عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، يوم الثلاثاء 23 شباط/ فبراير 2021، ندوة بعنوان “تصحيح المسار… والأمل السوري“، شارك فيها عبد الوهاب بدرخان، الصحافي والكاتب والمحلل السياسي، وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

تناولت الندوة مسألة ضرورة إعادة صياغة إستراتيجيات وآليات للثورة السورية، وبحثت في الحلول الممكنة لتصحيح أخطاء هيئات ومؤسسات المعارضة السورية، وعلاقة المعارضة بالخارج، حدودها وطبيعتها، وكيف يجب أن تكون، وماذا يمكن فعله مع الولايات المتحدة، ومع روسيا، وما دور المجتمع المدني والأهلي المطلوب، وأهمية تغيير العقلية السورية لقبول الديمقراطية والتعددية والآخر، وأهمية العمل لتشكيل جمعيات وأحزاب ولوبيات للسوريّين، وتعزيز خطاب وطني سوريّ جديد في مواجهة الاستبداد السياسي، وغيرها من الأسئلة ذات الصلة.

وسلّطت الندوة في محورها الأول الضوء على المشهد السوري عمومًا، وكيف يبدو بالتزامن مع الذكرى العاشرة لاندلاع الحراك الشعبي في سورية، وكيف بدت المعارضة السورية طوال فترة هذا الحراك. وفي هذا الجانب، رأى عبد الوهاب بدرخان أن الوضع في سورية، بعد التدخل الروسي قبل 5 سنوات، انتقل إلى مرحلة تضاءل فيها الأمل، وأصبح هناك ضرورة لأن يكون هناك عمل سوري خلّاق.

وأضاف أن المعارضة كانت في الأصل مظلومة، بمعنى أن الشعب خرج وأطلق صرخته ضد النظام، من دون أي تحضير أو تنسيق أو تنظيم، ولا بد من أن ينطوي ذلك على شيء من الفوضى، وهذا الأمر طبيعي.

ورأى بدرخان أن هذا الظلم يعود إلى نصف قرن من القمع، وعدم السماح بالسياسة أو السماح بحرية التعبير، وعدم الاستماع إلى أوجاع الناس، وعدم الاهتمام بمستقبل البلد وشعبه، ولم يكن أحدٌ يطلب من هذه الثورة أن تكون منتظمة، ولكن مع مرور الوقت وبداية ظهور محاولات لتنظيم الثورة، على الأقل في ناحيتها السياسية كون هذه الناحية ضرورية، بدأنا نشعر أن هناك عجزًا في أن يكون هناك جسم حقيقي يستطيع أن يمثل المعارضة بجناحيها الداخلي والخارجي، وكان أداء المعارضة دائمًا يتراجع.

وفي رد على سؤال، بشأن الخلل الذي يجعل المعارضة السورية عاجزة بعد عشر سنوات على اندلاع الحراك في سورية، ذكر بدرخان أن السبب هو عدم تراكم الخبرة السياسية، إذ تبيّن أن السوريين من الصعب أن يتعايشوا فيما بينهم، أو أن يعترفوا لصاحب الكفاءة بأنه كفء، وبالتالي أصبح هناك تنافس على الجلوس في المنصات وفي الصفوف الأمامية، وهذا يعني التنافس على المصالح والمناصب والمكاسب.

وأضاف: بالرغم من قسوة الظروف التي دخل فيها السوريون، فإنها لم تجعلهم يعطوا أولوية قصوى ووحيدة للشأن الوطني، ولم يكن هناك حرصٌ على أن تكون هناك هيئة جامعة، لا تدخل الائتلافَ أو منصة موسكو أو منصة القاهرة، ولا في هذه الدولة أو تلك، بل مجموعة همّها الدائم العمل لمحاولة جمع وحصر الكفاءات السورية القادرة على تشكيل نوع من البديل.

وتطرقت الندوة إلى الصراعات الدولية والإقليمية وأثرها على صفوف المعارضة وتركيبتها السياسية والعسكرية. وأوضح بدرخان أن الدول الغربية كانت تحاول أن تحتضن المعارضة، لكن المشكلة الأساسية كانت من الجانب العربي، لأنه دائمًا كان هناك خلافات حتى في الظروف الطبيعية ولأسباب متنوعة جدًا، لا يمكن حصرها، في حين أن هناك دولًا “ساعدت المعارضة العسكرية، ولكنها بدأت تصنع عصاباتها وفصائلها، وكانت التسميات الخاصة بالفصائل والأشخاص الذين تزعموها تثير الشكوك: إلى أين نحن ذاهبون؟ وبطبيعة الحال، منذ العام 2014، ظهر أن الدول -سواء أكانت عربية أم غربية- لا تريد إسقاط النظام، لأنه في عام 2014 أصبح هناك (داعش)، وبعد 5 سنوات من التعاطي مع المعارضة، أصبحت هناك فكرة عن المعارضة أنها لا تشكل بديلًا ولا تحمل في كيانها أي نواة لبديل، كما أن الدول يئست من العمل على إيجاد البديل. لكن كان على الدول الغربية خصوصًا التركيز أكثر على أن تكون المعارضة مؤسسة”.

