عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوة بعنوان الوجود السوري في تركيا.. بين التجاذبات السياسية والاجتماعية، شارك فيها كلّ من غزوان قرنفل، رئيس تجمّع المحامين السوريين؛ وطه الغازي، الناشط في قضايا حقوق اللاجئين؛ وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

 تطرقت الندوة إلى الوضع القانوني للسوريين في تركيا، وتركيبتهم وحجمهم في سوق العمل، ومستوى اندماجهم، وطبيعة المشكلات التي يتعرضون لها، ومواقف الأحزاب التركية المعارضة من هذا الوجود، وأسباب مواقفها وحجم سلبيته، وهل قامت المعارضة السورية بما يجب لتجسير الهوّة بين السوريين وبين هذه الأحزاب وجماهيرها، وتطرقت إلى واجبات مؤسسات المعارضة السياسية السورية ومنظمات المجتمع المدني، في هذا الصدد.

تناولت الندوة الأحداث الأخيرة في العاصمة التركية أنقرة، واعتداء عددٍ من الأتراك على السوريين وممتلكاتهم (على إثر مقتل مواطن تركي) وسط المخاوف من تصاعد حدّة خطاب الكراهية ضد اللاجئين السوريين في عموم تركيا.

ورأى غزوان قرنفل أنّ هناك تصاعدًا للخطاب العنصري تجاه السوريين في تركيا، أخذ يفرز سلوكيات من شأنها أن تهدد مصالح السوريين وممتلكاتهم، محذرًا من أن “هذا التسعير ضد اللاجئين السوريين، من قبل بعض الشخصيات السياسية أو الحزبية التركية أو العاملة في الشأن العام، هو الشرارة التي دفعت بكثير من الشباب الأتراك إلى هذا السلوك المشين تجاه اللاجئين السوريين”.

وأشار إلى أن “عدم مواجهة السلطة التركية لهذا الخطاب مبكرًا يضعها في موضع المسؤولية، ويجعلها أمام استحقاقات لمواجهتها الآن، حتى لا تتكرر هذه الظاهرة مرة أخرى، سواء في أنقرة أو في غيرها من المناطق”.

وأكد أن السلطة تأخرت كثيرًا في مواجهة الخطاب العنصري ضد اللاجئين السوريين في تركيا، وقال: “هناك عشرات التصريحات سبقت بزمن طويل ما جرى في أنقرة، ولم نرَ تحركًا من النيابة العامة باتجاه إحالة هؤلاء إلى القضاء، للمساءلة عمّا ينشرونه من معلومات مضللة وتحريض واضح ضد اللاجئين السوريين في تركيا، وإن عدم اتخاذ الإجراء القانوني مبكرًا أعطى نوعًا من التمادي لهؤلاء، للقيام بما قاموا به في أنقرة، ونخشى أن تتكرر الحادثة، في حال لم تقم السلطة التركية بواجبها في حماية اللاجئين، وبواجبها القانوني في قمع خطاب الكراهية والعنصرية”.

وتطرقت الندوة أيضًا إلى طبيعة المشكلات القانونية أو السياسية التي يتعرض لها اللاجئ السوري في تركيا، وأوضح قرنفل أن من أبرز ما يعانيه اللاجئ السوري “صعوبة الحصول على الوثائق القانونية، وخاصة بطاقة الحماية المؤقتة (الكملك)، يضاف إلى ذلك مسألة الحصول على (إذن السفر) للانتقال من مدينة إلى أخرى، وهذا يُعدّ وجهًا من أوجه المعاناة المستمرة بالنسبة إلى اللاجئين السوريين، إضافة إلى صعوبة الحصول على فرص العمل”.

وأكد قرنفل أن من الضروري أن يعلم من أطلق التصريحات العنصرية ضد اللاجئين السوريين، أن “السوريين ليسوا مجرد أشخاص موجودين عَرضًا في تركيا، بل هم حالة قانونية يجب التعاطي معها ضمن منظور الوضع القانوني”.

وبيّن قرنفل الفرق بين “الحماية المؤقتة” و”الحماية الدولية”، وقال إن “الحماية المؤقتة في تركيا هي مجرد وسيلة قانونية، لجأت إليها الدولة لتنظيم وضع معين عدّته استثنائيًا مؤقتًا، من دون التقيد بالأحكام المتعلقة بالقوانين الدولية، وبإمكان السلطة أن تُنهي هذا الوضع القانوني بقرارٍ منها، وهذا الأمر يؤرق كثيرًا من السوريين، أما الحماية الدولية فتُمنح كجزء من حق اللجوء وتستند إلى القانون الدولي”.

