عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوة بعنوان “العدالة الانتقالية في سورية الجديدة“، شارك فيها كل من رضوان زيادة، الباحث في المركز العربي بواشنطن؛ وإيمان شحود، القاضية وعضوة اللجنة الدستورية؛ ومهند شرباتي، المحامي المختص بالقانون الدولي؛ وأدارتها ديمة ونوس، الإعلامية السورية.

تناولت الندوة، وهي تندرج ضمن برنامج الحوار الوطني الذي أطلقه المركز مطلع حزيران/ يونيو الفائت، تعريف العدالة الانتقالية وغايتها ومضمونها وأدواتها، وقالت إيمان شحود: إن “العدالة الانتقالية هي مزيج من الأخلاق والقانون والسياسة، وهي مجموعة من التدابير والإجراءات القضائية وغير القضائية التي تتخذها دولٌ بعد الخروج من مرحلة النزاعات، لمعالجة الكم الهائل من انتهاكات حقوق الإنسان، وصولًا إلى بناء وتحقيق السلام، وهذه الآليات تختلف من دولة لأخرى، وقد تكون قضائية مثل المحاكمات الجنائية، أو قد تكون عبر لجان تقصي الحقائق، أو عبر الإصلاح المؤسسي”.

من جانبه، أوضح رضوان زيادة الفرق العدالة الانتقالية وغيرها من أنواع العدالة، وقال: “هناك تمييز بين مفهومي العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية، فالعدالة الجنائية هي بشكل رئيسي مفهوم قانوني يركز على مفهوم المحاسبة والقصاص، كما هو معروف في الأعراف والتقاليد العربية والإسلامية، بينما العدالة الانتقالية في داخلها قد تتضمن مجموعة من الإجراءات القانونية، وتشمل خمسة أركان رئيسية: لجان الحقيقة، تحقيق العدالة والمحاسبة عبر الإجراءات القضائية والقانونية، سواء أكان القضاء المحلي أو الإقليمي أو الدولي، إصلاح المؤسسات القضائية والبرلمان والدستور، التعويضات أو ما يسمّى في المغرب العربي (جبر الضرر) سواء أكان جماعيًا أو فرديًا أو ماديًا أو معنويًا، وحفظ الذكرى، سواء كان إحياء الذكرى عبر المتاحف أو عبر إصلاح المناهج المدرسية أو عبر النُصب التذكارية، أو عبر ما يسمى رسائل الاعتذار أو العفو الرسمي”.

وركّزت الندوة أيضًا على مناقشة مسائل عديدة: ما هي النماذج والتطبيقات المختلفة للعدالة الانتقالية، وهل هي نسبية تختلف باختلاف الظرف والزمان والمكان أم ثابتة، ولماذا تُعدّ ضرورة ماسّة لسورية القادمة، وما هو شكلها المطلوب في سورية، وآلياتها وأدواتها وأولوياتها، وشروط ومتطلبات تحقيقها، وأي الملفات يجب أن يبدأ بها السوريون، وما هي الصعوبات والعقبات المتوقعة التي قد تحول دون تحقّقها، وماذا عليهم فعله لتحسين فرص واحتمالات حدوثها؟

وفي ذلك، قال مهند شرباتي: “إن العدالة الانتقالية هي نهج شامل له أبعاد عدة، قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو قانونية، وقد تختلف بين بلد وبلد، وقد تختلف آليات العدالة الانتقالية، حسب السياق أو حسب اختلاف الظروف السياسية أو الاجتماعية أو االقانونية أو الاقتصادية، في البلد الذي ستطبق فيه هذه العدالة الانتقالية، وبغض النظر عن اختلاف الظروف واختلاف المكان، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الأهداف والركائز الأساسية (الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وغيرها) عند الحديث عن العدالة الانتقالية”.

