عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوة بعنوان: “اليمن.. السيناريوهات المستقبلية بين تعثر الحل السياسي والأزمة الإنسانية، شارك فيها كلٌّ من الكاتب والباحث اليمني نبيل البكيري؛ والسياسي والكاتب اليمني محمد المقبلي؛ وأدارها مدير منتدى حرمون الثقافي سمير العبد الله.

سلّطت الندوة الضوء على الأوضاع في اليمن وعلى أسباب تعثّر الحل السياسي، وأسباب وصول المفاوضات السياسية إلى طريق مسدود، وعلى الجهود المبذولة لدفع عملية التفاوض والحل السياسي نحو الأمام من جديد.

وفي هذا الصدد، أكد نبيل البكيري أن هذه الندوة تأتي في توقيت مهم جدًا لمناقشة الأزمة اليمنية، وأشار إلى أنّ تطورات المشهد السياسي الحالي في اليمن يمكن التعبير عنها بالمقولة التاريخية الشهيرة “السياسة في اليمن على رمال متحركة”. وتابع أن “هذه المقولة تنعكس على تحولات المشهد السياسي في الداخل اليمني، أي أن المشهد السياسي في اليمن متحرك ومليء بالمفاجآت، ولا يمكن تفسيره أو الحديث عنه من وجهة نظر واحدة”.

ولفت النظر إلى أن “الصراع في اليمن أخذ اليوم طابعًا آخر، فبعد 7 سنوات من هذا الصراع، لم يعد اليوم هناك قرار (يمني-يمني)، فالشرعية أصبحت بلا قرار، وكذلك الحوثيون بلا قرار أيضًا، وأصبح الصراع اليوم بين قوى إقليمية في الداخل اليمني، بالرغم من أن من يقاتل في صفوف الشرعية لديهم قضية، بغض النظر عن العامل الإقليمي الخارجي الذي أصبح متورطًا في القضية اليمنية”.

ورأى البكيري أن “الحديث عن السلام لم يعد من الأوراق القابلة للصرف أو الاستفادة منها في القضية اليمنية، والسبب أن كل الاتفاقيات والقرارات الدولية لم يلتزم بها أحد، وكان يتم تمريرها للتوظيف السياسي والإعلامي، وما يجري على أرض الواقع هو على عكس تلك القرارات، والسبب الرئيسي وراء كل ذلك هو أن الحوثيين يفضلون فكرة الحرب على فكرة السلام، إضافة إلى تضارب أجندات التحالف العربي الذي أثّر في طبيعة ومصير الشرعية اليمنية التي قُسّمت إلى شرعيات عدة، تم إضعافها وإضعاف المعركة في الداخل، الأمر الذي خدم الإيرانيين والحوثيين بشكل كبير جدًا”.

وذكر أن كل هذه التحوّلات والتطورات أدت إلى ضرب منظومة الاقتصاد الوطني وانهيار العملة الوطنية بشكل مخيف جدًا، ما أدى بدوره إلى “حالة أشبه بوجود دول في ظل الدولة اليمنية”. وأضاف أن “كل هذه العوامل أثّرت في إضعاف الشرعية، وفي عدم تمكين القوات اليمنية من أجوائها الحقيقية، خاصة في ما يتعلق بمنظومتها الاقتصادية، ولم تتمكن الشرعية كذلك من أداء مهماتها، وبقيت كل تلك الأدوار بيد التحالف العريي”.

ومن بين الأسباب التي تقف وراء عدم الالتزام بتنفيذ القرارات الدولية على أرض الواقع، “ضعف بعض شخصيات الشرعية، وصناعة شخصيات من قبل التحالف العربي والمجتمع الدولي، يضاف إلى ذلك استقطاب بعض الفاسدين من الشرعية السابقة من ذوي الأداء السيّئ، ما انعكس بشكل كبير على كل تلك المستويات في الداخل اليمني”.

وتحدث البكيري عن وجود أطراف في التحالف العربي، “مع فكرة إبقاء الشرعية ضعيفة ورهينة قرارات خارجية، وبات الداخل اليمني اليوم يتألف من كانتونات سياسية متناثرة ومتناحرة، إضافة إلى وجود بعض المحافظات ليست مع الشرعية ولا مع الانتقالي، وهناك مناطق تكاد تكون خارج السيادة اليمنية، مثل جزيرى (سقطرى)”.

وناقشت الندوة أدوارَ الفاعلين المحلّيين والإقليميين والدوليين في اليمن، وانعكاسات الصراع على الأوضاع الاقتصادية، وعلى الأزمة الإنسانية التي يعيشها اليمن، التي تُعدّ أقسى أزمة إنسانية عبر تاريخه، وهي تنقسم إلى أربعة محاور: التطورات السياسية – الواقع العسكري – الأوضاع الاقتصادية – الأوضاع الإنسانية.

