عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوة بعنوان “التطورات العسكرية في الشمال السوري.. السيناريوهات والتداعيات“، شارك فيها كلّ من المحلل العسكري عبد الجبار العكيدي؛ والكاتب والصحافي عبد القادر ضويحي؛ والصحافية سلوى عبد الرحمن؛ وأدارتها الإعلامية ديمة ونوس.

تناولت الندوة التطورات الميدانية المتسارعة في الشمال السوري، كالتصعيد العسكري المتواصل لروسيا والنظام السوري تجاه مناطق المدنيين في إدلب، والذي شهد استهدافًا لمناطق حدودية، وخيارات فصائل المعارضة السورية هناك، واستعرضت التطورات التي يشهدها الشمال السوري بين تركيا و”قوات سوريا الديمقراطية/ قسد”، واحتمالات شنّ تركيا عملية عسكرية ضد هذه القوات، وارتدادات العملية على التفاهمات التركية – الأميركية، والعديد من المحاور ذات الصلة.

في بداية الندوة، تحدث عبد الجبار العكيدي عن السيناريوهات المطروحة بخصوص الشمال السوري، وعن أبرز التطورات الميدانية في ظل استمرار الخروقات المرتكبة من النظام السوري وحليفته روسيا.

ووصف العكيدي التصعيد العسكري على منطقة خفض التصعيد الرابعة (إدلب) شمال غربي سورية، بأنه “تصعيد غير مسبوق”، لافتًا النظر إلى الاستهداف الروسي “الجديد” خلال الأيام القليلة الماضية للمناطق الواقعة تحت النفوذ التركي، وتحديدًا في “مارع” بريف حلب الشمالي.

وأشار إلى أن “هذا الاستهداف ليس الأول من نوعه، فقد سبقه في الشهر الماضي استهدافٌ لفصيل (فرقة الحمزة) بالقرب من عفرين، وسبقه استهداف في الشهر الثالث من العام الجاري لأسواق بيع النفط في مدينة جرابلس، ولكن الاستهداف هذه المرة تجاوز مناطق الفصائل العسكرية الواقعة تحت النفوذ التركي، إلى مناطق داخل الأراضي التركية، كما حصل قبل أيام بقصف مدينة قرقميش من قبل (قوات سوريا الديمقراطية) الموجودة في “شير مغار” بالقرب من مدينة عين العرب الواقعة ضمن مسار الدوريات المشتركة بين تركيا روسيا، ويعدّ قصف الداخل التركي بقذائف الهاون تصعيدًا كبيرًا بالنسبة إلى تركيا، وجاءت ردات الفعل بوتيرة عالية، من قبل الرئيس التركي ووزير الدفاع التركي ووزير الخارجية، بتهديد مباشر بشنّ عملية عسكرية في الشمال السوري”.

وأوضح أن “الأتراك لا يمكن أن يقوموا بعمل عسكري داخل الأراضي السورية من دون التنسيق مع أميركا وروسيا، حيث إن تركيا دائمًا تحتاج إلى غطاء سياسي للقيام بأي عمل عسكري هناك، لكن من الواضح أن المناخ السياسي العام غير مهيّأ لإعطاء هذا الضوء الأخضر لتركيا أو حتى الضوء البرتقالي”.

واستبعد العكيدي إمكانية قيام تركيا بعملية عسكرية في الوقت الراهن ضد قوات “قسد”، لكنه لفت النظر إلى أن ذلك لا ينفي احتمالية أن تركيا ستقوم بهذا العمل العسكري، إذا استمرّت قوات (قسد) في تجاوز حدودها في تهديد الأمن القومي ، وقال: “إن العمل العسكري ربما يكون محدودًا، من خلال استخدام سلاح الجو واستخدام طائرات (بيرقدار)، واستهداف قيادات (قسد) ومقراتها وخطوط الإمداد، لكن القيام بعمل عسكري كبير على الأرض أمرٌ مستبعد، على الرغم من أن تركيا جاهزة للقيام بهذا العمل، لكن الظروف الآن غير مهيئة”.

