عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوة، بعنوان “الإسلام السياسي: إشكالية الحضور والتغييب“، شارك فيها جميل يوسف عبد النبي، الناشط السياسي المهتم بالحركات الإسلامية من فلسطين؛ وعبد الرحمن الحاج، الأستاذ في جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية من سورية؛ ومحمد عبد الوهاب رفيقي، الباحث في الدراسات والفكر الإسلامي من المغرب؛ وأدارتها الإعلامية السورية ديمة ونوس.

ناقشت الندوة طبيعة وحجم حضور الإسلام السياسي، ممثلًا بفصائله المختلفة ضمن المشهد السياسي العربي الراهن، وإشكاليات هذا الحضور خاصة في دول الربيع العربي، وهل تم تغييبه أم حمل بذاته أسباب تراجعه؟

 وتطرقت الندوة إلى الإسلام السياسي والديمقراطية، والإسلام السياسي وبرامجه الحكومية، وإلى دوره في العالم العربي، والمؤثرات الإقليمية والدولية التي تحكم هذا الدور، ومستقبل الإسلام السياسي في العالم العربي.

استهل جميل يوسف عبد النبي الندوة بالحديث عن حركات الإسلام السياسي وعن هيمنتها على الحراك الشعبي في الثورات العربية، خاصة في مصر وتونس وليبيا، وإلى حد ما في سورية، وقال إن “هذه الحركات استطاعت أن تقدّم نفسها كبديل عن القوى الوطنية”.

وذكر أنه “في مصر، مثلًا، ما قبل أحداث 30 حزيران/ يونيو، كان من الواضح أن الإخوان المسلمين استطاعوا أن يهيمنوا على الساحة المصرية إلى حد كبير، على الرغم من أن الرئيس محمد مرسي، في الجولة الأولى للانتخابات، لم يحقق سوى 25%، وكان من الواضح أن الإخوان المسلمين كانوا الجهة الأكثر تنظيمًا والأكثر قدرة على الهيمنة على الساحة السياسية العربية، ما بعد الثورات العربية”.

وعن الأسباب التي جعلت الربيع العربي في مصر مثلًا يتحوّل إلى ربيع إسلامي، إضافة إلى سبب تفوق الإسلاميين على القوى السياسية الديمقراطية الأخرى وتولّي الحكم، أوضح عبد النبي أن السبب هو أن “الفصائل المقابلة للإسلام السياسي كانت جهات مترهّلة، إلى حدٍّ ما، أو غير مُنظمة بما يكفي، أو أنه تم تجريبها في الحكم، ولم تقدّم نماذج محترمة يُقدّرها الشارع”.

وأضاف أن “الإسلام السياسي يركز على استثارة العواطف الدينية لدى المواطن، وحينما يرفع مثلًا شعار (الإسلام هو الحل) أو شعار (الحكم لله)، فهو يرفعه أمام مسلمين ومن أتباع الدين الإسلامي، وأمام هذا الخطاب، تجد الناس مجبرين على القبول، وهو في الحقيقة شعارٌ غير صادق، يُستخدم لخداع الجماهير، إضافة إلى أنه شعار غير مبني على أرضية سليمة، ويحتاج إلى شيء من الوعي كي يتم تفكيك هذا الخطاب”.

ورأى أن أصحاب الإسلام السياسي “استغلّوا الخطاب الديني والاضمحلال الثقافي لدى الجماهير، واستطاعوا كسب أكبر قدر ممكن من الناخبين، فعلى سبيل المثال، في فلسطين، رفعت حركة (حماس) شعار (الإسلام هو الحل) في انتخابات 2006”. وأشار إلى أن مقولة (الإسلام هو الحل) بدأت تفقد تأثيرها وبريقها مع الوقت؛ “بسبب الانتهاكات التي تمارسها بعض الأنظمة، يضاف إلى ذلك أن هذا الشعار لم يقدّم حلولًا حقيقية لا للمشاكل السياسية ولا للمشاكل الاقتصادية، ومن هنا فإنه بدأ يفقد بريقه، خاصة في السنوات الأخيرة إذ بدأ صوت التنويريين يحاول فكفكة هذا الخطاب، ليثبت أنه شعار فارغ المضمون يعتمد فقط على دغدغة مشاعر المؤمنين، لا أكثر ولا أقل”.

وتحدث محمد عبد الوهاب رفيقي، عن الأسباب التي تدفع الحركات الإسلامية نحو الهيمنة على ثوراتالربيع العربي،مبيّنًا أن من أهم العوامل التي جعلتها تستحوذ على المشهد هو “أن لديها القدرة على الحشد والتعبئة، إضافة إلى عامل آخر هو التسويق والشعارات المثالية والطُهرانية التي كانت ترفعها، ووجودها في المعارضة، كما أنها كانت تقدّم نفسها باسم الدين، وأنها تمثل الدين، وقد استفادت أيضًا من تدني نسبة الوعي في كثير من هذه المناطق، وتعاملت بذكاء شديد في دغدغة العواطف وإثارة بعض القضايا التي استجلبت الأصوات”.

ورأى رفيقي أن التدني المعرفي هو أحد الشروط لكي يكون الخطاب الديني مقبولًا، و”كلّما كان مستوى الوعي متدنيًا في منطقة من المناطق، أو عند شعب من الشعوب، فإن الخطاب المدغدغ للعواطف والمعتمد على ما هو غيبي يجد له سوقًا كبيرة عند هذه الشعوب”. وأوضح أن “الخطاب الديني، قبل ما يعرف باسم الربيع العربي أو مع موجات العربي، قد استُغل بشكل كبير جدًا، وشاهدنا كيف خرجت التظاهرات في عدد من هذه الدول طلبًا لتطبيق الشريعة الإسلامية، ومن هنا فإن تدني نسبة الوعي، لدى فئات معينة، يجعلها أكثر استقطابًا من قبل من يوظف الخطاب الديني في برامجه”.

