استضاف برنامج “المقهى الثقافي” التابع لمركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، الذي يُعدّه ويُشرف عليه بدر الدين عرودكي، في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أستاذَ تاريخ الشرق الأوسط في باريس جان ــ بيير فيليو.

تناولت الحلقة موضوع كتابَين من تأليف بيير فيليو صدرا حديثًا: الأول بعنوان “مرآة دمشق، سوريا تاريخنا“، والثاني بعنوان “مصير العرب ومصيرنا، تاريخ تحوّل“، وكلاهما تُرجم إلى اللغة العربية. واستهلّ الكاتب كلامه بالحديث عن تجربته الشخصية في سورية (التي زارها لأول مرة عام 1980، حسب ما ذكر في مقدمة كتابه “مرآة دمشق”)، عندما كان طالبًا ثم عندما كان دبلوماسيًا في السفارة الفرنسية في دمشق، واصفًا إياها بأنها “كانت تجربة استثنائية”، وأشار إلى أنه تعرّض لـ “صدمة قوية”، خاصة عندما زار مدينة حلب التي كانت تشهد في تلك الفترة انتفاضة ضد نظام الأسد.

وقال بيير فيليو: “في العام 1980، كنت طالبًا وكنت متجهًا من مدينة إسطنبول إلى مدينة بيروت، لإجراء دراسات في مخيمات الفلسطينيين عن المقاومة الفلسطينية، ومررت في طريقي بمدينة حلب السورية، واكتشفت جرائم نظام الأسد، إذ كانت طائرات الهليكوبتر تقصف سوقَ حلب القديمة، ولم أقرأ أيّ خبر أو مقال عن هذا الوضع المخيف، كما اكتشفتُ حبّ السوريين للضيافة في حلب، رغم الظروف الصعبة، وبعد ذلك زرت سورية عشر مرات، قبل تعييني كقائم بالأعمال في السفارة الفرنسية في دمشق عام 1996”.

وأضاف أن المرحلة التي عُيّن فيها الكاتب دبلوماسيًا في السفارة الفرنسية تُعدّ عهدًا ذهبيًا اشتراكيًا للعلاقات الثنائية، وقد أتيحت له، في ظل هذا المناخ الاستثنائي للعلاقات الثنائية بين فرنسا وسورية، الفرصة لزيارة كل المحافظات السورية، وإلقاء محاضرات باللغة العربية، في المراكز الثقافية في حلب والرقة وطرطوس واللاذقية والسويداء، باستثناء محافظة حماة. وأشار إلى أن نظام الأسد -في هذا العهد الذهبي- فتح (عبر مخابراته وكوادره الأمنية) الأبواب أمام الدبلوماسيين الفرنسيين في المجتمع السوري، واصفًا ذلك الأمر بأنه كان “إيجابيًا جدًا”.

وتحدث بيير فيليو عن زيارته إلى حي “صلاح الدين” في مدينة حلب عام 2015، التي كانت تشهد ظروفًا صعبة، بسبب القصف والقمع من قوات نظام الأسد، وذكر أنه كان برفقة المصور السوري “عمار عبد ربه” الذي وثق الأحداث والجرائم التي تعرّض لها الشعب السوري. وأنه حاول في 2015 التوجه صوب محافظة درعا، للاطلاع على الأحداث الدائرة هناك، إلا أن أصدقاءه أخبروه بأنه “يمكن أن نضمن لك الدخول، ولكن ليس بإمكاننا أن نضمن لك الخروج”.

سلّط كتاب “مرآة دمشق” الضوء على مجموعة من اللحظات التاريخية في تاريخ سورية، بداية من ولادة المسيحية في سورية، إذ سرعان ما انتشرت في سورية إلى درجة أن المسيحيين في سورية، في عهد معاوية بن أبي سفيان الذي جعل من سورية ومن دمشق مركزًا للإمبراطورية التي أسسها، كانوا أكثر من ثلثي سكان سورية في ذلك الوقت.

وأراد الكاتب -في سياق الحديث عن تلك الحقبة- أن يقيم مقارنة بين الكيفية التي أسس فيها معاوية سلالته الأموية، وبين حافظ الأسد، بعد 13 قرنًا من معاوية، من حيث إن حافظ الأسد أراد بالطريقة ذاتها تقريبًا تأسيس سلالة ضمن جمهورية، أو “جملكية” أي (جمهورية ملكية)، من دون الارتكاز إلى “العقيدة” التي انطلق منها كل منهما: العقيدة الإسلامية من قبل معاوية، وعقيدة حزب البعث التي أتاحت لحافظ الأسد أن يستفيد منها. وبرر هذا التوازي/ المقارنة بأنه نوع من المبادئ التي يسير عليها في عمله التاريخي، كي يشجّع على تغيير الآراء والرؤى حول موضوع سورية، لافتًا إلى أنه يحترم شخصية معاوية تاريخيًا، ولا يحترم شخصية الأسدَين على الإطلاق.

