حلّ الكاتب والروائي اليمني حبيب عبد الربّ سروري، الخميس 4 حزيران/ يونيو، ضيفًا على الحلقة الأولى من البرنامج الحواري “المقهى الثقافي“، الذي يعقده مركز حرمون للدراسات المعاصرة ويديره بدر الدين عرودكي.

تناول الحوار في بدايته تفسير وتحليل اللقاء التاريخي الذي تم بين أحد أكبر العقلانيين والفلاسفة العرب وهو ابن رشد، وبين شيخ الصوفية العربية الإمام محي الدين ابن العربي، وأهمية هذا اللقاء التي تكمن في اختلاف كل منهما في نظرته للوجود وطريقة دراسته له. وبيّن سروري سبب الخلاف بين ابن رشد وابن عربي، قائلًا: “يتمحور الأمر حول نقطتين: الأولى منهج الوصول للمعرفة، ففي تلك الفترة كان هناك منهجان: الأول مبني على العرفان الصوفي أو الفيض الإلهي، والثاني منهج العلم العقلي النظري الذي يعتمد على البرهان. وكان ابن عربي من أنصار المنهج الأول، إذ كان يرى أن الصوفية هي الوسيلة الأولى للوصول إلى المعرفة، وأن العقل مجرد تابع للموضوع، بينما كان ابن رشد على عكسه تمامًا، يؤمن بالعلم والعقل والفكر كوسيلة أساسية للوصول إلى المعرفة، ويرى أن الصوفية وسيلة لتحسين الأخلاق وتهذيب النفس، لا أكثر. أما النقطة الثانية فهي مسألة الحشر الجسماني والحشر الروحاني، حيث كان ابن رشد يعتقد بالحشر الروحاني، وبأن الأجساد تحشر كأرواح. وخلال اللقاء الذي جمعهما، سأل ابن رشد الإمام ابن عربي عن هذه المسألة المتعلقة بالحشر الروحاني؛ فأجابه ابن عربي: (نعم) أي أن الحشر كما يعتقد ابن رشد روحاني، ثم عاد وقال له: (لا)، بمعنى أنه لا يوجد دليل على أن الحشر الجسماني غير موجود، وقد كان ابن عربي يجيد كثيرًا جمع التناقضات، وتجلى ذلك واضحًا في إجاباته لابن رشد”.

وتطرق الحوار إلى الواقع الذي نعيشه حاليًا في عالمنا العربي، سواء على صعيد الأمية، أو مستوى الإيمان بكل ما يمكن أن يكون بعيدًا عن التاريخ والحقائق، وكيفية التوفيق بين استخدام منهجَي العقل والفيض الإلهي، لتخليص الناس من الخرافات التي يؤمنون بها. وحول ذلك، قال سروري: “أحد الحلول -في رأيي- هو إعادة إحياء فكر هذه الرموز العظيمة، كابن رشد وابن عربي وأبي العلاء المعري، ما قد يسمح للقارئ والمواطن العربي بمعرفة أن هناك مرجعية مرتبطة بالعقل وبالانفتاح على الآخر، وأنها آتية من تاريخنا، وهي المرجعية الحقيقية، وهناك كثير من أفكار أبي العلاء المعري تسمح لنا بالربط بين الماضي والحاضر والمواءمة بينهما، وهي أقرب للعصر الحديث، وهي ما نحتاج إليه اليوم بشكل حقيقي.. أعتقد أن علينا إعادة كتابة تاريخنا بمفعول رجعي، لأن تاريخنا يُقرأ بناء على ما كُتب قبل قرون، وبطريقة تسخر من العقل، وتخاطب فئة معينة فقط وليس كل المجتمع، من أجل تجنيد هذه الفئة وتهيئتها لقبول الاستبداد والجهل”.

وفي سؤال حول الصراع ما بين العقل وما وراء العقل، وضرورة الرواية في سرد مثل هذا الصراع، وإن كان هناك أشكال أخرى من التعبير غير الرواية، أجاب سروري: “نستطيع القول إن الرواية تحشر أنفها في كل شيء، وإنها موجودة في كل زمان ومكان، وهي تخاطب كل شيء: الأحاسيس والعقل والخيال حتى علاقتنا باللغة. وقد لعبت الرواية دورًا كبيرًا في عصر التنوير وما بعده، في خلق التفكير الإنساني لدى الناس والتمثل بالآخر، وغيّرت الرؤية الأخلاقية والإنسانية للبشرية، فعندما نتكلم على الظلم والجهل من وجهة نظر الرواية، نستطيع أن نمسّ جانبًا في النفس، لا يستطيع أن يمسّه تقرير أو دراسة أو بحث علمي، لذا هي ضرورية في كل شيء، وهذه هي روعة الرواية. وأعتقد أنه لا يوجد مجال لا تستطيع الرواية الخوض فيه، بل على العكس، كلما خاضت الرواية في مجال؛ أصبحت قادرة على تقديم جديد لا يمكن لمجالات المعرفة الأخرى أن تقدمه”.

