أقام مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الثلاثاء 6 نيسان/ أبريل 2021، في إطار الذكرى العاشرة للربيع العربي، ندوة بعنوان “الربيع العربي ومطلب الديمقراطية”، شارك فيها كل من أسماء نويرة (تونس)، فاروق مردم بك (سورية)، وخليل العناني (مصر)، وأدارتها الإعلامية السورية ديمة ونوس.

تناولت الندوة موضوع الانتفاضات العربية، ومطلب الديمقراطية الذي كان أساس شعار الحرية والكرامة الذي رفعته جماهير الانتفاضات في مختلف بلدان الربيع العربي، ومن هم أنصار الديمقراطية ومن هم أعداؤها، وكيف تجلى خلال هذه الانتفاضات تبني القوى المساهمة فيها للقيم الديمقراطية، سواء في شعاراتها أو في ممارساتها، والعوامل التي ساهمت في تنمية الاتجاهات المعادية للديمقراطية في ثورات الربيع العربي، ولا سيما من خلال التطرق إلى دور العسكر والصراع المسلح، فضلًا عن دور الإسلام السياسي في بلدان الربيع العربي.

في بداية الندوة، تم تسليط الضوء على التجربة التونسية خلال ثورات الربيع، وأبرز ما يميزها عن باقي بلدان الربيع، ثم ناقشت الندوة مسألة أبرز أعداء الديمقراطية في التجربة التونسية.

وحول ذلك، ذكرت أسماء نويرة أن التجربة التونسية كانت مختلفة عن غيرها من تجارب الربيع العربي، لأن الظروف كانت مختلفة، وأشارت إلى أنه ليس من السهل تحديد أعداء الديمقراطية من أنصارها، سواء في تونس أو في غيرها من بلدان الربيع العربي، وأضافت أنه من الممكن أن يكون مناصرو الديمقراطية هم أعداءها في الوقت نفسه، إضافة إلى من يجاهر في معاداته للديمقراطية من منطلق أيديولوجي، وبالتالي ليس من السهل التمييز بين مختلف الفاعلين في هذا المنطلق، سواء أكانوا أعداء أم أنصارًا.

وتابعت أن من يجاهرون في عدائهم للديمقراطية هم أيضًا يستفيدون منها، ومثال ذلك الحركات الدينية السلفية، أو حزب التحرير، وهناك تيارات غير دينية تجاهر وتقول إن هذه التجربة غير مرغوب فيها في تونس، ومع ذلك هم من استفادوا أولًا من هذه الديمقراطية التي تمكن من الوصول إلى السلطة وسدة الحكم، وأوضحت أن الإشكال في من لا يؤمن بالديمقراطية كقيم، لأنه سيقف ضدها على هذا المستوى.

وتحدثت نويرة عن الطريقة التي عبّرت بها قوى الثورة التونسية عن “قيم الديمقراطية” في الممارسة، لا من خلال الشعارات، وأوضحت أن النخب السياسية المعارضة أو الناشطة في المجال السياسي قبل العام 2011، كانت مشبعة بقيم الاستبداد، وبعد 2011، وجدنا أن هذه النخب بقيت تحمل هذه الثقافة، وبالرغم من أنها لعبت دورًا مهمًا في الانطلاق في تجربة الانتقال الديمقراطي، فإنها بقيت تتعامل بالآليات التي كانت تتعامل بها وقت الاستبداد، وأوضحت أنها تتحدث عن كل النخب، بمختلف مشاربها الفكرية سواء اليسارية أو الإسلامية.

وتابعت أن من مزايا التجربة التونسية أن قوى الثورة التونسية بمختلف فئاتها قبلت بالتفاوض، وهي في صلب العمل الديمقراطي، حتى تتجاوز الأزمات والخلافات السياسية، وأشارت إلى أن هذه القوى انقسمت، فهناك من ركّز العمل في إطار المجتمع المدني، وفي محاولة مناصرة قضايا حقوق الإنسان والحرية، والعمل على استصدار قوانين سواء على المستوى الدستوري أو القانوني لتكريس الحقوق والحريات، لكن أهمّ القوى الفاعلة انخرطت في مسار العمل الديمقراطي، من خلال الانخراط في الانتخابات والقبول بنتائجها، وأيضًا هناك عمل على مستوى المجتمع المدني وعلى مستوى الأحزاب السياسية، في محاولة بث ثقافة سياسية جديدة قد تستوعب القيم الجديدة المتعلقة بالديمقراطية.