وتحدث الكاتب عن مشروع الأسد في توريث السلطة، بعيدًا عن الالتزام بأي مبدأ من مبادئ الاشتراكية العربية والقومية العربية، مبينًا أن هذا المشروع تاريخي لطاغية من أجل البقاء في السلطة واستمرار السلطة في نفس العائلة، تحت شعار “رفض الفتنة”، ورفض أي معارضة وأي انتقاد، مع نشر ما يدعم تقديس السلطة للقائد. وأشار في سياق الحديث إلى الفرق بين القائد معاوية بن أبي سفيان وبين الأسد، وقال: إن “الفرق هو أن الأسد يريد أن يحكم إلى الأبد”، وذكر أن أبرز ما لفت انتباهه، في أثناء وجوده في سورية وحضوره أحد الاجتماعات لحزب البعث الحاكم، هو شعارات “الأسد إلى الأبد”، بل إلى ما بعد الأبد!! معربًا عن صدمته من ذلك.

ويمتاز الكاتب الفرنسي بيير فيليو باستدعاء التوازيات في مؤلفاته، في محاولة لإلقاء أضواء جديدة وأكثر إشعاعًا من أجل فهم الحاضر بشكل خاص، إضافة إلى أن مؤلفاته حافلة بكثير من الموضوعات الأخرى.

وناقشت الحلقة الفصل الحادي عشر من كتابه “مرآة دمشق” الذي يُلقي الضوء على سورية بعيون ثلاثة رؤساء فرنسيين: شارل ديغول، فرانسوا ميتران، وجاك شيراك، وكان من اللافت للانتباه الجملة التي استشهد بها الكاتب بيير فيليو، وقد وردت في مذكرات شارل ديغول، عندما قال “أطير نحو الشرق المعقد بأفكار بسيطة”. ورأى أن “الشرق المعقد هو الشرق الذي كان معاصرًا، والذي رآه ديغول عندما كانت فرنسا موجودة فيه، وهو شرق الدسائس الغربية والنزاعات الفرنسية الفرنسية، والصراع من أجل الهيمنة”.

وتناول فيليو في كتابه “مرآة دمشق”، حرب الظل غير المعلنة، وهي التي لا يعرفها سوى قليل من السوريين، وكانت دائرة بين الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ورئيس النظام السوري حافظ الأسد، والاتهامات الموجهة إلى النظام السوري باغتيال السفير الفرنسي لويس دولامار في بيروت عام 1981. وأشار الكاتب إلى أن الرئيس الفرنسي الثالث جاك شيراك أراد إنهاء حرب الظل، بين فرانسوا ميتران وحافظ الأسد، إلا أنه أصرّ على أن يحمي الاستقلال اللبناني، وذلك على خطى الرئيس فرانسوا ميتران.

وكان السؤال الأبرز، في سياق الحديث عن الرؤساء الفرنسيين الثلاثة في سورية، هو كيف قبل الرئيسان الفرنسيان فرانسوا ميتران وجاك شيراك بنظام الأسد الذي لا مثيل له في العالم العربي بين كل الدكتاتوريات الحاكمة؟ وأجاب بيير فيليو: “إن فرانسوا ميتران كان واضحًا بالنسبة إلى نظام الأسد الدكتاتوري، أما شيراك فلم يكن يفهم حقيقة هذا النظام”. ورأى أن “موقف شيراك كان خاطئًا، لأنه غيّر الموقف الفرنسي التقليدي”، وأضاف: “أعتقد أن تعزيز العلاقات مع النظام السوري هو لفتح مجال المناورات وشبه الاستقلال في لبنان، وهذا الأمر لم يكن فكرة شيراك فقط، بل كانت فكرة صديقه رفيق الحريري (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق)، إلا أن فرنسا خسرت الكثير من المواقف في سورية”.

وفي رد على سؤال حول كتاب “مرآة دمشق”، وسبب اختيار الكاتب لمراحل مختلفة من تاريخ سورية لم تكن فيها نقاط إيجابية، إضافة إلى غياب اللحظات التنويرية؛ قال: إن “تاريخ التنوير في سورية فيه سلسلة إنجازات مهمة، لكن الفرصة كانت ضائعة بين سورية وفرنسا، وكانت أسوأ مرحلة هي فترة فرض الانتداب على دولة حديثة، وبالتالي فرنسا قطعت الطريق على أي عملية تنوير في سورية، وفرضت شبه دولة، وقسّمت سورية بصورة سيئة، في حين أن ردة فعل الوطنيين كانت العَلم بثلاث نجوم، وهذا العَلم هو علم الثورة السورية حتى الآن، وأعتقد أن الشعب السوري مستمر في صراعه لتقرير مصيره، منذ زمن الانتداب الفرنسي حتى الآن ضد الاحتلال الأسدي للبلد”.

