أقام مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، الثلاثاء 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، ندوة بعنوان: “الدور الإسرائيلي في المسألة السورية“، قدّمها الأكاديمي والباحث السوري عزام أمين، والسياسي والدبلوماسي السابق نصر أبو نبوت، وأدارتها ناديا كمال الدين الإعلامية في شبكة الجزيرة، وشارك فيها عبر الفيديو كل من: الناشطة الإعلامية حنين السيد من إدلب، والشاعر والأسير السابق ياسر خنجر من الجولان المحتل.

ناقشت الندوة الدور الإسرائيلي في المسألة السورية، خصوصًا بعد العام 2011، إضافة إلى تحليل هذا الدور، لا سيّما أنه اتسم بالغموض في بعض الأوقات، وسعت لمعرفة دوافع المصلحة الإسرائيلية في بقاء نظام الأسد، وطبيعة النشاط الذي تقوم به إسرائيل بالتنسيق مع روسيا في الجنوب السوري، خصوصًا بعد عودة كثير من المناطق إلى سيطرة النظام السوري.

استهلّ عزام أمين الندوة بالحديث عن أكذوبة المقاومة والحرب مع إسرائيل، التي كرّسها النظام منذ أوائل السبعينيات حتى الآن، وعن عدم قدرة النظام على مواجهة إسرائيل المتفوقة عسكريًا، بسبب عجزه عن دفع فاتورة هذه الحرب، إضافة إلى عدم وجود واقع اقتصادي يسمح له بدخول هذه الحرب وكسبها، وعدم قدرته في الوقت ذاته على الدخول في معاهدة سلام، بسبب استثماره خطاب المقاومة والممانعة على مدار أربعين عامًا خطابيًا فقط، واستخدام هذا الخطاب للتضييق على الشعب السوري، اقتصاديًا واجتماعيًا، وإذلاله وسلبه حريته. وأشار أمين إلى أن حالة القهر التي عاشها الشعب السوري في تلك المرحلة لم تكن لتسمح له بأن يتبنى فكر المقاومة والممانعة، ومع ذلك بقي النظام متمسكًا بهذا الخطاب إعلاميًا فقط، من دون أي مفاعيل على أرض الواقع.

وبدوره، تحدث نصر أبو نبوت عن أبرز المواقف السياسية الإسرائيلية المساندة للنظام السوري، وعن مصلحة إسرائيل في بقاء بشار الأسد في السلطة، وذكر أن المصالح المشتركة بين النظام وإسرائيل تعود لأواخر الستينيات، عندما كان حافظ الأسد وزيرًا للدفاع، وأعطى الأوامر خلال حرب الـ 67 بانسحاب القوات السورية من هضبة الجولان وتسليمها للقوات الإسرائيلية، مقابل تسلمه للسلطة في أوائل السبعينيات. وأضاف أبو نبوت: “نستطيع أن نستنتج أن لإسرائيل مصلحة في بقاء هذا النظام، لأن وجوده كان مخططًا له ومدروسًا بعناية، وفي المقابل، هذا النظام لا يمتلك أي شرعية، لأنه جاء نتيجة انقلاب عسكري، لذا هو بحاجة إلى من يحميه ويحافظ على بقائه في السلطة”. وتطرق إلى الحديث عن الدعم الإسرائيلي للنظام السوري بعد انطلاق الثورة السورية، سواء بشكل مباشر أو عن طريق الحلفاء، كأميركا وبعض الدول الأوروبية، الذين عملوا على استيعاب الثورة، واتخذوا العديد من الإجراءات التي ساهمت في دعم النظام، منها منع تسليح فصائل المعارضة بالسلاح النوعي، وإعاقة أي تقدم عسكري للمعارضة عن طريق توجيه ضربات عسكرية للمناطق التي يتقدم فيها الثوار. وفي السياق ذاته، سلّط أبو نبوت الضوء على الخدمات التي قدّمها النظام لإسرائيل، منذ عهد الأسد الأب، وأهمها وأبرزها قيام النظام السوري بالتدخل في لبنان، والقضاء على الفصائل الفلسطينية في لبنان بعد عام 1975، حيث كانت جبهة لبنان في ذلك الوقت جبهة مقاومة حقيقية، وتم تنفيذ العديد من العمليات داخل الأراضي المحتلة، لكن دخول الجيش السوري أوقف هذه العمليات.

في المقابل، رأى عزام أمين أن لإسرائيل مصلحة في إطالة حالة الحرب في سورية، وأنها لم تكن تريد أن ينتصر طرف على آخر، مستدلًا على ذلك بمذكرات السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن، ميشيل أورين، التي ذكر فيها أن إسرائيل منعت الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من ضرب النظام السوري عام 2013، لأنها لا تريد لهذه الحرب أن تنتهي، كي يُستنزف الشعب السوري ويتفكك المجتمع، بغض النظر عن مصالحها السابقة في حماية حدودها.