وتحدث البكيري عن التطورات العسكرية الدائرة في اليمن، وأشار إلى أن “خارطة الصراع شبه متوقفة منذ نحو عامين”، ولفت النظر إلى ما يجري في مدينة (مأرب) من تحركات عسكرية، وقال: “إن المعركة تدور في نفس المكان، وسط تقدم وتراجع سواء لقوات الشرعية أو للحوثيين، بمعنى أن المعركة متوقفة في المكان وليس في الأداء، بالرغم من أنها وصلت إلى مرحلة كسر العظم بين الطرفين، وقد حقّق الحوثيون بعض التقدم، لكنه تقدم ليس حاسمًا، والمعارك في باقي الجبهات تدور في مكان واحد”.

وأشار البكيري إلى الجانب الاقتصادي، وأوضح أن الجانب الاقتصادي مقسوم إلى قسمين: “اقتصاد حرب في مناطق الحوثي، وتوقف للاقتصاد في المناطق المحررة”. وزاد قائلًا: “إن اقتصاد الحرب في مناطق الحوثي هو اقتصاد خطير يكسب من خلاله ملايين الدولارات سنويًا التي تذهب لجماعته، وكثير من الموارد ما تزال بيد جماعة الحوثي، إضافة إلى الموارد والمساعدات التي تأتي من الخارج، بينما في المناطق المحررة، الاقتصاد متوقف والموانئ والمطارات والجمارك جميعها مُعَطلة، وهناك قطاع كبير من الموظفين في الداخل من دون رواتب، ومن يحصل منهم على رواتب شهرية فإنها تكون متدنية، بسبب انهيار العملة وانهيار الاقتصاد الذي هو من أخطر الكوارث التي تواجهها اليمن”.

وتطرقت الندوة إلى مستجدات الأزمة الإنسانية في اليمن، ولفت محمد المقبلي الانتباه إلى أن “توصيف الأزمة في اليمن بأنها أسوأ أزمة إنسانية في التاريخ إنما هو توصيف سياسي، لتصفية حسابات بين أطراف سياسية، بهدف إتاحة المجال لتدخل أطراف خارجية من الباب الإنساني، الأمر الذي أثّر في كثير من القرارات السياسية والعسكرية في اليمن”.

وتناول المقبلي في سياق حديثه دور المنظمات الإنسانية في دعم الشعب اليمني، وذكر أن وصول هذه المساعدات لا يتمّ إلى عن طريق خطةٍ يرسمها المكتب السياسي للحوثي، مبينًا أن هذه المساعدات التي تصل إلى مناطق الحوثي تعدّ “إحدى وسائط دعم المجهود الحربي للحوثيين في مناطق سيطرتهم”.

واعتبر المقبلي أن “هناك عملية تواطؤ لبعض العاملين في الحقل الإنساني، مع الأجندات التي تتبع للحوثي، وفي الوقت ذاته، كانت هناك جهود إغاثية أخرى لعبت دورًا للتخفيف من تدهور الأوضاع الإنسانية لليمنيين، لكنها لم تكن قادرة على الضغط على التحالف العربي لنزع يد الحوثي عن الموارد التي من شأنها أن تضع حدًا لهذه الأزمة الإنسانية في اليمن”. وأكد أن “علاج الأزمة الإنسانية في اليمن لا يقتصر على الدور الإغاثي، إنما يجب أن يكون هناك تصويب وتصحيح لمسار العمل الإنساني، إضافة إلى رفع قبضة الحوثي عنها من قبل برنامج الأغذية العالمي أو من قبل المنظمات الدولية الأخرى”.

وفي ردّ على سؤال حول السيناريوهات المستقبلية المتوقعة على مستوى الحل السياسي في اليمن، أجاب المقبلي: “لن يحدث هناك في اليمن أي حل سياسي إلا إذا كُسِرَ الحوثي عسكريًا، وبالتالي الأمور ستبقى على ما هي عليه إلى حين رضوخ جماعة الحوثي للحل”.

وفي نهاية الندوة، أجاب ضيوف الندوة على أسئلة الحضور التي تمحورت بمجملها حول نقاط تفصيلية تتعلق بالملف اليمني وموقف الدول الإقليمية والخليجية الفاعلة من جماعة الحوثي ومن جماعة الشرعية اليمنية، وبحجم الدعم المقدم للطرفين، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، ومدى تشابه بعض الأحداث في الملفين اليمني والسوري.