أقام مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في فرع الدوحة، الثلاثاء 12 أيار/ مايو 2020، محاضرة بعنوان (مقاطعة إسرائيل ومناهضة التطبيع: الواقع والتحولات عربيًا)، حاضر فيها د. أحمد قاسم حسين، الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مدير تحرير دورية سياسات عربية، وأدارها محمود الزيبق، الإعلامي في قناة الجزيرة.

ناقشت المحاضرة مجموعة من المواضيع المتعلقة بحملات المقاطعة في الوطن العربي للمحتل الإسرائيلي، وتقييم أسباب تراجع حركة المقاطعة رسميًا، واندفاعها شعبيًا ومدنيًا، ومدى حاجة المشروع الوطني الفلسطيني خصوصًا، والعربي عمومًا، إلى استراتيجية تُركّز على إنجازات المقاطعة على المستوى العالمي. وتطرقت إلى التحديات الحالية التي تواجه حركة مقاطعة “إسرائيل” في الدول العربية والعالم، وأهمية مواصلة الالتزام بدعم القضية الفلسطينية، فضلًا على الخطوط العريضة للاستراتيجية الإسرائيلية المضادة لحركة المقاطعة، وغيرها من المواضيع ذات الصلة.

بدأت المحاضرة بمقدمة تحدث فيها د. أحمد قاسم حسين عن المناخ العربي الجديد السائد في بعض الدول حاليًا، والذي يذهب باتجاه التطبيع مع “إسرائيل”، وغياب النهج القومي الذي كانت تتبناه هذه الدول بأن “إسرائيل” دولة احتلال وتهديد حقيقي لهذه الدول، وأصبح هناك تغيير في هذه الصورة، انعكس على إحدى الأدوات الشعبية المدنية التي يستخدمها الشعب الفلسطيني وتستخدمها شعوب المنطقة، وهي المقاطعة. وقال: “سأقوم في هذه المحاضرة بتلخيص قضية المقاطعة والإجابة عن أربعة أسئلة، الأول: هل مفهوم المقاطعة العربية لإسرائيل هو مفهوم جديد، نشأ بعد توقيع الدول العربية اتفاقيات سلام مع إسرائيل؟ والثاني ما الأسباب التي قادت إلى تراجع مقاطعة إسرائيل على المستوى الرسمي، وأيضًا على المستوى الشعبي والمدني، والسؤال الثالث سيجيب عن تأثير المقاطعة على اقتصاد وصورة وسمعة إسرائيل، على اعتبار أن المقاطعة واحدة من الأدوات النضالية التي يستخدمها الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. أما السؤال الرابع فسيكون الإجابة عن انعكاسات هذه المناخ السائد حاليًا، حول التحول في الموقف الرسمي العربي نحو التطبيع وإقامة علاقات طبيعية وكأن إسرائيل دولة أمر واقع، في مقابل الرفض الشعبي والتشكيك بهذا الرفض الشعبي أيضًا في المنطقة العربية. وسأعتمد على بعض المؤشرات الكمية، لنبرهن أن الشعوب العربية تدعم قضية الشعب الفلسطيني، وترفض رفضًا قاطع التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي”.

مفهوم المقاطعة هو مفهوم قديم قِدم الصراع العربي الصهيوني، بحسب قاسم حسين، ويعود إلى أوائل عشرينيات القرن الماضي، حيث انطلقت أولى حملات المقاطعة العربية بمبادرات شعبية من العرب الفلسطينيين ردًا على نشاط الحركة الصهيونية في دعم الهجرة إلى فلسطين من ناحية، وبناء قاعدة اقتصادية للدولة الصهيونية من ناحية أخرى، وقد تم تشكيل لجان من المسيحيين والمسلمين العرب، بالاتفاق مع اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني آنذاك، راحت تحث الأهالي والتجار على مقاطعة البضائع الصهيونية ووقف التعامل التجاري مع الصهاينة للحد من تطور إنتاجهم، ومن ثم التأثير في النشاط الاقتصادي للحركة الصهيونية في فلسطين.