وفي مداخلة عبر الفيديو من محافظة إدلب في الشمال السوري، تحدثت الناشطة حنين السيّد عن وقوف الثورة السورية إلى جانب قضايا العدالة والحق المتعلقة بالشعب الفلسطيني والشعوب الأخرى، وأكدت حقّ الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال، وعبّرت عن رفض السوريين للقبول بإسرائيل كمخلص من النظام، لأنها لا تقلّ إجرامًا عن نظام الأسد، ولا يمكن الثقة بها، كما لا يمكن التطبيع معها بأي شكل من الأشكال.

من جانب آخر، نفى أمين أن يكون لإسرائيل أي مصلحة أو دور في إيجاد حل سياسي في سورية وانتقال حقيقي للسلطة على أسس ديمقراطية، مبينًا أن تصريحات معظم المسؤولين الإسرائيليين تدلّ على رغبة إسرائيل في بقاء هذا النظام الذي حافظ على أمن حدودها طوال أربعين عامًا، ولذلك لن تسعى لإيجاد أي حل سياسي يُخرج النظام من السلطة. ومن ناحية أخرى، أكد أمين أن الشعب السوري يرفض رفضًا قاطعًا فكرة التطبيع، لأن الموقف من القضية الفلسطينية ليس موقفًا سوريًا أو عربيًا فقط، بل هو موقف إنساني أيضًا، لافتًا إلى أن الواقع المأساوي الذي يعيشه السوريون والشباب العربي، في المنطقة عمومًا، لم يُفقدهم اهتمامهم بالقضية الفلسطينية، مستدلًا على ذلك بنتائج استطلاع المؤشر العربي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، حيث جاء فيه أن 88 بالمئة من الشباب العربي يرفض الاعتراف بإسرائيل.

وتحدث أبو نبوت عن الموقف الإسرائيلي السلبي من الثورة السورية، وكيف قامت بدعم النظام بشكل مبطن، بناء على بعض الوقائع التي شهدها الجنوب السوري، منها تجنيد إسرائيل بعض الفصائل العاملة في المنطقة لمراقبة ميليشيا “حزب الله”، وكذلك استقبالها بعض الجنود الجرحى، وإرسال مساعدات إنسانية للقرى المحاذية للحدود الإسرائيلية والمحاصرة من قبل النظام، الذي استغل هذه الحوادث لتعزيز ودعم سرديته: أن فصائل المعارضة الموجودة في المنطقة عميلة لإسرائيل. وفي سياق آخر، علّق أبو نبوت على مسألة التطبيع، وأكد أن إسرائيل لن تقبل بتغير النظام دون الموافقة على التطبيع، مستغلة الظرف المأساوي للشعب السوري الذي أصبح لديه أولويات واهتمامات جديدة فرضتها الحرب، من أجل ابتزازه ودفعه إلى قبول التطبيع.

أعقب ذلك مداخلة عبر الفيديو من الجولان المحتل، للشاعر والأسير السابق ياسر خنجر، تحدث فيها عن تداعيات التطبيع مع إسرائيل، وأكد أن التطبيع يحمل موافقة ضمنية على سلوكات إسرائيل، وتعزيزًا لقوتها ودورها، كقوة غاشمة تتعمد فرض إرادتها على السكان في كل بقعة تحتلها، تمامًا كما يفعل النظام السوري وبقية الأنظمة العربية، مع فارق واحد هو مراعاة إسرائيل لحقوق الإنسان في بعض المناطق التي تريدها، وفق ما تفرض مصلحتها، بينما الأنظمة العربية لا تأخذ مفاهيم حقوق الإنسان بعين الاعتبار نهائيًا. كما تحدث الضيف عن القمع والتغييب الذي يتعرض له أصحاب الأصوات والطروحات النضالية في الجولان، خاصة في السنوات العشرة الأخيرة، وعن ارتباط قضية الخلاص من إسرائيل بفكرة التحرر من النظام السوري أولًا، على أمل أن يكون هناك فرصة قادمة لعودة الشعب السوري للنضال ضد العدو الإسرائيلي، وهم مواطنون أحرار.

وتحدث أبو نبوت في ختام الندوة عن دور وتداعيات التنسيق الدبلوماسي بين روسيا وإسرائيل في الجنوب السوري، وعن التفاهمات الدولية التي أجرتها روسيا كي تصبح اللاعب الأساسي على الأرض، مقابل تقديم ضمانات بحماية الحدود الإسرائيلية من الميليشيات الإيرانية، وعن حجم التهديد الذي يشكله الوجود الإيراني في الجنوب لإسرائيل، والتحالفات الجديدة وإعادة تقسيم الأدوار والقوى في هذه المنطقة.

في الختام، تبادل الضيفان وجهات النظر حول إمكانية قبول إسرائيل بإيجاد حل سياسي في سورية وانتقال حقيقي للسلطة، وإن كان هناك أي مصلحة لإسرائيل في قيام أنظمة عربية ديمقراطية في المنطقة، وأعقب ذلك نقاش وردود على أسئلة المتابعين وتعليقاتهم.