حلّ الروائي السوري خالد خليفة ضيفًا على حلقة هذا الشهر من برنامج “المقهى الثقافي” التابع لمركز حرمون للدراسات المعاصرة والذي يُشرف عليه ويديره بدر الدين عرودكي.

ناقشت الحلقة التي حملت عنوان “ثنائية الحب والموت “تجربة خالد خليفة الروائية، وعوالم رواياته العديدة التي حققت نجاحًا ونُشرت في أكثر من دولة، وتُرجمت إلى اللغات الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، النرويجية، الإنكليزية والإسبانية، ولاقت اهتمامًا إعلاميًا على مستوى عالمي، وحصلت على جائزة نجيب محفوظ للرواية، ووصلت إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية، ورُشّحت لجائزة الاندبندت العالمية.

تحدث الضيف في بداية الحلقة عن بدايات تجربته في مجال الكتابة منذ أن كان يافعًا، والتي كانت مع القصائد والشعر،واعتبر أن هذه المرحلة بمثابة توطئة لدخوله عالم الرواية الذي يطمح له، ثم كتب روايته الأولى عندما كان في العشرين من عمره، ونالت استحسانًا من المقربين منه، لكن هذه الرواية لم تبصر النور لأنه أدرك أنها كما قال: “استعارت أصوات الآخرين ولم تكن روايتي بل رواية الآخرين.. وأنا كنت أريد أن يكون لي صوتي الخاص، لذا قررت عدم ترك أي أثر لها”.

بعد ذلك كتب خليفة العديد من النصوص، وكانت رواية ” حارس الخديعة” عام 1993 أول عمل روائي يُنشر له، لافتًا إلى أنه كان مخلصًا للكتابة طوال حياته ومنحها كل شيئ، وهذا الأمر “هو أحد أسرار المطبخ الروائي” على حد تعبيره.

وخلال سرده مسيرته في عالم الكتابة، تحدث خالد خليفة عن دخوله مجال العمل التلفزيوني، كوسيلة وحيدة لتأمين دخل مادي، بسبب عدم وجود صحافة  تحتض الكتّاب  والمواهب الشابة في سورية، على غرار الصحافة في لبنان ومصر ودول الخليج العربي، وكان مسلسل “سيرة آل الجلالي” للمخرج هيثم حقي الذي عُرض عام 2000،  أول عمل درامي لخليفة. وأشار  إلى أن قيامه بكتابة السيناريوهات لم يكن يتعارض مع كونه روائيًّا في المقام الأول، وأشار إلى أنه “لو خُيرَ بين الدراما والرواية لاختار أن يكون روائيًّا، لكنه، في المقابل، استفاد كثيرًا من عمله ككاتب سيناريو  لأنه وفرّ له فرصة العمل على مئات الشخصيات الدرامية، وهذا كما قال: “جزء أساسي من مهنتي ككاتب، وخطوة في طريق دخولي عالم الاحتراف في الكتابة”.

وحول أسباب دخوله عالم الرواية كشكل تعبيري دونًا عن باقي الأنواع الأخرى من العمل الأدبي والبحث الفكري والعلمي، ذكر خالد خليفة أن الرواية لها جاذبية مختلفة جعلته يلتزم بها، رغم أن حياة الشعراء كان لها “بريقها الخاص” على حد وصفه، إضافًة إلى وجود عدد من الكتّاب الذين شكلت قراءته لأعمالهم تحديًا كبيرًا له، منهم الكاتب الأمريكي وليام فوكنر، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، والكاتب السعودي عبدالرحمن منيف الذي شكلت علاقته الشخصية به حافزًا كبيرًا  له وجعلته يشعر “بأن هناك معركة تستحق أن تُقاد في هذا المكان، وأن هناك ما يستحق أن نمنحه أعمارنا”، مشيرًا إلى أن هذه الجاذبية وهذا الشغف في كتابة الرواية ما زال مستمرًا منذ قرابة 35 عامًا حتى الآن.

ووصف خليفة مرحلة كتابة الرواية بأنها مليئة بالسعادة والمتعة اللتان تتجددان كل يوم، وأشار إلى أن الصعوبة تكمن في المرحلة التي تلي الكتابة عندما تُنشر الرواية وتذهب إلى القراء، لأن الكتابة هي الشيء الوحيد في هذه الحياة الذي لا يُشعره بالملل، مضيفًا أن “هناك دوماً في نهاية كل كتاب سؤال يخطر في بالي وهو ماذا سأفعل؟”.

تحدث خليفة عن الظروف والحالة الذهنية التي يعيشها أثناء كتابته للرواية، ومراجعاته المتكررة للمسودة الأولية لكل رواية، واستعانته بآراء أصدقائه المقربين، قبل أن يختار الصيغة النهائية لها، لافتًا إلى أن رواية “لم يصل عليهم أحد” التي صدرت عام 2019 استغرقت أحد عشر عامًا من النقاش والمراجعة قبل أن تُبصر النور.

