عقدمركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، يوم الثلاثاء 23 شباط/ فبراير 2021، ندوة بعنوان التغيير الديموغرافي في سورية: الحجم والمخاطر، شارك فيها كلّ من خالد المطلق الضابط المختص في الشؤون العسكرية والأمنية؛ شيماء البوطي عضو أمناء رابطة كرامة لحقوق اللاجئين؛ وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

سلّطتالندوة الضوء على حقيقة التغيير الديموغرافي، كإستراتيجية للنظام السوري وحلفائه، وحجمه ووسائله وتجلياته وأسبابه، من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية. وناقشت علاقة مصادرة الأملاك والتدمير الشامل والقمع المفرط واتفاقات التهجير بعملية التغيير الديموغرافي. وطرحت أسئلة عدة تتعلق بهذا الموضوع: كيف يتم توظيف التغيّرات الديموغرافية في سورية للاستفادة منها في تمويل اقتصاد الحرب؛ وهل شمل التغيير الديموغرافي المؤسسة العسكرية والأمنية؛ وما حقيقة وجود الإحلال السكاني والتجنيس للأجانب؛ وهل إطالة أمد الحرب هي جزء من إستراتيجية التغيير الديموغرافي؟ وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالموضوع.

في بداية الندوة، تحدث خالد المطلق عن الإجراءات التي بدأها حافظ الأسد منذ العام 1963 بعد انقلاب حزب البعث على السلطة وتسلّمه السلطة، لترسيخ حكمه واستخدام طائفته لحماية أسرة الأسد، واستمرّت هذه الحال 50 عامًا، ومن بعدها جاء ابنه بشار ليستمر في الحفاظ على عرش آل الأسد لمدة 20 عامًا أخرى، وذلك بواسطة “القوة الناعمة” التي استطاع من خلالها حافظ الأسد حشد كثير من “الكونتونات الطائفية” حول مدينة دمشق، واستطاع أن يحيطها بكثير من أبناء الطائفة العلوية، إضافة إلى زجّ رجالات هذه الطائفة في أهمّ مؤسستين رئيسيتين في الدولة السورية: “الجيش والأمن”.

وأضاف أن حافظ الأسد استغل وجوده وزيرًا للدفاع، وبدأ تنسيب شباب الطائفة العلوية إلى الجيش، واعتمد على أذرعه الأمنية، وبالتحديد على “اللواء محمد الخولي، واللواء علي دوبا”، وهما “ظلّا الأسد الحقيقيين”، وهم من حكم سورية 30 عامًا، وما زالوا يعملون كمستشارين أمنيين لبشار الأسد.

ولفت النظر إلى أن حافظ الأسد استطاع أن يتغلغل في الأمن وفي الجيش، واستطاع أن يشكل جهاز أمن خاص، وهو جهاز “المخابرات الجوية”، لأنّ من شكلّه هو اللواء محمد الخولي، وكان كل ذلك يأتي في إطار “القوة الناعمة”، وبعد بداية الثورة السورية في عام 2011، بدأت “القوة الخشنة” التي استخدمت في التغيير الديموغرافي، من خلال الاستعانة بالإيرانيين.

وتناولت الندوة أبرز الوسائل التي اتبعها نظام الأسد لترسيخ التغيير الديموغرافي في سورية، وتثبيت خطته التي يعمل عليها في هذا الخصوص، وعلاقة حصاره للمدن وعمليات الإجلاء التي نفذها في خدمة هذا المخطط أيضًا.

وفي هذا الجانب، أوضح خالد المطلق أنه قبل بداية الثورة السورية كان هناك أزمة ديموغرافية ناتجة عن أسباب عدة، من أهمّها “نشر التشيّع بشكل ملحوظ”، وهناك كثير من الوثائق التي تؤكد هيمنة الجانب الإيراني حتى ما قبل اندلاع الثورة السورية على القرار السوري، وخاصة ما يتعلق بالمؤسسة الدينية.

ومن الأسباب، الهجرة من الريف إلى المدينة، وخاصة من المنطقة الشرقية، وازدياد عدد السكان في المحافظات، في ظلّ غياب الخطط الاقتصادية والتنموية المواكبة لهذا النمو السكاني، وقد أدى تدهور الوضع الاقتصادي وتراجع معدلات دخل الفرد إلى زيادة الهجرة الطوعية حتى ما قبل الثورة.

أما خلال الثورة السورية، فقد استخدم نظام الأسد بالتعاون مع حلفائه أدوات عدة، منها قتل الناس دون قيود قانونية، واستخدام سياسة الأرض المحروقة التي أدت إلى نزوح عدد هائل من السكان من المناطق التي تم تحريرها عامي 2012 و2013، يضاف إلى ذلك الاعتقال والاختفاء القسري الذي غيّب كثيرًا من الشباب السوري، وأدى إلى خوف البقية والهرب من هذا الظلم الجائر.

ومن الأدوات التي ذكرها المطلق أيضًا، حرق سجلات المحاكم ودوائر الأحوال المدنية، إذ أدى إلى طمس حقوق الأهالي في حمص ودوما خاصة، حيث ساعد حصار وتجويع المناطق كثيرًا في عملية التغيير الديموغرافي، ومن الأدوات التي اتبعها نظام الأسد استخدام القوة الأمنية والتضييق الاستخباراتي على الشباب، من خلال الميليشيات الشيعية، في حين كان استهداف النساء والانتهاكات التي ارتكبت بحق النساء هو الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وكل تلك الحوادث أدت إلى عملية تهجير منهجي.

