حلّ السفير التركي السابق في سورية عمر أونهون، الخميس 25 تشرين الثاني/ نوفمبر، ضيفًا على مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في ندوة حوارية خاصة، بعنوان “سورية بعيون السفير، بداية الأحداث وتطورها، الواقع، والسيناريوهات المستقبلية”.

حضر الندوة التي أدارها سمير سعيفان، مدير مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عدد من وسائل الإعلام وشخصيات سياسية وثقافية عربية وتركية.

سلّط الحوار الضوء على تجربة السفير التركي في سورية منذ عام 1998 حتى منتصف عام 2012، وتنامي العلاقات السورية التركية، على الصعيدَين السياسي والاقتصادي. وتطرّق الضيف إلى الجهود التي بذلتها تركيا في سبيل دفع نظام بشار الأسد إلى التعامل بمرونة مع مطالب الشعب السوري، إبان انطلاق الثورة السورية عام 2011.

في البداية، تحدث السفير عمر أونهون عن الوضع السياسي في سورية، في المرحلة التي سبقت انطلاق الثورة، عندما عُيّن سفيرًا لتركيا في دمشق عام 2009، وعن أهمية سورية بالنسبة إلى تركيا، والمهام التي مارسها في سورية منذ أن عمل في السفارة التركية في دمشق عام 1998، والقيم الثقافية والاجتماعية المشتركة للشعبين السوري والتركي.

ووصف السفير العلاقات السورية التركية، في أواخر التسعينيات، بأنها كانت متدهورة وغير مستقرة، نتيجة الاضطرابات التي سببتها قضية عبد الله أوجلان (مؤسس وقائد حزب العمال الكردستاني)، حتى وصلت العلاقات بين الدولتين إلى مرحلة الانقطاع التام. وتابع قائلًا: “بعد تلك المرحلة، سادت حالة من الهدوء بين دمشق وأنقرة، بعد أن أوقفت سورية دعمها لأوجلان تجنبًا للدخول في صدام مع تركيا، واعتقال الأخيرة لأوجلان. ثم فُتحت صفحة جديدة مع سورية، عقب وفاة حافظ الأسد، واستمرت العلاقات الاستراتيجية في التحسن بين البلدين حتى عام 2009، وحدثت العديد من الزيارات الرسمية بين الجانبين، كزيارة بشار الأسد تركيا التي التقى خلالها رئيس الجمهورية التركية ورئيس الوزراء، وكانت كل التطورات في تلك المرحلة إيجابية، وأصبحت سورية تنفتح أكثر على العالم الخارجي، وأسهمت تركيا في فتح جسور التواصل بين سورية ودول الاتحاد الأوروبي في تلك الفترة”.

في سياق آخر، تناول الحوار ملف الوساطة التركية بين سورية وإسرائيل ومسار هذه المفاوضات، خاصة ما يتعلق بقضية الجولان المحتل. وفي هذا الخصوص، ذكر السفير أن النظام السوري كان يشترط عودة الجولان لنجاح هذه المفاوضات، مشيرًا إلى حدوث العديد من اللقاءات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، ولم يجتمع المفاوضون من كلا الجانبين على طاولة حوار واحدة، فيما لعبت تركيا دور الوسيط بين الطرفين. وأضاف: “وصلت هذه المفاوضات إلى نقطة مهمة ومتطورة، وكانت الأمور تسير باتجاه التوافق على حل لهذه المشكلة، لكن حرب غزة أنهت كل شيء وأفسدت هذه المفاوضات”.

وفي محور آخر، تطرقت الندوة إلى الجهود التي بذلتها تركيا، على أعلى المستويات، في سبيل دفع الأسد إلى التعامل بمرونة مع مطالب المتظاهرين عام 2011، وأسباب عدم استجابته لهذه الجهود وذهابه نحو الحل الأمني والقمعي، بدلًا من تجنيب سورية هذه الكارثة. وأوضح أونهون أن تركيا كانت تتابع الربيع العربي منذ بدايته عن كثب، وبذلت جهودًا حثيثة لقراءة الواقع بشكل أفضل. في المقابل اعتقد نظام الأسد حينها أنه بمنأى عن موجات الربيع العربي، كونه يصدّر نفسه كنظام يهتم بالقومية والمقاومة العربية ويدافع عن قضايا المنطقة، في حين أدركت تركيا أن التنوع العرقي في سورية سيلعب دورًا في تصارع الطوائف مع بعضها البعض، والانخراط في حرب أهلية.