وعن دور الأحزاب التركية في تأجيج الخطاب العنصري وخطاب الكراهية ضدّ اللاجئين السوريين، قال قرنفل: إن “الجميع يعلم أن التصريحات العنصرية لم تُطلق إلا من بعض الشخصيات، سواء في حزب الجيد أو حزب الشعوب الديمقراطي، علمًا أن الشخصيات الموجودة في هذه الأحزاب أو المؤسسة السياسية ليست على موقف واحدٍ من اللاجئين السوريين، لكن ما يعنينا أن هناك خطابًا عنصريًا يصدر عن شخصيات سياسية وبرلمانية ورؤساء بلديات، ينتمون في معظمهم إلى الحزبين المذكورين، وهؤلاء يشعلون الخطاب العنصري ضدّ اللاجئين السوريين لمصالح انتخابية، وللضغط على الحكومة لإجراء انتخابات مبكرة، يعتقدون أنهم سيفوزون بها”.

من جهته، أوضح طه الغازي أن ما حصل من أحداث في أنقرة ضد اللاجئين السوريين ليس الحالة الأولى من نوعها، إذ تكررت مثل هذه الحوادث في عدد من المدن التركية الأخرى. وقال إن “الأحداث برمتها كانت متماثلة من ناحية الاعتداء على السوريين، واستهداف ممتلكاتهم واستهدافهم حتى في مصالحهم، وإن تشابه حالات الاعتداء على السوريين يشير إلى أنه أمرٌ منظم من قبل منفذي الاعتداء”.

ولفت الغازي النظر إلى حالة الكراهية الموجودة أصلًا لدى الأتراك تجاه اللاجئين بشكل عام، سواء أكانوا سوريين أو أفغانيين. وضرب الغازي مثلًا عن حادثة جرت في أحد الملاعب التركية تزامنت مع الأحداث التي دارت في أنقرة، حيث هتفت جموع المشجعين “لا نريد لاجئين في بلادنا “، محذرًا من خطورة انتقال “الفكر التميزي العنصري من أفراد إلى مجموعات، سواء كان على مستوى ملاعب أو على مستوى تجمعات مجتمعية أو غيرها”.

وعن دور المعارضة السورية في ردم الفجوة بين السوريين والمجتمع التركي، قال الغازي إنّ “خطاب الكراهية والعنصرية بحقّ اللاجئين السوريين تتحمله أطراف ثلاث هي: أحزاب المعارضة التركية؛ والحكومة التركية بتصريحاتها غير المباشرة التي حركت الشارع التركي، وأحيانًا بعدم مبالاتها بالأحداث التي تجري؛ ومؤسسات المعارضة السورية الموجودة في تركيا”.

وحول المطلوب من المؤسسات أو الأفراد أو المنظمات، في ظلّ المخاوف المشروعة للاجئين السوريين من تصاعد خطاب الكراهية ضدهم، للحدّ من هذا الخطاب والعنصرية، أكد الغازي أهميّة التواصل مع أحزاب المعارضة التركية، ورأى أنه أمرٌ “مهم جدًا في المرحلة القادمة، لأن حالة العداء مع الأحزاب الأخرى والاصطفاف الخاطئ من الممكن أن ينذر بمرحلة سيئة جدًا على السوريين في المرحلة القادمة، لذلك لا بد لكل الأطراف السورية التي تمثل المجتمع السوري في تركيا من فتح قنوات حوار وتواصل مع الأحزاب الأخرى بمختلف أطيافها، لأن أي صوت إلى جانب اللاجئين السوريين ومع قضاياهم، هو أهمّ بكثير من تفنيد أكاذيب الأحزاب الأخرى الذي لا يعطي أي نتيجة”، مؤكدًا أنه “ليس من مصلحة اللاجئ السوري أن يكون موجودًا في كنف حزب ويعادي الأحزاب الأخرى”.

وفي السياق ذاته، رأى قرنفل أن فتح قنوات تواصل مع القوى والأحزاب والشخصيات المعارضة التركية أمر مهم جدًا، “ومن المهم أيضًا إدارة حملة علاقات عامة من قبل منظمات حقوقية ومنظمات المجتمع المدني السورية، باتجاه مختلف شرائح المجتمع التركي ومنظماته ووسائل إعلامه، لخلق حالة مجتمعية من التواصل لتوضيح الصورة وتصحيحها، ويجب أن تكون السواعد جاهزة في حال لزم الأمر، للانتقال إلى المؤسسة القضائية ومواجهة خطاب الكراهية، بالأدوات القانونية وإقامة دعاوى، إن اقتضى الأمر ذلك، على كل من يسيء إلى سمعة اللاجئين السوريين من دون وجه حق”.