وأشارت إلى أن ما يميز الثورة التونسية هو أن المؤسسة العسكرية لم تتدخل في الشأن السياسي، بل وقفت إلى جانب المتظاهرين، وكان لها دور إيجابي في الثورة في تونس، وأوضحت أن نظام حكم “بن علي”، مع أنه أتى من المؤسسة العسكرية، أقام نظامًا بوليسيًا وترك الجيش على الحياد، ولم تكن المؤسسة العسكرية تتدخل في السياسة إلا بطلب من السلطة المدنية.

وتناولت الندوة المفهوم الديمقراطي والتعددية السياسية في الحالة المصرية، خلال ثورات الربيع العربي، وذكر خليل العناني أن هناك أزمة حقيقية في فهم الديمقراطية في العالم العربي، وهي أزمة مركبة، ليس مصدرها سياسيًا نتيجة للاستبداد فحسب، بل لها أبعاد اجتماعية وثقافية، وأضاف: “نحن في العالم العربي لم نعش على الإطلاق تجربة ديمقراطية، ولدينا وفرة في الاستبداد وشحّ وندرة في الديمقراطية، وبالتالي هذا ليس مستغربًا، وبالرغم من تجارب انتقالات الربيع العربي، فإن تجارب الانتقال الديمقراطي لم تكن ناجحة، باستثناء التجربة التونسية”، وأكد أن الربيع العربي -عمومًا- لم يفضِ إلى ديمقراطية حقيقية.

وتابع العناني القول: بالنسبة إلى الحالة المصرية، فإن النخب المصرية بمختلف تنوعها: إسلامية، علمانية، ليبرالية، يسارية، فشلت فشلًا ذريعًا في أول اختبار حقيقي للديمقراطي، وهذا الفشل جزء منه متعلق بـ “تركة الاستبداد”، وقال: “نحن في مصر نُحكم بحكمٍ عسكري صريح وواضح، ومصر لم تعرف الديمقراطية على مدار 70 عامًا على الأقل، بل أكثر من ذلك على مدار 200 عام، منذ أن نشأت ما يسمى الدولة الحديثة في مصر تحت حكم محمد علي 1805، والسرّ في ذلك أن المجتمع لم يكن حاضرًا يومًا في رسم ملامح هذه الدولة، فالمجتمع المصري يُسحق، وليس هو فقط من يُسحق، وإنما المجتمعات العربية الأخرى كذلك”.

وذكر العناني أنه منذ اليوم الأول لسقوط الرئيس حسني مبارك، تم وضع المصريين تحت رحمة المؤسسة العسكرية التي قادت الانتقال الديمقراطي في مشهد غريب وعجيب، وأثارت كثيرًا من التساؤلات، وأبرزها: “كيف يمكن لثورة أن تعطي مفاتيحها إلى ألدّ أعدائها وخصومها؟”، وأضاف: كان هناك حالة من الثقة المطلقة في المؤسسة العسكرية، ولم يتم الالتفات إلى ما وصفه بـ “الخطر الداهم”.

وتابع أنه منذ 19 آذار/ مارس 2011، عندما تم الاستفتاء على تعديلات دستورية معينة، انقسم الشارع المصري ما بين مؤيد لها ومعارض لها، واستخدمت لغة أبعد ما تكون عن اللغة التوافقية، أي لغة تقسيم وانقسام، وأوضح أنه على سبيل المثال بعض السلفيين والإسلاميين طالبوا بأن يكون هناك انتخابات قبل الدستور، وقالوا إن من يصوت ضد ذلك، فإنه يصوّت ضد الدين، “في مشهد هزلي إلى حد بعيد”، أمّا الرأي الآخر، فكان يقول إنه يجب أن يتم الاتفاق على الدستور أولًا، ومن ثم يتم التوجه إلى الانتخابات بعد ذلك، وقد حسم الأمر في نهاية التصويت أن كثيرين توجهوا إلى الانتخابات، وكان ذلك خطأ كبيرًا جدًا، بمعنى كيف يتم الذهاب إلى الانتخابات، في ظل وجود خلل في الأوزان السياسية، خاصة أن الإسلاميين لهم الوزن الأكبر.