وأضاف: “في بداية الأحداث، طالب السوريون بالإصلاحات من أجل أن ينعموا بحياة كريمة، ولم يطالبوا بإسقاط النظام، لكن تم التعامل مع هذه المطالب بوحشية كبيرة، ولم يلتفت نظام الأسد للنصائح التركية التي دعته إلى الاستماع لمطالب الشعب وتلبيتها، من أجل إيقاف موجة الاحتجاجات وتجنيب البلاد الدخول في هذا الصراع، على الرغم من أن تركيا عرضت على بشار الأسد إرسال خبراء أمنيين للتعامل مع الاحتجاجات والتخريبات”.

وأجاب السفير عن سؤال يتعلق بالعوامل التي حددت شكل السياسة التركية تجاه الصراع في سورية، بعد أن نكث الأسد بوعده ولم يُجرِ الإصلاحات التي وعدَ كلًّا من تركيا وقطر والسعودية والجامعة العربية بتنفيذها. وذكر أونهون أن المتغيرات التي حصلت في سورية فرضت على تركيا أن تتعامل معها بمنطق وسياسة جديدة، خاصة أن الدولتين حدوديتان ولا يمكن لأنقرة أن تتجاهل المتغيرات الحاصلة في سورية في وقتها، ويحتّم عليها أن تتبنى موقفًا مختلفًا منحازًا إلى مطالب الشعب السوري المحقة.

وتطرق الحوار إلى تقييم مسار الدور التركي في القضية السورية على مدار السنوات العشر الماضية، قبل التدخل الروسي في سورية وبعده، وأين نجحت أو فشلت تركيا في هذا المسار، وما هي أسباب ذلك، بالإضافة إلى آفاق السياسة التركية تجاه الملف السوري مستقبلًا. وقال أونهون: إن من الصعب تحديد فيما إذا نجحت تركيا أو فشلت خلال المرحلة الماضية؛ لأن ذلك مرتبط بالعديد من القضايا التي يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار، كمشكلة اللاجئين ومحاربة تركيا لتنظيم داعش، وإنهاء وجود منظمة (pkk) على الحدود التركية، بالإضافة إلى وجود لاعبين كثيرين في المنطقة، وبعضهم يقف إلى جانب بشار الأسد كروسيا وإيران، وكل طرف منهم له أولوياته وأجنداته. وأضاف أن الاستراتيجية التركية الحالية تتمثل في حماية الأمن القومي التركي والشعب التركي، والسعي لتحقيق السلام العادل في سورية، وحمايتها من الانقسامات.

وفي سياق آخر، جرى حديث حول قضية اللاجئين السوريين في تركيا، وكيف استُخدمت في الشؤون السياسية الداخلية التركية من قبل بعض الأطراف، وأسباب زج السوريين في الصراعات السياسية، بالرغم من عدم تدخل معظم السوريون في الشأن الداخلي التركي. وبيّن السفير التركي أن الحكومة التركية تعاملت مع ملف اللاجئين على أنه حالة مؤقتة، ولم تكن تتوقع أن يستمر وجود السوريين على أراضيها مدة 10 سنوات، ولهذا لم تمنحهم صفة اللجوء، بل أعطتهم صفة “الحماية المؤقتة”، وعلى المدى البعيد، خلق هذا الوضع إشارات استفهام كثيرة، حول موضوع عودة السوريين إلى بلادهم. وأضاف أن الانتخابات التركية تلعب دورًا في تأجيج الخطاب الرافض للوجود السوري في تركيا من قبل بعض الأحزاب، وبالتالي سيبقى الملف السوري حاضرًا دائمًا في المشهد السياسي التركي.

في المحور الأخير، أجاب الضيف عن سؤال حول طبيعة الدور الذي من الممكن أن تلعبه تركيا حيال الوضع السائد في سورية حاليًا، والدفع باتجاه تحقيق انتقال سياسي وإيجاد نظام بديل لنظام الأسد الذي حكم سورية منذ أكثر من 40 عامًا. وأوضح أونهون أن تغيير الوضع في سورية مرتبط بعوامل سياسية واقتصادية عدة متداخلة فيما بينها، ولا يمكن التوصل إلى أي حل دون التعامل مع هذه العوامل كلها وعدم استثناء أي منها. مبيّنًا أن تركيا لا تستطيع وحدها أن تغير مجرى الأحداث، وعلى جميع اللاعبين الدوليين الأساسيين في سورية أن يتبنوا إرادة سياسية قوية وحقيقية من أجل حل الأزمة السورية.

وأعقب الندوة حوار مفتوح، أجاب خلاله السفير التركي عمر أونهون عن أسئلة الصحافيين والحضور. وسيُنشر التسجيل المصور الكامل للندوة لاحقًا، على منصّات مركز حرمون للدراسات المعاصرة.