عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، الثلاثاء 12 كانون الثاني/ يناير 2021، ندوة بعنوان: “انتهاكات حقوق ملكية السوريين.. النظام سبّاق والفصائل تُقلّد”، شارك فيها المحامي ميشال شماس، الناشط في مجال حقوق الإنسان، والمحامية نورا غازي، الناشطة في مجال حقوق الإنسان، وأدارتها الكاتبة والإعلامية السورية ديمة ونوس.

سلّطت الندوة الضوء على مظاهر جرائم مصادرة أملاك وأموال السوريين المعارضين، من قبل النظام السوري والأطراف الفاعلة الأخرى، خلال سنوات الثورة السورية، واستعرضت أبرز القوانين والمراسيم والقرارات التي أصدرها النظام السوري في هذا المجال، ومخاطر هذه الإجراءات على مستقبل الحل السياسي، ولا سيما مشكلة عودة المهجّرين، وتحديات المرحلة الانتقالية على هذا الصعيد، ووسائل السوريين المتاحة لهم، قانونيًا وسياسيًا وإعلاميًا، لمواجهة هذه الجرائم والإجراءات.

استهلّ ميشيل شماس الندوة بالحديث بأن مختلف الأطراف والقوى العسكرية مارست، وما تزال، مصادرة ممتلكات السكان والاستيلاء عليها، بعد تدميرها وتهجير ساكنيها، وأشار إلى أن ذلك ترافق مع اندلاع العمليات العسكرية في مختلف المناطق السورية، وأن وتيرة مصادرة ممتلكات السوريين ارتفعت مع توسّع العمليات العسكرية وعملية التهجير والتدمير “المضاد” الذي مارسته جميع الأطراف المتنازعة.

وأضاف شماس أن نظام الأسد يأتي في مقدّمة الأطراف التي مارست سياسة الاستيلاء على ممتلكات الناس على نطاق واسع، وبشكل منهجي، منذ العام 2012، خاصة مع صدور القوانين والتشريعات بذريعة “تنظيم الملكية”، وما تزال تلك الممارسات قائمة، ولفت النظر إلى أن “هذا يؤكد النيّة المبيتة لنظام الأسد في استغلال ظروف الحرب وتهجير السكان، بحجة تنظيم الملكية”. وأشار إلى أن “هذه الانتهاكات تتركز في المناطق التي تعرّضت للتدمير في الغوطة بريف دمشق، داريّا، مناطق الزبداني، حمص، ريف حماة، حلب، إضافة إلى مناطق سيطرة قوات المعارضة السورية، ومناطق ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية”.

وتطرقت الندوة أيضًا إلى وسائل وأدوات نظام الأسد في مصادرة ممتلكات السوريين، وآلية قوننة جرائم الاستيلاء على الممتلكات وتشريعها. وقال شماس: إن “الموضوع لا يتعلق بالنظام وحده فقط، بل لدينا ثلاثة أطراف تمارس عمليات الاستيلاء هي (قسد)، الفصائل المعارضة، والنظام، لكن النظام هو من يمارس عمليات الاستيلاء بشكل منهجي، وعلى نطاق واسع، وبأساليب مختلفة ومتنوعة، ومنها الأسلوب الإداري من خلال منح الصلاحية للنيابة العامة وقاضي التحقيق، بالحجز الاحتياطي على ممتلكات وأموال السوريين، ولا سيّما المعارضين منهم، وأيضًا من خلال المرسوم 63 لعام 2012 الذي هو الأخطر، لأنه منح للضابطة العدلية، وبخاصة عن طريق الأمن الوطني، بالطلب من وزير المالية أو من النيابة العامة أو من محكمة الإرهاب، الحق بإلقاء الحجز الاحتياطي، وأيضًا من خلال الصلاحيات الممنوحة لمحكمة الميدان العسكرية التي تجري جلساتها بشكل سري، ويمنع المحامي من الحضور أو الترافع أمامها، وهذه المحكمة تصدر قرارات بالمصادرة والاستيلاء، من خلال الأحكام التي تصدرها ويصدّق عليها رئيس الجمهورية ووزير الدفاع”.