وتابع العناني أن ما جرى هو جزءٌ من العملية الديمقراطية، لكن أثناء الانتقال الديمقراطي لا يكون الاحتكام إلى الصندوق هو الحل الأمثل، وإنما التوافق هو الأصل في المسألة، بمعنى أنه من الصعب أن يتذرع البعض بشرعية الصندوق أثناء الانتقال الديمقراطي، لأن ذلك قد يدفع فئات معينة إلى عدم المشاركة نتيجة ضعفها. وأوضح أن “شباب الثورة المصرية”، على سبيل المثال، لم يتمكنوا من إقامة أحزاب، مع أنهم العامل الرئيس للثورة المصرية، وذلك بسبب الإسلاميين الذين كان لهم حضور سياسي بعد الثورة، على حساب القوى الأخرى غير المنظمة، وأكد أنه في مرحلة الانتقال الديمقراطي يفضل أن يكون هناك نظام انتخابي يضمن تمثيل الجميع، ولكن ما حدث في مصر لم يكن كذلك، إذ لم يتم التركيز على قضايا تجمع الناس، بل على ما يفرق الناس، وما يضيق صدورهم في الصراع السياسي، لينتهي الأمر إلى “انقلابٍ التَهم الجميع”.

وبالانتقال إلى التجربة السورية، من بعد عشر سنوات على انطلاق الثورة السورية، وما رافقها من تجارب قاسية ومن دمار، تحدث فاروق مردم بك عن الديمقراطية وعن أنصار الديمقراطية في القضية السورية، وأضاف أنه لو عدنا إلى الوراء، وتحديدًا منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، فإن التيارات السياسية والفكرية الأقوى في البلاد (الإسلامي، القومي، واليساري) لم تشم رائحة الديمقراطية، حتى إن أنصار تلك التيارات الذين انحازوا فيما بعد إلى الديمقراطية كانوا على استعداد للتضحية بها، من أجل أهداف يعتبرونها أسمى، مثل “الوحدة العربية، التحرر الوطني، والعلمانية”.

وأعرب عن اعتقاده بأن جميع من رفع شعارات “الحرية، الكرامة، والعدالة الاجتماعية” في بلادنا، حتى لو لم يكونوا قد قرؤوا عن الديمقراطية في كتب الفقه الدستوري والعلوم السياسية، كانوا ديمقراطيين فعلًا، أمّا الآخرون الانتقائيون في حقوق الإنسان وفي دعم الديمقراطية.. إلخ، فهم من “أعداء الديمقراطية”، إذ لا يمكن أن يكون الشخص ديمقراطيًا في بلده، وأن يكون ضدها في بلد ثانٍ، أو أن لا يكون ديمقراطيًا عندما يتعلق الأمر بتياره السياسي، ولكن من الممكن أن يقبل بانقلاب الحكم في بلد آخر.. إلخ، أي أن المشكلة هي بمفهوم الديمقراطية.

ورأى مردم بك أن سورية منذ العام 1958 (منذ الوحدة السورية المصرية) لم تعرف السياسة، ولم يكن هناك حياة سياسية في سورية، ما عدا السنوات الثلاث التي تسمى بـ “عهد الانفصال” التي انتهت بانقلاب البعث عام 1963، وتابع أن الديمقراطية لا تهبط من السماء، بل هي ثقافة تكتسب بالتجربة وبالصراع السياسي والفكري في ظروف تعددية، وهذا ما لم نكن نعرفه في سورية، ولذلك لم تترسخ في ضمير الناس كما يجب، ولم تتبلور بعد الثورة السورية أيضًا من خلال برنامج ديمقراطي.

وتابع القول: كانت هناك ممارسات ديمقراطية حقيقية في الداخل السوري، خلال الثورة السورية، ولكنها لم تدم طويلًا، ففي الأشهر الأولى من الثورة حدث في سورية ما حدث في مصر وتونس، من حالة الالتحام والانصهار الشعبي في الميادين والساحات والشوارع بشكل رائع. وأشار إلى أن الناس العاديين مارسوا الديمقراطية من خلال “التنسيقيات القاعدية في سورية” التي كانت تجربة مهمة، لكنها لم تدم سوى بضعة أشهر، لأن الناشطين فيها اعتُقلوا وقُتلوا بالآلاف، ولأن تنظيمات خارج سورية تجاوزتها، مثل “المجلس الوطني ثم الائتلاف الوطني.. الخ”، وكانت بطبيعة الحال ولضرورة وجودها في الخارج تحت رحمة الدول “المعيلة”.