وعن الشروط الأخرى المتعلقة بتحقيق “العدالة الانتقالية”، أوضح شرباتي أن “العدالة الانتقالية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار، وبشكل رئيسي، رؤية الضحايا وعائلاتهم لشكل وأدوات هذه العدالة في سورية، وأيضًا يجب أن يكون هناك اهتمام خاص بالانتهاكات المرتكبة بحق الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع، وأن تتخذ تدابير لجماية هذه الفئات، سواء من خلال المحاكم أو بالأدوات الأخرى، إضافة إلى وجوب أن تعتمد الهيئات القضائية أو غير القضائية تعريفات للضحايا أو الجناة، وأن تُصرّح بأنها تقف على طرف واحد من كل الأطراف، وأن هذه الهيئات هي لمحاسبة جميع الأطراف وجميع الانتهاكات، والابتعاد عن تعريف الضحية، حسب انتمائها أو حسب الجاني، لذلك يجب وضع تعريف محايد للضحية بعيدًا عن السياسة”.

وأكد أن الهدف من “العدالة الانتقالية” هو “دعم قيم معينة، ومحاولة كشف الحقيقة، ومحاولة تحقيق الانتصاف للضحايا”، لافتًا إلى أنه من المهم التركيز أيضًا على “الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إلى جانب الحقوق المدنية والسياسية التي يتم التركيز عليها بشكل أكبر، كونها ربما تكون أحيانًا أحد أسباب النزاع المباشرة في سورية”.

وردًا على سؤال لماذا تعتبر “العدالة الانتقالية” ضرورة ماسة لسورية الجديدة؛ قالت شحود: “إنها حاجة وضرورة لبناء السلام، لأنه إذا ما تم الاتفاق السياسي وتخطى موضوع العدالة دون أن يبحث في هذا الأمر، فإن ذلك سينعكس على بناء السلام في مستقبل سورية، لأنه قد تتفجر الخلافات على صور انتقام شخصي أو تفجير نوع جديد من النزاعات في مرحلة ما بعد الانتقال السياسي، وهذا سيؤدي إلى انتقال غير ديمقراطي، لأنه يرسخ مبدأ الإفلات من العقاب، ويكرّس عدم احترام سيادة القانون”.

وتطرقت الندوة إلى مسألة التسوية السياسية في سورية مستقبلًا: هل ستفرض هذه التسوية حلًا لن يكون قائمًا على “العدالة الانتقالية”. وفي هذا الجانب، استبعد رضوان زيادة إمكانية تحقيق هذه التسوية بعيدًا عن “العدالة الانتقالية”، كشرط رئيسي، وقال: “إن هذه المسألة أصبحت في سورية مسألة مستحيلة، فلو كان عدد الضحايا وعدد الانتهكات أقل بكثير، فربّما، وكلمة (ربّما) تحتها خمسة خطوط حمراء، يمكن تحقيق هذه التسوية، أمّا في بلد صغير مثل سورية لا يمتلك الموارد الكافية من أجل إعادة الإعمار أو الإنعاش، فأعتقد أنه لن يتم تقديم أي دولار أميركي أو يورو أوروبي لعمليات إعادة الإعمار، دون أن يكون هناك تعامل مع قضايا العدالة الانتقالية وقضايا انتهاكات الماضي”.

من جهته، أكد شرباتي أنه لا يمكن فرض “العدالة الانتقالية” على السوريين، وأن ذلك يتم عن طريق الحوار، إذ “لا يمكن أن يكون هناك تصالح مع إرث الماضي الكبير من الانتهاكات دون أن يكون هناك نهج شامل ومتكامل للعدالة الانتقالية، يعالج كل هذه القضايا، وليس فقط التركيز على محاسبة الجناة ومعاقبتهم، ومن أجل تحقيق ذلك، لا بد أيضًا من وجود مؤسسات تحقق إرساء سيادة القانون وتضمن نفاذ هذا القانون”.

ولاقت الندوة تفاعلًا واضحًا من المتابعين الذين بدؤوا المشاركة وطرح الأسئلة على الضيوف المشاركين في الندوة، وتركزت الأسئلة حول محاور مختلفة تتعلق بملف “العدالة الانتقالية”.