ثم جرى نقاش موسع وعميق حول رواية “لم يصل عليهم أحد” والإطار التاريخي الذي دارت حوله أحداثها التي جرت في أطراف مدينة حلب وتحديدًا عام 1907 عندما تعرضت المدينة لفيضان كبير جرف معه البشر والحجر. وأشار خليفة إلى أن هذه الرواية ليست رواية تاريخية، بل هي رواية ملحمية تطرح العديد من السرديات عبر ثنائية الحب والموت، وتصوّر ظروف العيش في حلب تحت ظل الامبراطورية العثمانية، والتحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي حدثت فيما بعد، واعتبر أن هذه الفترة كانت سببًا في كل المشكلات التي نعيشها الآن. وأنه من المهم جدًا الوقوف عند السنوات الأخيرة من تاريخ الامبراطورية العثمانية وقراءتها بدقة، لأنها تمثل بداية لمأساتنا كسوريين ولكل المشاكل التي نعاني منها حاليًا، مضيفًا أنه “من المؤسف أننا أصبحنا حاليًا نختلف على الثوابت الوطنية، إذ يجب ألا نختلف على أن العثمانيين كانوا محتلّين لأرضنا، لكننا اليوم نختلف حول ذلك، وهناك صراع إيديولوجي، وكل طرف يريد أن يلون سورية باللون الذي يريده، وهذه واحدة من الكوارث التي أصابتنا بعد الثورة السورية”.

وذكر خليفة أن مشروعه الروائي يقوم على فكرة الحفر في طريق الظلم الذي تعرضنا له كسوريين، واعتبر أن ذلك جزءًا من التزامه الإنساني كروائي، مشيرًا إلى أننا اليوم أمام تحدٍّ كبير وهو كيف ستُكتب السرديات التي حدثت الآن والتي وُثّقت، وكيف سنمنع استغلال الإيديولوجيات لهذه السرديات لأسباب ضيقة وسخيفة. وأضاف: “نحن الآن نناقش كيف سنكتب وليس ماذا سنكتب، وهناك من يريدون مصادرة الحقيقة قبل أن تجف الدماء، وأن يكتبوا السرديات كما يرونها بشكل شخصي، لذلك يجب العمل على إنقاذ الحقيقة”.

وركز النقاش على أبرزت الثيمات التي طرحتها رواية “لم يصل عليهم أحد”، منها ثيمة النضال ضد جميع محرمات المجتمع، وثيمة “الأم الفسيفساء” التي تمثل الفسيفساء النسائية في الرواية، وثيمة صناعة القديس والقداسة، ومن هو المسؤول عن هذه القداسة، وأشار خليفة إلى أن السرديات التي كان يسمعها بشكل يومي من الحكّائين البسطاء، ساهمت في تعلمه كيف تُصنع الحكاية والقداسة.

وفي الجزء الأخير، تطرق الحوار إلى التاريخ السوري المعاصر الذي جسده الروائي خالد خليفة من خلال روايته “الموت عمل شاق”، وهي عمل روائي يصور رحلة الموت بطريقة سريالية وتتحدث عن رحلة ثلاث أخوة ينقلون جثة والدهم من ريف دمشق في جنوب سورية إلى قرية العنّابية التي ينحدرون منها في ريف حلب بشمال سورية أثناء الحرب التي اندلعت بعد الثورة السورية. وذكر خليفة أنه كان حريصًا على أن تكون هذه الرواية قصيرة وتحتوي جملًا مختلفة، مضيفًا أن “كل أحد لديه رؤيته الخاصة حول كيفية كتابة الثورة والحرب والاعتقال والهزيمة، وبالنسبة لي رواية “الموت عمل شاق” هي مشروعي ورؤيتي، لكنها أصبحت عملًا منجزًا لا علاقة لي به، وحاليًا أنا أفكر في ماذا سأكتب غدًا”.

خالد خليفة: روائي سوري وشاعر وكاتب سيناريو ومقالات أدبية، ليسانس في القانون، له العديد من الروايات المطبوعة، من أبرزها “مديح الكراهية” التي مُنعت في سورية، وله رواية “دفاتر القرباط” التي تم على إثرها تجميد عضويته في اتحاد الكتاب العرب في سورية، و” الموت عمل شاق“، و” لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة“، وأخيرًا “لم يُصلِّ عليهم أحد“، كما كتب الدراما التلفزيونية مثل مسلسل (العراب – نادي الشرق)، و(سيرة آل الجلالي)، وبعض الأفلام الوثائقية والروائية.

“المقهى الثقافي” هو فضاء ثقافي جديد، يناقش مواضيع إشكالية وجدلية، في حوارات مع مثقفين وأكاديميين عرب، وله طابع ثقافي شامل، يستعرض مع ضيف كل حلقة أبرز قضايا وهموم الساعة، بسقف عال من الحرية الفكرية والتعبيرية، وينتظم بشكل دوري أول يوم خميس من كل شهر، الساعة الخامسة مساءً بتوقيت دمشق.