واستعرض شماس أهمّ التشريعات والقوانين والتعاميم التي تتيح لنظام الأسد استهداف ملكيات السوريين، ومنها قانون الإرهاب لعام 2012، والمرسوم 66 لعام 2018 القاضي بإحداث منطقتين تنظيميتين في المزة، والقانون رقم 10 الذي استند إليه وعمل على تعديله وافتتح المناطق التنظيمية في عموم سورية، بطلب من وزير العدل، والقانون 35 لعام 2017 الذي نصّ على إلقاء الحجز الاحتياطي على الممتنعين عن دفع البدل، وجرى تعديله في العام 2019، من حجز احتياطي إلى حجز تنفيذي، والقانون 1 لعام 2018 القاضي بإنشاء حَرم لنبع الفيجة الذي حرم كثيرًا من الأهالي من ممتلكاتهم، والقانون 3 لعام 2018 القاضي بإزالة الأبنية المتضررة، والقانون رقم 42 لعام 2018، القاضي بجعل مدة التصريح على الحقوق من شهر إلى سنة، وهو تعديل للقانون 10 لعام 2018.

وتحدث شماس عن خطورة القانون رقم 10 لعام 2018، والتعديلات التي طرأت عليه، وأثرها على النازحين والمهجرين واللاجئين، وقال إن “التعديل الذي طرأ على القانون يتعلق بالمدة المخصصة لتثبيت الملكية، وقد تم تعديلها من 30 يومًا إلى سنة واحدة، بعد الاعتراض عليها، ولكن خطورة هذا القانون ليست بالمدة فقط، بل في أنه يُطبّق في هذه الظروف، وغالبية اللاجئين هم من الملاحقين أمنيًا، لذلك فإن هذا القانون هو وسيلة لسلب ممتلكات الناس”.

وسلّطت الندوة الضوء على القرارات التي صدرت بوضع اليد على أراضي المهجّرين، وعرضها في المزادات العلنية والمناقصات من أجل تأمين استثمارها، وعلى علاقة ذلك الأمر بسياسة التغيير الديموغرافي.

وفي هذا الجانب، رأت نورا غازي أن هناك حزمة من القوانين التي كانت موجودة، وكان لها دور حتى ما قبل الثورة بما يتعلق بمصادرة الأملاك وبيعها في المزاد العلني، وكان آخرها القانون رقم 10 لعام 2018، وهناك قوانين أخرى، وجميعها تتعلق بما يسمّى تنظيم المدن أو القوانين العمرانية، وهناك القانون رقم 20 لعام 2015، وقوانين أخرى صدرت في العام 2010، ولكن أخطرها القانون رقم 10 لعام 2018، وجميع هذه القوانين جعلت المركز القانوني لمالك العقار يتبدّل، إذ لم يعد وحده المالك للعقار، بل دخل في حالة تسمى “الشيوع الإجباري”، أي مع مجموعة من المالكين، إضافة إلى التعقيدات الأخرى، ومنها الموافقات الأمنية التي باتت مطلوبة في عمليات البيع والشراء وتنظيم الوكالات الخارجية، وتثبيت الملكية.

وأضافت أن هذا الأمر له علاقة بالتغيير الديموغرافي الذي بدأ قبل الثورة، وقالت إن “النسبة الأكبر من الأشخاص الذين تمت مصادرة أملاكهم أو تم وضع اليد عليها، هم في أماكن إما تستملكها الدولة لأجل استثمارات روسية أو إيرانية، وإما يتم بيعها للإيرانيين، ومثال ذلك ما يجري في حمص وفي منطقة (باب توما) التي باتت تتمتع بطابع شيعي، وكل ذلك له علاقة بالتغيير الديموغرافي الذي هو بحد ذاته جريمة”.