وسلّط العكيدي الضوء على أبرز المعوقات التي تقف في وجه تنفيذ تركيا لعملية عسكرية كبيرة في الشمال السوري، وقال إن “تركيا أمامها معوقات كبيرة سياسية واقتصادية، وهناك أيضًا معوقات داخلية وخارجية، فاليوم علاقة تركيا بالولايات المتحدة ليست في أفضل أحوالها، بل هي في أسوأ حالاتها، وخاصة العلاقة الشخصية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأميركي جو بايدن، يضاف إلى ذلك روسيا التي تضغط على تركيا، واستثمار عدم وجود نقاط قوة لدى الرئيس التركي، وبالتالي بدأت بضرب الخواصر الضعيفة للجانب التركي، واستثمار موضوع الضغط على تركيا”.

وعن أوراق الضغط التي تمتلكها تركيا لشنّ عملية عسكرية ضد تلك القوات، أوضح العكيدي أنّ “تركيا لديها أوراق ضغط وقوة لا يستهان بها، سواء في الشمال السوري أو في منطقة إدلب وجبل الزاوية”، مضيفًا أن “تركيا حوّلت نقاط مراقبتها العسكرية حسب تفاهمات أستانا في منطقة خفض التصعيد الرابعة، وعددها 12 نقطة مراقبة، والتي سحبتها من مناطق مورك وخان شيخون إلى جبل الزاوية، حوّلتها إلى قواعد عسكرية ذات صبغة هجومية ودفاعية في الوقت نفسه  في جبل الزاوية، وبالتالي أصبح لديها قوة كبيرة في تلك المنطقة، إضافة إلى تدريبها وتأهيلها لفصائل (الجيش الوطني)، إن كان في الشمال أو في منطقة إدلب (الجبهة الوطنية للتحرير)، كما أنها نظّمت ورتبت الفصائل في الشمال السوري والمنتشرة في مناطق من عفرين إلى جرابلس وفي رأس العين وتل أبيض، وأصبح الاعتماد على هذه القوى سهلًا لتنفيذ أي عمل عسكري، إضافة إلى ورقة التفوّق في المجال الجوي، من ناحية الاعتماد على طائرات (بيرقدار) التي أثبتت جدارتها في معركة (درع الربيع) ضد قوات النظام، حتى إن وسائط الدفاع الجوي الروسية لم تستطع التعامل مع هذه الطائرات، وهناك أيضًا نقطة مهمة، وهي موضوع العلاقة والتوازنات التي كان يتقن الرئيس التركي أردوغان اللعب عليها، بين موسكو وواشنطن، وحاجة هاتين الدولتين إلى تركيا في المنطقة، واستخدام هذه الورقة بشكل جيد، ويمكن أن تستخدم تركيا كل تلك الأوراق للقيام بأي عمل عسكري في المنطقة”.

من جانبه، تحدث عبد القادر ضويحي عن المناطق التي ستشملها العملية العسكرية، في حال أقدمت تركيا عليها ضد قوات “قسد”، وقال: “وفق ما سرّب الإعلام التركي وصحفيون مقربون من دائرة صُنع القرار التركي، فإن العملية تشمل مناطق ذات نفوذ روسي وخارج دائرة النفوذ الأميركي، وهي مناطق حدودية، مثل عين العرب ومنبج وتل رفعت، ويمكن أن تشمل منطقة (عين عيسى) بريف الرقة الشمالي”.

