وأميركا في سورية منذ خروجهم من درعا ضمن اتفاقية عام 2018، وأن روسيا ترغب في تخفيف عقوبات قانون قيصر الذي أقره الكونغرس الأميركي، مقابل تساهل روسيا في موضوع المعابر. أما سياسيًا فقد ذكر الحمزة أنه لا يجري حاليًا أي حديث سياسي بين روسيا وأميركا، بسبب عدم اهتمامهم بإيجاد حل سياسي، خاصة أن روسيا تريد حلًا سياسيًا يتوافق مع مصالحهم، وأهمّها بقاء بشار الأسد في السلطة.

وحول إمكانية طرح الملف السوري ضمن المفاوضات الإيرانية – الأميركية، بخصوص السلاح النووي، أوضح المحمد أن الملف السوري سيكون حاضرًا في المفاوضات الجارية في فيينا حاليًا، لأن إيران هي من تتحكم في سورية حاليًا، خاصة من الناحية العسكرية.

تطرقت الندوة إلى تأثير التصعيد الروسي تجاه أوكرانيا حاليًا على الملف السوري، والموقف الأميركي حيال ذلك، وأوضح عبد النور أن أميركا لن تقايض أوكرانيا بسورية مقابل بعض المكاسب التي يمكن أن تحققها في الملف السوري. واتفق الحمزة مع ما ذكره عبد النور، مؤكدًا أهمية الملف الأوكراني بالنسبة إلى أميركا وأوروبا مقارنة بالملف السوري، لأن أوكرانيا تقع في أوروبا، ولها أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية.

في محور آخر، عرّجت الندوة على  الموقف الروسي المستقبلي من سورية على صعيد المفاوضات الدولية، وأوضح الحمزة أن الأمر المُلحّ بالنسبة للروس هو إعادة تأهيل النظام حتى يخف الحصار عنه، وتنفرج الأزمة الاقتصادية التي يعانيها، حتى تتمكن روسيا من تحقيق مصالحها الاقتصادية، وأن تحصل على التمويل اللازم لعملية إعادة الإعمار، وهي مسألة مقلقة ومهمة بالنسبة إلى روسيا، لأن أميركا وأوروبا ودول الخليج، ومنها الإمارات التي أعادت علاقتها بالنظام السوري، غير مستعدين لصرف المليارات في سورية من أجل إعادة الإعمار، بسبب عدم استقرار الوضع في سورية.

سلّطت الندوة الضوء على موقف المعارضة السورية تجاه مصير سورية مستقبلًا، والدور الذي يجب أن تلعبه في مواجهة السياسات الروسية والأميركية في الملف السوري، وإمكانية أن تكون المعارضة لاعبًا أساسيًا في القضية السورية. ورأى المحمد أن التمثيل السياسي السوري معدوم حاليًا، وأن الهيئات السياسية -وفي مقدمتها الائتلاف- غيرُ قادرة على تقديم أي شيء للسوريين. في المقابل، رأى عبد النور أنه من الصعب حاليًا أن تصبح المعارضة السورية لاعبًا أساسيًا ومؤثرًا، وأن هناك الكثير من العمل الذي يجب أن تقوم به المعارضة، كي تكون عنصرًا مهمًّا وفاعلًا في الملف السوري، كخلق قيادات سياسية جديدة، ولو كانت مؤقتة ولفترة انتقالية، وأن يكون هناك تمثيل سياسي من الداخل السوري ومن الشباب البعيد عن المال السياسي وفساد المنظمات التي تعمل في الإغاثة، وأن يتم التنسيق والعمل المشترك بين هذه الكتل السياسية في الداخل والجاليات الموجودة في أوروبا وأميركا وكندا.