وتطرقت الندوة إلى الانتهاكات الممارسة من قبل الأطراف المعارضة في سورية، وقالت نورا غازي: إن “معظم المجموعات والمنظمات والهيئات السورية تعمل على توثيق الانتهاكات من جميع الأطراف، وبعد 10 سنوات من عمر الثورة السورية وتطوراتها؛ لم يعد المسؤول عن ارتكاب الانتهاكات في سورية طرفًا واحدًا، بل العديد من الأطراف والعديد من الدول التي تتدخل بنفسها أو التي تدعم تلك الأطراف”. وأضافت أن “من المهم أن يتم التركيز على جميع الملفات ككتلة واحدة في عملنا، وأن يكون هناك تنسيق بين المنظمات بهذا الخصوص، حيث لا يمكن فصل موضوع الحجوزات والمصادرات عن موضوع الاعتقال أو الاختفاء القسري أو ملف اللاجئين، وهذا الأمر مهم جدًا لنضمن نجاح العمل”.

وسلّط ميشال شماس الضوء على الانتهاكات التي تجري في مناطق تنظيم “هيئة تحرير الشام”، أو  في مناطق “قوات سوريا الديمقراطية”، وقال إن “هيئة تحرير الشام مارست في مناطق سيطرتها، في إدلب، عمليات استيلاء على الممتلكات بشكل مشابه لما مارسه النظام في مناطق سيطرته، ففي عام 2018 صادرت 15 منزلًا في كفرنبودة بريف حماة الشمالي، بحجة أن ملكيتها تعود لموالين لنظام الأسد، وفي 2019 صادرت نحو 100 منزل في ريف حماة، وقامت بنهب المرافق العامة والأملاك الخاصة في محافظة إدلب، وفي 2019 صادرت 60 منزلًا ومحلًا تجاريًا في ريف حماة الغربي والشمالي، وصادرت الأراضي الزراعية في سد قسطون بريف حماة، وقامت بتأجيرها للمزارعين بأسعار متفاوتة، وصادرت أخيرًا ما لا يقل عن 550 منزلًا ومحلًا تجاريًا في مدينة إدلب، تعود ملكيتها لمسيحين”.

وعن الانتهاكات الممارسة في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، قال شماس: “في ريف حلب، على سبيل المثال، عندما احتلت هذه القوات ناحية الشيوخ الفوقاني والتحتاني وناحية صرّين، قامت بتدمير المنازل وتهجير سكانها، وكانت هناك عملية تهجير لعائلات من منبج، وأصدرت في الآونة الأخيرة قانونًا يشابه إلى حد بعيد القانون رقم 10 لعام 2018 (الذي أصدره نظام الأسد)، وهو قانون (أملاك الغائبين)، وقد حدث احتجاج كبير عليه، دوليًا وشعبيًا، ثم قامت بسحبه تحت ضغط هذه الاحتجاجات، وهي الآن تعمل على تعديله”. وأشار إلى أن هناك انتهاكات مماثلة في المناطق التي تخضع لسيطرة الفصائل المسلحة في شمال حلب.

وتناولت الندوة دور المعارضة السياسية السورية في إثارة قضية الانتهاكات الممارسة ومصادرة ممتلكات المدنيين في مسارات التفاوض الدولية.