من جانبها تحدثت شيماء البوطي عن السياسة والإستراتيجية المنهجية التي اتبعها نظام الأسد في التغيير الديموغرافي، من خلال تهجير المدنيين ووضع العقبات أمام عودتهم إلى مدنهم وبلداتهم التي هُجروا منها، ووصفت هذا التهجير بأنه “تهجير مفيد”، خاصة أنّ رأس النظام السوري بشار الأسد قال في عام 2016 إنه “يريد مجتمعًا متجانسًا”، بمعنى أنه يريد “سورية المفيدة”.

وأشارت إلى أن نظام الأسد لجأ إلى كثيرٍ من الأساليب المنهجية الأخرى، من أجل التغيير الديموغرافي؛ إذ كان يطبّق سياسة الملاحقات الأمنية والمداهمات في مدينة تلوَ الأخرى، ويضايق أُسر المنتمين إلى الثورة، وقد ضيّق على الناس كثيرًا حتى إن الخوف دفع كثيرًا منهم إلى التفكير بالهجرة من سورية، ومن ثم انتقل إلى أساليب أكثر عنفًا، وبدأ القصف بجميع أنواع الأسلحة.

وسلّطت الندوة الضوء على مساعي نظام الأسد وداعميه لإعادة الإعمار في سورية، وعلى دور تلك المساعي في تعزيز وتعميق التغيير الديموغرافي من خلال هذه العملية.

وفي هذا الشأن، أكدت البوطي أن نظام الأسد يحاول ترسيخ هذه الخطة التي سارَ عليها، وأن هدفه البعيد هو السيطرة والسلطة فقط، وفق سياسة “فرّق تسُد”، وأن استخدام التغيير الديموغرافي غايته هو التفرقة وتمزيق وحدة الشعب السوري وتناغمه، لكي يصبح كتلًا ضعيفة تتناحر فيما بينها، من أجل غايته الكبرى، وهي إحكام سيطرته على البلاد. أما ما يخص إعادة الإعمار في سورية، فهو هدف تتطلع إليه روسيا، لتحصل على تعويض مقابل الخسائر التي تكبدتها في سورية. وأضافت: “ما دام هذا النظام موجودًا ومستمرًا في عملية تمزيق الشعب وهدم البلاد؛ فلا يمكن أن ينجح الإعمار؟!”.

وتطرقت الندوة إلى عمليات تجنيس عناصر الميليشيات الأجنبية في سورية، وأكد المطلق أنّ “هناك وثائق تؤكد تجنيس قادة الميليشيات وقادة الصف الثاني والثالث، من هذه الميليشيات، وفي الجيش السوري وحدات عسكرية كاملة باتت تابعة لوزارة الدفاع السورية ولرئاسة الأركان، وتُعدّ كقوات خاصة لا كقوات رديفة، مثل ميليشيا (الدفاع الوطني)، بمعنى أن هذه القوة الاستيطانية انضمت إلى الجيش السوري بشكل كامل”. لافتًا الانتباه إلى أنه لا يوجد حتى الآن رقم حقيقي لمن تم تجنيسهم من الميليشيات الأجنبية في سورية في الفترة الأخيرة أو أثناء السورية.

وفي ردّ على سؤال من أحد المتابعين للندوة: كيف يمكن للمجتمع السوري والدولة السورية، في حال تغيير نظام الأسد، إصلاح التغيير الديموغرافي الذي رسمه النظام؟ قال المطلق: “الأمر بسيط جدًا: عندما تصدق النيّات ونضع نُصب أعيننا أننا بحاجة إلى حكم وطني. وهذا ما يمنعه من يتحكّم في القرارات الدولية ومن يتحكم في العالم، وأعتقد أن النظام العالمي لا يسمح بأن يكون هناك نظام ديمقراطي في سورية أو في دول تشبه سورية، كدول الشرق الأوسط أو دول الوطن العربي، لأسباب كثيرة. وأيضًا نحن بحاجة إلى حكم وطني، وعندما يتحقق ذلك فإن كل الأمور يمكن التغلب عليها، من خلال إصدار قرارات تُلغي كلّ ما أصدره بشار الأسد من قرارات منذ العام 2011”.

وردّا على السؤال نفسه، قالت البوطي: “لا بدّ من تضافر جهود الشعب الواعي مع المؤسسات الدولية لمعالجة هذا الأمر وتلافي كل ما جرى، فكلّ من استوطن في سورية جاء بمصالح، وهم لا ينتمون إلى هذه الأرض، وفي حال انتهت مصالحهم فإنهم لن يكونوا فيها، فالأرض لمن يتمسك بها”. وأعربت عن أملها بأن تُحلّ قضايا التغيير الديموغرافي عن طريق القرارات الدولية، والوقوف بوجه قرارات ومراسيم الاستملاك ومصادرة الأملاك والتصدي لها.

في ختام الندوة، أعرب المشاركون فيها عن أملهم في أن يتحقق شيء ملموس يُعيد سورية إلى ما قبل عام 2011، وفي أن يكون للشعب السوري كلمته، بالرغم من كل المعاناة والتحديات التي تواجهه. وأكدوا أن السبيل الوحيد والحقيقي للوقوف بوجه عملية التغيير الديموغرافي يكون من خلال “الحكم الانتقالي ومحاسبة المجرمين وإصلاح الأجهزة الأمنية، ومن ثم يأتي عمل المنظمات المدنية وسائر المؤسسات للوقوف بوجه هذا المشروع أيضًا”.

شيماء البوطيباحثة سورية في علم النفس الاجتماعي، عضو أمناء رابطة كرامة لحقوق اللاجئين، ناشطة سياسية وإعلامية في مجال المرأة، رئيسة تجمّع “سنا” لدعم المرأة.

خالد المطلق: عقيد ركن سابق، كاتب سوري مختص في الشؤون العسكرية والأمنية وقضايا الإرهاب.