وتابع حسين: “مع نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، حدثت جملة من التحولات في الدول العربية، قادت إلى إعادة تشكيل النظام الرسمي العربي ضمن مؤسسة جامعة الدول العربية، التي قررت التدخل بشكل مباشر في القضية الفلسطينية بصفتها قضية العرب الأولى، وكان الصراع يسمّى صراعًا عربيًا إسرائيليًا، وتبنت الجامعة استراتيجية المقاطعة للوقوف إلى جانب عرب فلسطين وإغلاق الأسواق في وجه الصناعات الصهيونية، وتعطيل المشروع الصهيوني في فلسطين. وفي هذا السياق، تألفت لجنة مهمتها الإشراف على تنفيذ القرار، أطلق عليها اسم (اللجنة الدائمة للتنسيق والإشراف على قرار المقاطعة). وقبيل حدوث الحرب أو يسمى النكبة 1948، كان هناك توجه لجعل موضوع المقاطعة أكثر تنظيمًا، وتم إنشاء ما يسمى بـ (لجان المقاطعة) في فلسطين وفي كل الدول العربية، وتكون هذه اللجان على ارتباط وتواصل دائم باللجنة الدائمة للأمانة العامة، وهنا أصبح مفهوم المقاطعة ضمن البنية القانونية والقومية للدول الأعضاء، من ناحية تجريم التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي وتجريم الشركات والمؤسسات التي تتعامل مع دولة الاحتلال”.

بلغت المقاطعة العربية ذروة تجلياتها في الحظر النفطي للدول الداعمة للكيان الصهيوني 1973، وكان هذا عاملًا أساسيًا في فتح الحوار العربي الأوروبي، لأن الأوروبيين تنبهوا إلى أن هناك أزمة سياسية، على عكس التعاطف الأوروبي مع الكيان الصهيوني الذي كان سائدًا منذ 1948 حتى عام 1973، ولكن نتيجة التحرك الرسمي العربي بشكل جماعي، فُتح باب الحوار العربي الأوروبي الذي كانت القضية الفلسطينية المحور الأساس في جدول أعمال هذا الحوار.

يقول قاسم حسين: “التطور اللافت في ملف المقاطعة كان مع توقيع مصر اتفاقية السلام (كامب ديفيد) عام 1979 مع إسرائيل، التي تلتها سلسلة قوانين وتشريعات لتنفيذ الالتزامات النافذة عن هذا الاتفاق، منها إلغاء المقاطعة، لتكون مصر التي تعدّ واحدة من الدول المركزية في النظام الرسمي العربي، آنذاك، أوّل دولة عربية تلغي المقاطعة مع الكيان الإسرائيلي. وبدأت الاستثمارات الأجنبية تتدفق على إسرائيل حتى بلغت 3 أضعاف ما كانت عليه قبل توقيع اتفاقية (كامب ديفيد)، وطبعًا بدأت المقاطعة الرسمية العربية تتراجع أيضًا مع عملية السلام في مدريد وانخراط الدول العربية في مفاوضات سلام قادت إلى توقيع اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، الأمر الذي فرض واقعًا جديدًا معاكسًا للمقاطعة، اصطُلح على تسميته بمرحلة التطبيع، والتطبيع هو إلزام العرب بتبادل سلمي ونشط في عدد من المجالات، من أجل البرهنة على الجدية في تحوّل قلوبهم وفكرهم إلى تقبّل الإسرائيليين، ككيان شرعي مساوٍ لبقية الكيانات والدول في الشرق الأوسط، مع التغييب الكامل لحقوق الشعب الفلسطيني”.

ويرى قاسم حسين أن هذا التراجع العربي في الالتزام بمبدأ المقاطعة يقود إلى الأسباب التي أدت إلى زيادة الاندفاع الشعبي والمدني، نحو دعم حملات المقاطعة في المنطقة العربية. وقال: “نمت حركة الهيئات والجماعات العاملة في مجال المقاومة الصهيونية والتطبيع ومساندة المقاومة الفلسطينية في الفترة التي أعقبت تفجر الانتفاضة، وأمام تراجع السياسات الرسمية الداعمة للقضية الفلسطينية، المتمثل بمبادرة السلام التي أعلنها آنذاك ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز، بين العرب وإسرائيل، واعتمدتها الدول العربية في ختام القمة العربية الرابعة عشر في آذار/ مارس عام 2002، وهي مبادرة تقود في النهاية إلى تأسيس دولة فلسطينية على أراضي الـ 67، وعودة اللاجئين مقابل تأسيس علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني في إطار السلام الشامل، لكن إسرائيل ضربت عرض الحائط بهذه المبادرة، واستمرت في عدوانها على الشعب الفلسطيني، وقامت بتهويد القدس وقضم الأراضي في الضفة الغربية وبناء جدار الفصل العنصري، واستمرت في عدوانها على قطاع غزة في أعوام 2008 و 2012 و 2014”.