وفي هذا الصدد، قالت نورا غازي إن “حجم إمكاناتنا محدود جدًا، وليس بالإمكان أكثر مما كان، فهناك صراع دول ليس لها مصلحة بحلّ قضيتنا الإنسانية العادلة، وملفّ الملكيات من المهم أن يُطرح كملف غير تفاوضي، وهنا تكمن الصعوبة، لأن روسيا هي صاحبة الدور الأكبر في التحكم في مسار المفاوضات، وهي مرتبطة بهذا الملف، فضلًا عن الارتباط الإيراني بهذا الملف أيضًا”. وأضافت: “من المهم أن يُربط الملف ككتلة واحدة بملفات أخرى، كملفات اللاجئين والنازحين والمعتقلين، لكن ممثلي المعارضة في المفاوضات وفي اللجنة الدستورية، مع الأسف، معظمهم ليس لديه خبرة كافية في المسائل القانونية التخصصية، وهناك انفصال كبير عن الواقع وعن الضحايا ومأساة الضحايا، ومعظم وفد المعارضة في اللجنة الدستورية هم أشخاص مقيمون خارج سورية، ومعاناة من يقيم خارج سورية لا تشبه أصلًا معاناة من يقيم داخلها”.

وفي رد على سؤال يتعلق بمصير الحقوق المسلوبة في الملكيات الخاصة، قال ميشال شماس: “لا نستطيع فعل شيء اليوم؛ فالموضوع خرج من يد السوريين، وموضوع الحل في سورية هو خارج أيدي السوريين، لكن رغم هذه السوداوية القاتمة التي نراها في مسيرة الحل للمأساة السورية، ما زال بالإمكان فعل شيء”. وتابع قائلًا: “أدعو كل السوريين، خاصة اللاجئين والنازحين الذين غادروا منازلهم، لأي سبب كان، أن يحافظوا على وثائق الملكية مهما كان نوعها، وأن يحافظوا على أي شيء يدلّ على ملكيتهم، وأيضًا علينا -كناشطين وكمنظمات وقوى معارضة سورية- بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، القيام بحملة توعية بين السوريين، ولا سيما اللاجئين في دول الجوار وفي المخيمات، حول ضرورة الانتباه إلى موضوع الملكية وضرورة الحفاظ على هذه الوثائق”.

وأضاف: “وعلينا أن نستغل توزعنا في دول مختلفة، وخاصة السوريين الموجودين في أوروبا، وأن نقوم بحملة ضغط على السلطات الدولية، لإيقاف العمل بكل القوانين التي تمسّ بحق الملكية، لا سيما القانون رقم 10 لعام 2018، والقانون 66، والمرسم 163، والقانون الذي صدر أخيرًا في مناطق الإدارة الذاتية، حتى عودة الاستقرار والهدوء إلى البلاد، وأن نجعل من ذلك مهمة دائمة لنا، خاصة في وسائل الإعلام السورية المعارضة”.

وتناولت الندوة في ختامها الخيارات المتاحة أمام المهجّرين لحفظ أملاكهم قانونيًا، وخاصة المطلوبين أمنيًا في ظل الظروف المتاحة.

ورأت نورا غازي أن “من المهم جدًا أن نحفظ كل الأدلة والوثائق التي تحفظ حقوقنا، وأن تكون هناك جهة مسؤولة ومحايدة ونزيهة تعمل على جمع البيانات والأدلة والوثائق لجميع السوريين، وأن يكون هناك مركزية لهذه البيانات، وأن نتابع جهودنا بكف يد السلطة الأمنية في سورية عن كل مفاصل الدولة وكل مفاصل حياة المواطنين، والأهم أن نعمل لتحقيق الانتقال السياسي السلمي للسلطة الذي بات ضرورة لسورية وللمنطقة بأكملها”.

ميشال شماس: محامٍ سوري، ناشط في مجال حقوق الإنسان، عضو في “لجنة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير”، وفي “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية”. اختير ضمن مئة واثني عشر اسمًا لقادة الفكر العرب الأكثر تأثيرًا، ضمن قائمة المعهد السويسري للأبحاث.

نورا غازي: محامية سورية تعمل في الدفاع عن حقوق الإنسان، تشغل منصب مديرة مؤسسة “نوفوتوزون”، صنفتها منظمة العفو الدولية من بين 8 نساء يناضلن بشجاعة للدفاع عن حقوق الإنسان.