استضاف مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الخميس 19 كانون الثاني/ يناير 2023، السيد برهان كورأوغلو، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة ابن خلدون، في ندوة حوارية بعنوان (التطبيع التركي العربي)، وأدارت الندوة أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون الثقافي.

استهلّ كورأوغلو الندوة باستعراض تاريخ العلاقات التركية العربية منذ عهد الدولة العباسية، وانعكاس أثر الثقافة الإسلامية على الأتراك بعد اعتناقهم الإسلام، واصفًا تلك العلاقات بأنها كانت شبه متكاملة، من حيث الثقافة واللغة وشراكة القوة. وأضاف أن القطيعة الكاملة بين العرب والأتراك حدثت بعد الحرب العالمية الأولى، وتأسيس الدولة التركية المرتكزة بشكل رئيسي على الأسس القومية، وما تبع ذلك من تغيير لنظام الدولة والثقافة، وللّغة والحروف العربية المستخدمة في اللغة العثمانية واستبدالها بأخرى لاتينية، ومحاولة الرجوع إلى الثقافة التركية القديمة أو ثقافة ما قبل الإسلام، إذ تشكلت قناعة، لدى فئة من النخبة التركية آنذاك، بضرورة الخروج من العباءة العربية، والاتجاه نحو الغرب وعلمنة الدولة.

أشار كورأوغلو إلى أن هذه القطيعة استطاعت أن تترك أثرها في الجيل الثاني والثالث من الأتراك، وبرز أثرها بشكل كبير في جهل الأجيال الجديدة بالثقافة الإسلامية وتاريخ الدولة العثمانية، وأيضًا في حركة الترجمة وعدم القدرة على الترجمة من المصادر العثمانية، بسبب غياب المعرفة باللغة العثمانية واندثارها.

وأضاف أن القطيعة التي مزقت الوحدة العربية التركية لم تستطع أن تستمرّ أكثر من 40 أو 50 عامًا، وبعد الخمسينيات من القرن الماضي سُمح بترجمة الكتب الثقافية والتراثية العربية إلى اللغة التركية، وبدأت محاولات مدّ جسور التقارب والفكري والسياسي، وإعادة تشكيل المناخ الثقافي التركي من جديد.

على الصعيد السياسي، أوضح كورأوغلو أن تركيا كانت تُدار في نهاية أربعينيات القرن الماضي من قبل نخبة تميل للمعسكر الغربي الأوروبي، وهذا ما يفسّر أن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل (1949)، لافتًا الانتباه إلى أن هذا الاعتراف كان على المستوى الحكومي فقط، ولم يحظَ بقبول الشعب التركي الذي بقي مناصرًا للقضية الفلسطينية.

ناقشت الندوة في جزئها الثاني دلالات ومستقبل التطبيع التركي مع بعض دول المنطقة العربية، كالإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية، ومع النظام السوري. وأوضح كورأوغلو أن تركيا انتهجت منذ بداية الألفية الثالثة استراتيجية “صفر مشاكل”، وكانت مشكلتها الوحيدة مع النظام السوري هي دعمه لـ “حزب العمال الكردستاني PKK”، وجرت محادثات وتفاهمات سياسية واقتصادية بين الجانبين التركي والسوري، اتُّفق خلالها على وقف دعم سورية لـ “PKK” وإبعاد قائده عبد الله أوجلان، وإلغاء التأشيرة والرسوم الجمركية بين البلدين.

من جانب آخر، أوضح كورأوغلو أن تركيا سعت إلى دعم دول الربيع العربي في البداية، انطلاقًا من أهمية تغيير الأنظمة الاستبدادية والتحوّل إلى الحالة الديمقراطية، ولكن مع انزلاق الثورات إلى مزيد من التعقيد والعنف وفقدان الأمن، أصبح الموقف التركي يتسم بالارتباك والتردد بين الاستمرار في دعم الثورات أو الحفاظ على علاقة مباشرة مع الأنظمة الحاكمة في دول الربيع العربي.

وتابع قائلًا إن الإخوان المسلمين في مصر أرادوا تغيير النظام الحاكم بسرعة، وتبنّوا نموذجًا يختلف عن نموذج حزب العدالة والتنمية الواقعي والمعتدل، وعندما أدركت تركيا أنهم أساؤوا تمثيل هذا النموذج، تراجعت عن موقفها، إضافة إلى أنها وجدت أن الاستمرار في هذا الدعم مكلف من الناحية الاستراتيجية.

وحول مسار التطبيع بين مصر وتركيا في الوقت الحالي، رأى كورأوغلو أن العملية ما زالت تسير ببطء شديد، بسبب موقف النظام المصري المتردد، والخوف من ظهور مشاكل جديدة قد تحدث بعد التطبيع مع تركيا، وعدم استقرار الأوضاع في مصر خاصة من الناحية الاقتصادية.

في ما يخص التصريحات التركية الأخيرة، حول التقارب مع نظام بشار الأسد في دمشق، أوضح كورأوغلو أن تركيا ما زالت متمسكة بالمسار السياسي الذي بدأ في جنيف، وتعديل الدستور، لكن إذا تم التوصل إلى اتفاق لوقف القتال، وإيجاد آليات دولية تضمن عودة السوريين إلى بلادهم، فسيكون ذلك أمرًا إيجابيًا، لأن الشعب السوري هو من يحقّ له تقرير مصير النظام الحاكم، ولن يتمكن من لعب هذا الدور وهو خارج سورية.

وأضاف أنّ الدافع التركي وراء التقارب مع النظام السوري يأخذ في الحسبان موقف المعارضة التركية من ملفّ اللاجئين السوريين وضرورة عودتهم إلى بلادهم، وأن هدف الرئيس التركي، من هذا التقارب الذي يتزامن مع خوضه الانتخابات الرئاسية، هو تقديم مبادرة حسن نية للشعب التركي، مستبعدًا أن يتراجع الرئيس أردوغان عن مسار التطبيع مع النظام السوري بعد فوزه في الانتخابات، لأنه سيخسر ثقة الشعب التركي.

في سياق آخر، وصف كورأوغلو الأزمة التركية الخليجية بالمصطنعة، لأن تركيا ليس لها أي مصالح أو حدود أو اختلافات دينية ومذهبية مع دول المنطقة، ورأى أن سبب الأزمة هو دعم تركيا لدولة قطر، بسبب العلاقات الودية التي تجمع البلدين، مشيرًا إلى أن هذه القطيعة كان لها آثار سلبية على الجميع، خاصة في مجال الاستثمار والزراعة وتبادل البضائع، وهذا ما دفع تركيا إلى مراجعة سياساتها وتبني مبادرات لإعادة العلاقات مع الإمارات والمملكة العربية السعودية.

في الختام، حول مستقبل العلاقات التركية مع دول المنطقة العربية، رأى كورأوغلو أن مصلحة تركيا أن تتفاعل مع العالم العربي بسبب تنوعه وغناه، وارتفاع أعداد فئة الشباب، ولتنشيط القطاع السياحي في تركيا، وتحويل تركيا إلى دولة ممر للطاقة ومشتقاتها، بين الشرق الأوسط و أوروبا.