وتابع: “في ظل هذه التغيرات التي مرّ بها العالم العربي، وتراجع الاهتمام الرسمي بالقضية الفلسطينية، برزت الحاجة إلى تشكيلات نضالية جديدة متحررة من النظام الرسمي العربي ومن النظام الفلسطيني الذي يعاني حالة انقسام، وانطلقت جمعيات ولجان مناهضة للتطبيع، وداعمة لمقاطعة الكيان الإسرائيلي في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والرياضية، وأخذت طابعًا أكثر انتظامًا مع انطلاق حركة مقاطعة إسرائيل وتطبيق العقوبات وسحب الاستثمارات التي باتت تُعرف بـ (BDS)، في 9 تموز/ يوليو 2005، ملبية نداءً أطلقته معظم مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، ووافق على هذا البيان أكثر من 170 من القوى والفعاليات والأحزاب والائتلافات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 والأراضي المحتلة عام 1948 وأيضًا في الشتات الفلسطيني، الأمر الذي يعني شمول هذه الحملة لكل مكونات المجتمع المدني الفلسطيني في أماكن وجوده كافة، وطالبت هذه الحركة بتطبيق إجراءات عقابية بحق الكيان الإسرائيلي حتى ينصاع للقانون الدولي والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وإنهاء الاحتلال وعودة الفلسطينيين إلى ديارهم التي هُجروا منها بموجب القرار الأممي رقم 194”.

أما بالنسبة إلى المقاطعة الأكاديمية والثقافية فقد اتخذت مظاهر عدة، منها امتناع عدد من الفنانين والمثقفين الأكاديميين في دول عديدة عن زيارة الجامعات الإسرائيلية، ومنها مقاطعة العالم ستيفن هوبكينغ لمؤتمر علمي يرعاه رئيس الرئيس السابق شمعون بيريز عام 2013، في الوقت الذي نشهد فيه مجموعة من الأكاديميين والمثقفين العرب يقومون بنشر دراسات وبحوث في دوريات إسرائيلية. ويقول قاسم حسين: “قد يظن البعض أن حملات المقاطعة المقتصرة على الجانب الاقتصادي والثقافي فقط، قد تكون غير فاعلة ومؤثرة بشكل كبير على الكيان الصهيوني، ولكن في الواقع أثرت هذه الحملات في سمعة إسرائيل، وأثرت في صورتها في العالم، بصفتها دولة تنتهك حقوق الإنسان وتمارس الفصل العنصري على الشعب الفلسطيني، وهو ما دفع صنّاع القرار في الكيان الصهيوني إلى وضع استراتيجية لمواجهة حملات المقاطعة الآخذة في الاتساع الشعبي في عديد من دول العالم”.

وفي المحور الأخير من المحاضرة، تحدث د. أحمد قاسم حسين عن الخطوات المتسارعة نحو التطبيع عربيًا، وعرّج على ما يعرف بـ (صفقة القرن) التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وتمهيد الإدارة الأميركية لذلك بمجموعة من الخطوات، منها نقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لدولة إسرائيل، وإصدار قرار تنفيذي عام 2019 يعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك الذي وصف هذه الخطوة بـ “التاريخية”.

وختم قائلًا: “بالرغم من كل المتغيرات التي تشوب المنطقة العربية، ما زالت القضية والفلسطينية في هاجس ووجدان الشعوب العربية، رغم المآسي التي تمر بها العديد من الدول كسورية وليبيا، وما يدعم هذه النظرية استطلاعُ المؤشر العربي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وهو يصدر كل عام، ويهدف إلى الوقوف على اتجاهات الرأي العالم العربي نحو مجموعة من المواضيع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبحسب هذا المؤشر، هناك 77% من العرب يعتبرون القضية الفلسطينية قضية العرب جميعًا، فيما اعتبر 15% فقط من المستطلعين أن القضية الفلسطينية تخص الفلسطينيين وحدهم”.