ولفت النظر إلى أن التجربة الديمقراطية الثالثة والمهمّة أيضًا، وهي تجربة “الإدارة المحلية” في بعض المناطق المحررة في سورية، أيضًا لم تدم طويلًا، خاصة بعد سيطرة الجماعات الإسلامية الجهادية، كـ “جبهة النصرة، وجيش الإسلام”، وغيرها. وتابع قائلًا: “من الأسباب التي لم نستطع فيها تأسيس شبكات حقيقية للمعارضة، تقوم على أساس برنامج عام بشعارات عامة، الحذرُ الشديد لدى الشباب من السلطة، فهم يرفضون التنظيم ويرفضون الأيديولوجية، ويريدون نوعًا من أنواع الديمقراطية المباشرة، ولذلك ليس عندنا مطلب ديمقراطي له عمود فقري سياسي، ولكنه نزعة حقيقية وعميقة عند قطاع واسع من الشعب السوري وخاصة عند الجيل الشاب نساء ورجالًا”.

وفي ردّ على سؤال: إلى أي درجة تتوافق الأحزاب الدينية الإسلامية مع مبدأ الديمقراطية والتعددية؟ وإن كانت تتنافى معها، فما إمكانية قيام أنظمة ديمقراطية علمانية تفصل الدين عن الدولة في بلداننا العربية؟ أجاب مردم بك أن “تجربتنا في سورية مع التيار الإسلامي السياسي كانت تجربة مُرّة، وأعتقد أن هذه هي الحال في مصر أيضًا، ففي الخمسينيات كان تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون) يشارك في الانتخابات والحياة السياسية، وكانت لهم صحفهم، ولم تعرف عنهم أعمال عنف أو خروج على الدستور أو القانون، وكان خطابهم الديني معتدلًا إلى حد بعيد، وشاركوا أيضًا في الاعتراض على حكم البعث، ثم انشق جناح منهم وارتكب أعمال عنف وأعمالًا طائفية في سورية، بدءًا من عام 1978، وأدى ذلك إلى قمع وحشي لجميع القوى السياسية والنقابية والفكرية في سورية في بداية الثمانينيات”.

وتابع: “في بداية ربيع دمشق، أطلق الإخوان المسلمون وعودًا بأنهم سوف يلتزمون بالديمقراطية، ولكنهم في مناسبتين من المناسبات تخلوا عن وعودهم، وبعد اندلاع الثورة السورية، كانت ممارساتهم عقيمة جدًا، إذ أرادوا وضع يدهم على المجلس الوطني، علمًا أن ذلك لم يكن في مصلحتهم ولا من مصلحة الثورة، وكان من الأفضل أن تتصدر المجلس قوى أخرى مدنية، تكون معروفة بموقفها الذي يدعو إلى شكل من أشكال فصل الدين عن الدولة، لكن ذلك لم يحدث، ما أدى إلى مصائب كثيرة”.

وختم قائلًا: إن السؤال الأبرز “هل يمكن التعاون مع قوى الإسلام السياسي؟ إنما يتعلق بهذه القوى وبالقوى السياسية الأخرى، ويتعلّق في وجود استعداد لبناء جسور لمناقشات جدية عميقة دون تنازلات لا معنى لها، من أجل الوصول إلى صيغة ما للتعاون في المستقبل”.

أسماء نويرة: دكتورة في العلوم السياسية، أستاذة محاضرة في كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، تتنوع اهتماماتها البحثية بين دراسة العلاقة بين الدولة والدين وقضايا الانتقال الديمقراطي والانتخابات والأحزاب السياسية وقضايا النوع الاجتماعي.

فاروق مردم بك: مؤرخ ومترجم سوري، درس الحقوق في جامعة دمشق، ثم العلوم السياسيّة، ومناهج التاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعيّة، في جامعات فرنسا، كان مديرًا لمجلة الدراسات الفلسطينية الصادرة بالفرنسية، ومستشارًا لمعهد العالم العربي في باريس، ويعمل الآن في دار نشر “أكت سود”. نشر بالفرنسية، مؤلّفًا ومُترجمًا ومًحرّرًا، نحو عشرين كتابًا.

خليل العناني: أستاذ العلوم السياسية المشارك بمعهد الدوحة للدراسات العليا، وباحث في المركز العربي للأبحاث في واشنطن. درّس سابقًا في عدد من الجامعات، منها جامعة جورج تاون، وجامعة جونز هوبكنز، وجامعة جورج واشنطن، وجامعة جورج مايسون بالولايات المتحدة، وجامعة دورهام ببريطانيا. وكان أيضًا كبير الباحثين في معهد بروكينجز للأبحاث، ومعهد الشرق الأوسط بواشنطن. وله العديد من الكتب والدراسات.