عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عبر البث المباشر، يوم الأربعاء 3 آذار/ مارس 2021، ندوة بعنوان تحليل الأداء القتالي لتنظيم الدولة (داعش) وتداعياته السياساتية، شارك فيها عمر عاشور رئيس برنامج الدراسات الأمنية والنقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا، وأدارها محمود الحسين الباحث في مركز حرمون.

قدّمت الندوة تحليلًا للأسلوب القتالي الذي يتبعه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عملياته العسكرية، واستعراضًا للمعارك التي سعى من خلالها التحالف الدولي إلى القضاء على تنظيم الدولة، ومنها معركة “الباغوز” في العام 2019. وتناولت الندوة الإستراتيجيات التي يتبعها (داعش) في تنظيم صفوفه حاليًا ضمن أساليب مختلفة، تبعًا للمتغيرات على الأرض، ولا سيّما بعد ازدياد عملياته العسكرية بوضوح في العام 2020.

وسلّطت الندوة على ما جاء في كتاب “كيف يقاتل تنظيم الدولة؟”، وتحديدًا الفصل الثالث منه الذي عنوانه “يُفجّر ويتمدّد.. كيف يقاتل تنظيم الدولة في سورية؟” لمؤلفه عمر عاشور، وركزت على التكتيك العسكري الذي اتبعه تنظيم (داعش) خلال معاركه في محافظتي الرقة ودير الزور شرقي سورية.

وأشار عاشور إلى أن ما فعله تنظيم (داعش)، خلال معاركه شرقي سورية وفي غيرها من المناطق التي سيطر عليها، غيّر كثيرًا من أدبيّات الدراسات الأمنية بشكل عام، وأدبيّات ما يسمى بـ “الحرب غير المتكافئة”، وأدبيّات ما يسمى بـ “حرب المدن”، إذ إنه أعاد صياغة كثير من هذه الأدبيات بل إنه “تحدّاها” أيضًا.

وقدّم عاشور شرحًا تفصيليًا، عن الفصل الثالث من كتابه “كيف يقاتل تنظيم الدولة؟” المتعلق بالحالة السورية، بعد رصد ثمانية معارك في سورية، على جبهات عدة، كانت أهمها في مدينة الرقة.

واعتبر عاشور أن سبب التركيز على الرقة تحديدًا في هذا الفصل هو توضيح إستراتيجيات هذا التنظيم: كيف يقاتل وكيف يخطط لمعاركه وما هي أحدث تكتيكاته؟

ووصف عاشور الوضع في الرقة وما حولها بأنه “شديد التعقيد، عسكريًا”، والدليل على ذلك ما قاله المستشار الأول لرئيس الأركان في الجيش الأميركي عام 2018: “في غضون خمسة أشهر، أطلقت كتيبة المارينز 35 ألف قذيفة مدفعية على أهداف (داعش) في الرقة، وهذا أكثر مما فعلته أي كتيبة أخرى من مشاة البحرية أو الجيش الأميركي منذ حرب فيتنام”. وهذه القذائف التي سقطت على الرقة وما حولها لإخراج (داعش) تجاوز عددها 40 ألف قذيفة، وهي أكثر من القذائف المدفعية التي انهالت على العراق، في إبان الاحتلال الأميركي في عام 2003.

وفي سياق حديثه عن الفصل الثالث من كتابه أيضًا، سلّط عاشور الضوء على القسم الأول من هذا الفصل، وعنوانه “تكتيكات مُحسنة في سياق مضطرب.. الوثبة من العراق إلى سورية”. وفيه عاد عاشور إلى صيف 2011، أي بعد خمسة أشهر من اندلاع الثورة السورية، ووصول (داعش) إلى سورية، وكيف بدأ يتمدد ويؤسس لنفسه في البدايات، وكيف أصبح جهة عسكرية رئيسية في الحرب الأهلية السورية، وكيف سيطر في عام 2015 على حوالي 50% من الأراضي السورية.

وحاول عاشور أن يشرح في الفصل الثالث من كتابه أيضًا، كيف شكّل (داعش) قوته، ومن ثم كيف تمت السيطرة على مدينة الرقة أولًا في عام 2013، وكذلك في العام 2014، عندما حاول الثوار إخراج (داعش) منها، ومن ثم كيف كان الدفاع عنها مرة أخرى، في مقابل هجمات عدة، سواء من نظام الأسد أو من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. كما حاول أن يشرح سياقات الحملات العسكرية في محافظة دير الزور، وتحديدًا معركة “الباغوز”.