وفي ردّ على سؤال: “ألم يكن الخطاب الديني أقرب إلى الناس من خطاب المعارضين العلمانيين ومن المفكرين والمثقفين في المنطقة العربية؟”، أجاب رفيقي: “لا أعتقد أن الخطاب الديني قد لقي قبولًا عند كثير من شعوب هذه المنطقة، بسبب مضمون هذا الخطاب وتركيزه على خطابات مثالية وطُهرانية، وبسبب ما كانت تسوّق له هذه الحركات من مظلومية وتعرّضها للاضطهاد، بسبب التزامها بالدين، وأن الحرب عليها لم تكن حربًا بين طرفين سياسيين، وإنما كانت حربًا بين أهل الدين وبين من يريدون الحرب على الدين”.

أمّا عبد الرحمن الحاج، فرأى أنّ انخفاض الوعي يشكّل أرضية للخطابات الدينية والأيديولوجية عمومًا، “لأن كل الخطابات الأيديولوجية، وعلى رأسها الخطابات الإسلامية، هي خطابات تعتمد على الإيمان وعلى الاعتقاد بأفكار، ولا تعتمد على المحاكمات العقلية، سواء أكان هذا يتعلق بالإسلام السياسي أم كان يتعلق بأيديولوجيات أخرى. وعندما يتحدث الجميع بلغة تستند إلى العقائد، فمن السهولة أن نرى أن الأطراف المتأثرة هي أطراف بسيطة، وهي الشريحة الأوسع، وهنا نتحدث عن (التديُن الشعبي)، وهو شيء موروث وموجود لدى الناس، ويمكن اللعب عليه، وكلّ من يمتلك إمكانية لفهم كيف يتأثر الناس يستخدم واحدة من هذه الأدوات”.

ولفت الانتباه إلى أن الخطاب الديني ليس وحده الذي يمكن أن يؤثر في عامة الناس، فهناك الرموز التاريخية التي ربّما هي أكثر تأثيرًا من الدين، ويمكن أن تكون الرموز التاريخية وقودًا لتحريك الناس. وتابع قائلًا: “صحيح أن الجهل وقلة المعرفة هي واحدة من الأدوات التي يستند إليها التحشيد، في خطاب الحركات الإسلامية، لكن هذا أيضًا -مع الأسف- يمثل وجهًا آخر لكلّ الحركات الأيديولوجية التي تخاطب الجماهير بتلك الآلية، لكن بموضوعات مختلفة”.

وعن دور الأنظمة العربية، في منح المنبر لخطاب الإسلام السياسي، في حين كانت تهمش العلمانيين والمفكرين والمثقفين، بيّن الحاج أن “الأنظمة العربية حوّلت البلاد إلى نوع من السجن الكبير، في ظل آفاق شبه معدومة للشباب وغياب أي إمكانية للتعبير، والحرص الشديد على القبض على ثروات البلاد، وتضييقها وتحويل البلد نفسه إلى مستعمرة خاصة للعائلات، وهذا حصل في معظم الدول التي شهدت ثورات، الأمر الذي خلق أرضية للبحث عن أيديولوجية خلاص”.

وذكر الحاج أن “الأنظمة كانت تحاول السيطرة المطلقة على المؤسسات الدينية، وجعل الأشخاص الموجودين على رأس هذه المؤسسات يعبّرون عن السلطة، بدلًا من أن يعبّروا عن الدين، فأدى ذلك إلى فقدان الثقة بعلماء الدين والبحث عن دين في (سوق سوداء)، بمعنى البحث عن مفاهيم للدين خارج سيطرة السلطة، أي أصبح الدين واحدًا من عناصر القهر المستخدم ضدهم، وفي بعض الأحيان، كانت بعض الأنظمة تحاول تقريب بعض الإسلاميين، لاعتقادها أن هذا الأمر يخفف من دور الحركات الجهادية، ولاستخدامهم كفزاعة ضد خصومها”.

وردًّا على سؤال: “إلى أي مدى استثمرت القوى الإقليمية والدولية في الإسلام السياسي في المنطقة العربية؟”؛ أجاب الحاج أن “الدول كلها تبحث في النهاية عن مصالحها، وعندما تتحقق المصالح ربّما تُخلف آثارًا قد ترتد عليها، وهذا ما حصل في ما يخص الحركات الجهادية”. ورأى أن “كل الحركات الأيديولوجية من السهل التحكم فيها، لأنه من السهل التنبؤ بسلوكها، أي ليس بالضرورة أن يكون لهذه الحركات موظفٌ يقول لها ما تفعل، ويكفي أن يتاح لها مجال معين لكي يكون هناك توقّع بأن تقوم بأعمال تناسبها، يضاف إلى ذلك حصول اختراق هائل في كل هذه الحركات، بغرض استخدامها من جهة، أو بغرض تجنب شرورها، وهذا الأمر حصل في سورية أكثر من أي دولة أخرى”.

جميل يوسف عبد النبي (فلسطين): ناشط سياسي مهتم بالحركات الإسلامية، بكالوريوس تربية إسلامية من جامعة القدس المفتوحة، سجين سابق في سجون الاحتلال.

عبد الرحمن الحاج (سورية): أستاذ في جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية، مدير مؤسسة “الذاكرة السورية”، باحث متخصص في دراسة العلاقة بين الدين والسياسية والمجتمع.

محمد عبد الوهاب رفيقي (المغرب): باحث في الدراسات والفكر الإسلامي، ماجستير دراسات إسلامية وبكالوريوس قانون دولي، رئيس مركز (وعي للدراسات والوساطة والتفكير).