وأشار إلى أن قوات (قسد) تعوّل على الجانب الأميركي، للوقوف أمام هذه العملية العسكرية التركية، إن حصلت، بـ “المعارضة السياسية فقط”، معربًا عن عدم اعتقاده بأن الولايات المتحدة ستتحرك عسكريًا،

وذكر أن “تركيا الآن تريد الحصول على (لا ممانعة أميركية) لهذه العملية وغطاء سياسي لها، وأيضًا في المرحلة الثانية تريد التفاهم مع الروس على شكل هذه المناطق، كما حصل في عفرين حين انسحبت القاعدة الروسية من منطقة (كفر جنة)، وأخلت المجال الجوي والبري أمام تركيا التي بدأت العملية العسكرية”. واعتبر أن “الروس لن يمانعوا هذه العملية العسكرية، إن شنتها تركيا، في حال الحصول على ضمانات تركية بأن لا تتوسع أكثر أو أن لا تشمل قوات النظام السوري”.

وتطرقت الندوة إلى التصعيد العسكري المستمر على المدنيين شمال غربي سورية، وتحديدًا القصف الأخير على بلدة “سرمدا” بريف إدلب الجنوبي، وانعكاسات هذا التصعيد المستمر على المدنيين، إضافة إلى موجات النزوح المستمرة، وخاصة صوب المناطق المكتظة بالسكان على الشريط الحدودي مع تركيا، بسبب المخاوف من أي عمل عسكري للنظام وروسيا ضد مناطق جنوبي إدلب.

وفي هذا الجانب، قالت سلوى عبد الرحمن: إن “هذا التصعيد من الروس ومن النظام السوري بدأ فعليًا منذ منتصف الصيف، مع عودة بعض النازحين إلى مدنهم وقراهم في ريف إدلب الجنوبي لجني محاصيلهم ولسوء الأوضاع المعيشية في المخيمات، الأمر الذي أدى إلى وقوع الضحايا، خاصة أن قرى جبل الزاوية باتت مستهدفة بشكل يومي تقريبًا”.

وأضافت: “منذ شهر تقريبًا، اتسعت رقعة القصف من الروس ومن النظام، قبيل اجتماع الرئيس الروسي والتركي أردوغان، ليشمل منطقة المخيمات وإدلب المدينة وأخيرًا بلدة سرمدا، الأمر الذي أثار المخاوف لدى المدنيين، مع زيادة مساحة القصف إلى ما بعد طريق الـ M4 أو طريق (حلب اللاذقية)”.

وتطرقت إلى انعكاس الأنباء التي تتحدث عن قرب عمل عسكري للنظام وروسيا في المنطقة على سكانها، مبينة أن ذلك انعكس بشكل سلبي على مختلف جوانب حياتهم اليومية، وسط المخاوف من موجة نزوح جديدة، في حال استمر التصعيد العسكري والقصف، في حين ترى فئة أخرى من المدنيين أن الحديث عن عملية عسكرية للنظام وحليفته روسيا “هو مجرد حرب نفسية، تشنها قوات النظام وروسيا لزعزعة الأمن والاستقرار وترويع المدنيين، وإجبارهم على ترك منازلهم، لتسهيل السيطرة على تلك المناطق”، بينما هناك فئة أخرى “تثق بدعم الجانب التركي وحمايته للمدنيين”.

وبالتزامن مع التصعيد العسكري والخروقات على منطقة شمال غربي سورية، تواجه المنطقة أيضًا أزمة “كورونا” التي ضغطت بدورها على النظام الصحي الذي بات يعاني من جراء التفشي السريع، وزيادة أعداد الإصابات والوفيات.

وحول ذلك، قالت سلوى إن “المستشفيات والمراكز الطبية المتبقية في الشمال السوري تعاني من قلة الدعم، وسط إغلاق بعضها وتهديد بعضها الآخر بالإغلاق، بسبب توقف الدعم، إضافة إلى نقص مادة الأوكسجين اللازمة لمرضى كورونا، وكلّ ذلك بات يشكل عبئًا كبيرًا على الكوادر الطبية”، محذّرة من أن المنظومة الصحية في المنطقة “على وشك الانهيار، أمام الأعداد الكبيرة للمصابين بالفيروس وحالات الوفيات اليومية التي يتم تسجيلها”.