وسلّطت الندوة الضوء على الأسباب التي تقف وراء عجز المعارضة عن الانفتاح على موسكو، أو خلق صلة وصل بينها وبين الخارج، وعلى رؤية روسيا للحل في سورية. وبيّن بدرخان أنه كانت هناك جهود لخلق صلة وصل بين المعارضة والدول الخارجية، ولكن كانت الجهود مؤطرة، حيث لم تستطع الدول العربية، ولا حتى الإقليمية كتركيا، أن توحّد رؤيتها بشأن المعارضة، فتفرّقت هذه الدول. أمّا في ما يخص الانفتاح على موسكو، فإن المعارضة حاولت ذلك، ولم يكن بإمكانها أن تخرج من أهدافها الرئيسية، لكنها في النهاية طالبت بإسقاط النظام، ولم يكن بإمكانها أن تقدّم بديلًا عن هذا الهدف، في حين أن روسيا منذ البداية لم تكن مساندة للشعب السوري على الإطلاق، وكذلك إيران التي كانت تهندس القمع والمجازر والتهجير.

وعلى الرغم من أن لدى المعارضة كثيرًا من العيوب، فإن روسيا هي التي عندها “عاهة”، في حين أن المعارضة تريد أن تتعاون مع أيّ كان، وعلى الرغم من زيارات وفود المنصات المعارضة إلى روسيا، لم يتمكنوا من إقناعها، وعملت روسيا على تبني شخص وحيد هو “قدري جميل” الذي هو أصلًا ابن النظام. وأضاف أن الروس لم يكن لديهم سوى رؤية واحدة هي تدمير المعارضة العسكرية، وفرض الحل السياسي كنتيجة لهذا لحل العسكري، وهذا لا يناسب الشعب السوري ولا حتى المعارضة.

وتناولت الندوة في أحد محاورها موضوع “اللجنة الدستورية”، والأسباب وراء تقزيم الحل السياسي بمسألة اللجنة فقط، والدور الروسي فيها. وفي هذا الصدد، قال بدرخان: “وصلنا إلى اللجنة الدستورية، بسبب العمل الروسي على إفراغ القرار 2254 من مضمونه، فبدلًا من التركيز على هيئة حكم انتقالي، أصبح التركيز على الدستور، وهذا الأمر كان بمثابة فخ ليس فقط للمعارضة، بل للقوى الدولية التي راهنت على الحل السياسي وعلى القرار 2254”.

وأشار إلى أن المعارضة لم يكن لديها خيارات سوى أن تذهب إلى اللجنة الدستورية، وكان عليها أن تذهب، لأنه في كل السيناريوهات لتنفيذ القرار 2254، لا بدّ من أن يكون هناك جانب له علاقة بالدستور، “لكن من كان يتخيل أن تمضي كل هذه السنوات دون أن يتم البحث حتى الآن في الدستور الذي لا بد منه! لكنّ جديته متعلقة بمدى جدية النظام وجدية الروس”.

ورأى بدرخان أيضًا أنه لم يعد هناك قرار سوري حتى للنظام، وأن المجتمع الدولي طالب كثيرًا بتغيير النظام، وطالب بأن تتعاون روسيا في ذلك، وعندما يئس من ذلك، بدأ يُلح على الحل السياسي، على أساس أنه إذا تضمّن مرحلة انتقالية وحكومة ذات صلاحيات ودستورًا جديدًا، فهذا على الأقل يُضعف إمكانية أن يبقى النظام على حاله الرافض لكل شيء سوى بقائه، وربما غيّر المجتمع الدولي التكتيك، لكن الإستراتيجية لا تزال أنه “يجب أن نصل إلى نظام من دون بشار، ولو ببقاء بشار لكن من دون صلاحيات”.

وعن رؤيته للوضع القادم مستقبلًا، أشار بدرخان إلى أن روسيا أنجزت حلًا عسكريًا، لكنه بقي ضمن رقعة جغرافية محددة، والآن الروس يدركون بأنه يجب أن يكون هناك حل سياسي، لكنهم يطلبون الثمن قبل الحل، فروسيا تريد الحلول، وبالتالي فإن المرحلة المقبلة تتوقف على عودة التنسيق الأميركي الروسي، على أن يكون هذا التنسيق فعّالًا بالنسبة إلى سورية، وإذا لم يكن هناك تنسيق؛ فلن يكون هناك أي تمويل لإعادة الإعمار أو أي دعم لإعادة اللاجئين.

وتابع أن المرحلة القادمة متعلقة بالدول، وليس بالنظام أو الشعب، وعلى المعارضة استغلال هذه المرحلة للتفكير في قدراتها، وفي استخدام الشيء الضئيل الذي بين يديها من أجل أن تعود إلى الساحة، كي تعود الدول للالتفات إليها من جديد، علمًا أن “هناك أشخاصًا جديرين في المعارضة، ويجب أن يظهروا، وأن يكون لهم دور، ولا يجب أن يتم تغييبهم”. وختم قائلًا: “من المهم ترتيب البيت الداخلي للمعارضة، والتركيز على مسألة المحاسبة، مهما كانت الصعوبات، في كل المراحل، لأنها الورقة المرفوعة ضد النظام، في كل الأحوال”.

عبد الوهاب بدرخان: صحافي وكاتب ومحلل سياسي يعيش في لندن، متخصص في الشؤون العربية والدولية، بدأ العمل عام 1974 في كبرى الصحف العربية في لبنان وباريس ولندن، وغطى -ميدانيًا- أحداثًا رئيسية في العديد من البلدان، وأجرى مقابلات مع عدد كبير من القادة والسياسيين، وعمل مديرًا لتحرير صحيفة “الحياة” ونائبًا لرئيس التحرير. له أبحاث جامعية متخصصة في تحليل أوضاع الصحافة العربية.