وأضاف: في منطقة “الباغوز”، بعد نحو شهرٍ وأسبوعين من القتال، تم تحرير البلدة من الآلاف من مقاتلي تنظيم (داعش)، لكن تبيّن أن (داعش) كان ما يزال قادرًا على الابتكارات، إذ اكتشفت “قوات سوريا الديمقراطية”، بعد أسبوع من هزيمة (داعش)، ورشة كبيرة لتصنيع “العربات المفخخة الانتحارية” بالقرب من “الباغوز”؛ حيث كان (داعش) يواصل تصنيع “العربات المفخخة”، لاستخدامها في قتاله ضد “قوات سوريا الديمقراطية”، بالرغم من أنه كان على وشك الانهيار مبدئيًا، وهذا ما يعيدنا لفكرة “القدرات التكتيكية” لدى هذا التنظيم.

في محور آخر من الندوة، تحدث عاشور عن عودة تنظيم (داعش) مجددًا إلى سورية، بعد الهزيمة التي مُني بها في المنطقة الشرقية، وقال إن (داعش) أعلن، في آذار/ مارس 2020، مسؤوليته عن 977 هجومًا في سورية، منها 153 هجومًا في الرقة، و581 هجومًا في دير الزور، وفي نهاية آذار/ مارس أيضًا، عمل التنظيم على تشكيل هيكلي جديد يسمى (ولاية الشام) بعد هزيمته في (ولاية الرقة) وولايات أخرى، وأصدر وقتذاك مقطع فيديو تحت اسم (مرحلة الاستنزاف) عرض فيه بعض القدرات. ورأى أن “التنظيم يحتفظ بقدرات عالية في البادية السورية، وبتشكيلات مغاوير عرضها في الفيديو”.

ورأى عاشور أن التنظيم القادر على شنّ 977 هجومًا، بعدما أعلن رئيس أميركا أنه انتهى 100%، لا يمكن أن يكون قد انتهى فعليًا، وأوضح: في العام 2010، تم الإعلان عن انهيار التنظيم والقضاء عليه في العراق، وبعد أربع سنوات عاد التنظيم واحتل ثاني أكبر مدينة في العراق وهي الموصل، فمن هنا تأتي الخطورة، علمًا أنه لم يكن لديه القدرات أو الخبرات، سواء في تبديل الإستراتيجيات، أو في تشكيل قوة من لا شيء، أو نقل البراعات، أو في العمل الميداني، أو في طريقة استخدام الأسلحة.

وفي سياق ردّ الضيف على سؤال أحد المتابعين: إلى أي مدًى يمكن القول إن (داعش) هي أداة من أدوات استخبارات إقليمية ودولية عديدة؟ قال عاشور: إن “الاختراقات متبادلة بين (داعش) والأطراف الأخرى. ومسألة أن (داعش) مسيطر عليه من أحد هي غير صحيحة، ولكن هناك اختراقات له وعليه”.

وعن العلاقة ما بين إيران وتنظيم (داعش)، أوضح عاشور أن ما جرى بين الطرفين هو مواجهات مع التشكيلات الموالية لإيران، خاصة في دير الزور، أضاف: “لا يمكنني إثبات أو نفي وجود اختراقات أو استخدامات من كلا الطرفين”.

وفي ختام الندوة، تحدث عاشور عن الأسباب التي أدت إلى عودة تنظيم (داعش)، ومنها الصراع الهوياتي، سواء أكان اثنيًا أم قوميًا أم طائفيًا، إضافة إلى الصراعات الأخرى، والمنطقة المليئة بالنزاعات تشكّل أرضية خصبة لعودته، إضافة إلى استغلال التنظيم البيئةَ التي تعاني الطائفية والوحشية والعنف، حيث إنها أسهمت في ولادته وتطوره. وأكد أنه ما تزال هناك حتى اليوم أعداد مضاعفة، “من المقاتلين الأجانب”، تنضم إلى التنظيم، حتى بعد انهياره وهزيمته في عدد من المناطق.

عمر عاشور: أستاذ مشارك في الدراسات الأمنية والإستراتيجية، ومؤسس ورئيس برنامج الماجستير في الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا، وهو متخصص في تحليل الصراع المسلح غير المتناظر، وفي الدراسات الأمنية والعسكرية والإستراتيجية.