الكتاب الثاني للكاتب بيير فيليو هو “مصير العرب ومصيرنا”، صدر عام 2015، وترجمته عام 2018 دار ميسلون، وقد غامر الكاتب فيه بكتابة التاريخ المعاصر الذي نعيشه الآن، وحاول أن يتلافى فِخاخ الابتعاد عن الموضوعية في الكتابة، ولا سيّما أنه يتناول مسألة مهمة.

وفي هذا الجانب، قال: “إن هدفي من هذا الكتاب أن أكشف للجمهور الفرنسي عمق وأهمية التاريخ المشترك والقيم المشتركة بين الفرنسيين والعرب، منذ عهد النهضة والتنوير، وقد ذكرتُ في الكتاب رفاعة الطهطاوي (من قادة النهضة العلمية في مصر) الذي شهد ثورة يوليو في باريس 1830، ويمكن أن أعبّر عن كل عملي بجملة: أرى أنا أعداء حرية فرنسا هم أنفسهم أعداء حرية العرب، إننا نواجه عدوًا واحدًا”.

وحاول فيليو، في كتابه “مصير العرب ومصيرنا”، أن يماهي ما بين المصيرَين، وردًّا على السؤال عن مدى اعتقاده بأن هناك وحدة وجود ومصير بين العالم العربي وأوروبا من حول البحر المتوسط، ولماذا هذا الابتعاد من أوروبا وفرنسا عمّا يجري من ثورات للشعوب في جنوب وشرق المتوسط؟ قال بيير فيليو: “لم يكن هناك وعي واضح في أوروبا عامة وفرنسا خاصة، وسقوط جدار الخوف في العالم العربي في بداية عام 2011 كان مهمًّا بدرجة سقوط جدار برلين عام 1989”. وأضاف: “من أجل ذلك، أركز دائمًا على شراكة المصير والمستقبل وشراكة الأعداء، ومن المستحيل أن ننتصر ضد الأعداء، إذا لم يكن هناك وعي واضح لهذا الأفق المشترك، وفي الوقت نفسه أريد أن أركز على العروبة وعلى الوطنية وحقوق الشعوب، وخاصة حق الشعوب السوري في تقرير مصيره، ضد حملة أسلمة العرب، وضد حملة تركيز الهوية العربية بالهوية الدينية فقط أو بالهوية الإرهابية وغيرها، وهذا مهم جدًا بالنسبة إلى النقاش الوطني العمومي في فرنسا”.

في ختام اللقاء، أجاب بيير فيليو عن سؤال يتعلق بالنظرة الفرنسية تجاه العرب والعلاقة الحديثة بينها وبين العرب، وعن مشكلة سوء الفهم الذي أدى إلى الخلط ما بين العرب والمسلمين، وأكد أن هناك صورة أكثر إيجابية، وقال: “أرى، من خلال تجربتي الشخصية، أن مستوى الوعي العمومي في المجتمع الفرنسي، حول الوضع العربي الحقيقي، متقدّمٌ جدًا، من حيث فهم طبيعة الأزمات، حيث إن الناس اليوم باتوا يميزون بين الشيعة والسنّة، بل بين الوهابية والسلفيّة، وباتوا يعرفون التاريخ، وهناك ثقافة ووعي كبيرين عن العالم العربي في المجتمع الفرنسي، وأنا متفائل جدًا بالنسبة للمجتمع الفرنسي، فهو متقدّم كثيرًا، من حيث طرح النقاشات السياسية وفهم طبيعة الخلافات والاختلافات”.

جان ــ بيير فيليو

– ولد في باريس عام 1961.

– عمل مستشار الشؤون الخارجية بين عامي 1988 و2006 في سفارات فرنسا، في كل من الأردن والولايات المتحدة وسورية وتونس.

– عمل في مكتب بيير جوكس وزير الداخلية بين عامي 1990 و1991.

– عمل في مكتب وزير الدفاع بين عامي 1991 و1993.

– عمل في مكتب رئيس الوزراء ليونيل جوسبان بين عامي 2000 و2002.

– منذ عام 2006 يعمل أستاذًا في معهد العلوم السياسية بباريس ويُدرِّس باللغتين الفرنسية والإنكليزية.

– نشر أكثر من عشرين كتابًا، إضافة إلى العديد من المقالات المخصصة غالبًا للعالم العربي/ الإسلامي، وتُرجمت كتبه إلى أكثر من خمسة عشر لغة.

– ترجم له من كتبه إلى العربية كتاب “مصير العرب ومصيرنا“، وكتاب “مرآة دمشق، سوريا تاريخنا“، الذي صدر حديثًا عن منشورات المتوسط.