كما تحدث الروائي سروري عن روايته (ابنة سوسلوف) التي خاض من خلالها في تاريخ اليمن المعاصر وتاريخ عدن، من الحقبة السوفييتية حتى فترة ما بعد الربيع العربي، من خلال حبيبين يمنيين: عمران العلماني وفاتن ابنة الماركسي سوسلوف، التي أصبحت فيما بعد سلفية، وبدّلت اسمها إلى “أمة الرحمن”، وتحدث فيها عن التباين الأيديولوجي الديني والعلماني، وإخفاقات الثورات العربية وتفسخ الصراع السياسي ونشوء الحروب الطائفية، من منظورين مختلفين، من المنظور العلماني لعمران والمنظور السلفي لفاتن.

وفي المحور الأخير، قدّم سروري لمحة مختصرة عن روايته الجديدة التي ما زالت قيد الطباعة، وقال: “قبل مجيء وباء كورونا، كان العالم قد وصل إلى طريق مسدود، بسبب النيوليبرالية والأسواق المالية وتأثيرها على العالم، وصنّاع القرار يعرفون ذلك جيدًا، حيث اللامساواة كبيرة جدًا والقطاع الطبي مهمل كثيرًا، وغيره كثير من الأزمات الأخرى، ما أوصل العالم إلى طريق مسدود. وروايتي الجديدة تتحدث عن بعض الهموم الكبرى لهذا العالم، كالتجسس على الناس، وهو موجود عام 2001 وتحديدًا بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وهناك كثير من المشاريع الأميركية الضخمة التي تعمل في هذا المجال، فهي رواية مرتبطة بما يحصل في واقعنا، ولكن على صعيد عالمي”.

وفي الختام، أجاب الضيف على عدد من أسئلة المتابعين وتعليقاتهم، وفي سؤال حول دور المثقف العربي حاليًا في التحوّلات والتحديات التي تواجه المجتمع العربي، أجاب سروري: “الطريق الذي من المفترض أن يسلكه المثقف العربي، في محاربة الاستبداد والوقوف مع الحريات وعدم محاباة الحاكم، هو طريق صعب جدًا، بسبب الأنظمة القمعية في المنطقة العربية. ولكي يصل المثقف إلى غايته، يجب أن يكون واضحًا برؤيته ومتسلحًا بعقلية حديثة”.

وعن حضور اليمن في رواية سروري، أجاب قائلًا: “اليمن حاضر بقوة في أعمالي الروائية، ففي أول عمل روائي لي، جسّدتُ اليمن بكل همومها وأوجاعها والهزيمة التي يعانيها المواطن، وأيضًا رواية (طائر الخراب) شرحت كل الخراب الذي عاشته اليمن في السبعينيات والثمانينيات. لذا أستطيع القول إن اليمن حاضرة جدًا، وموجودة في كل صفحة من صفحات رواياتي”.

وحول أسباب محاربة منهج العقل في زماننا والسبيل إلى جعله مرجعية، أجاب سروري: “في فترة معينة، كانت هناك صراعات فكرية كبيرة جدًا، وأعتقد أن التيار الذي بدأ بأبي حامد الغزالي، وبرؤية معينة تكفيرية مغلقة كان أقوى وأكثر عنفًا، وبعد ذلك جاءت ظروف تاريخية كبرى، منها فترة الإمبراطورية العثمانية التي لعبت دورًا في التأخر، واستيقظنا بعد قرون لنجد أنفسنا في الظلمة، بعد أن كنا في القمة وبقوة. ولكن أرى أننا، بالحديث عن هذه الأمجاد ومحاولة استعادتها، ربما نستطيع فتح ثغرة، بالاستفادة من شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فمشكلتنا -العرب- أننا دائمًا منعزلين وبعيدين عمّا يحصل في العالم الخارجي، ولدينا جهل كلي بالآخر، وكأننا ندور في حلقة مفرغة حول أنفسنا، وهنا يأتي دور المثقف في محاولة فتح الثغرات، لكي يستطيع الإنسان أن يرى الآخر ويقارن نفسه به”.

حبيب عبد الرب سروري أحد أهمّ الروائيين اليمنيين والعرب المخضرمين. من مواليد 1956 في عدَن. بدأ كتابة الشعر في الرابعة عشرة، انشغل بالدراسة والبحث الجامعي في باريس وروان، حتى صار بروفيسورًا في الذكاء الاصطناعي في 1992، ثم عاد بعدها للنشر الأدبي، له تسع روايات بالعربية، آخرها (وحي)، التي نالت جائزة كتارا 2019، تُرجِم بعضها إلى أكثر من لغة، وله كتب فكرية مثل (لا إمام سوى العقل)، و(لنتعلم كيف نتعلم). أدار فريق أبحاث جامعي ومشاريع تساهم فيها فرق جامعية متعددة، ونُشر له أكثر من 120 بحثًا في مجلات ومؤتمرات علمية دولية محكّمة متخصصة، وبضعة كتب علمية بالفرنسية والإنجليزية؛ وتحوّل إثر ذلك إلى ما يُسمّى بالنظام الأكاديمي الفرنسي: “بروفيسور جامعي من الدرجة الأولى”.