وُلِدَ نزار سرطاوي في قرية فلسطينية صغيرة، تسمى سرطة في العام 1951، تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس القدس ونابلس، ثمَّ حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية وآدابها من الجامعة الأردنية، ثم درجة الماجستير في تطوير الموارد البشرية من جامعة منيسوتا بالولايات المتحدة، اغتوى الترجمة فأبدع في نقل آدابنا إلى الإنكليزية، وبالتوازي نقل آداب الآخر الأجنبي إلينا، من ترجماته إلى العربية: “شظايا القمر” للشاعر الإيطالي ماريو ريلي، “صلوات العندليب” للشاعرة الهندية ساروجيني نايدو، “الريح ترقص في مهدها” للشاعر الدنماركي نيلس هاو، و”البحث عن جسور” للشاعرة الأميركية مارغريت سين، وغيرها من الترجمات. ومن ترجماته إلى الإنكليزية: “مقل الريح” للشاعرة التونسية فضيلة مسعي، “لؤلؤ الحزن” للشاعر اللبناني عبد الكريم بعلبكي، وكذلك المجلد الأول من سلسلة “شعراء أردنيون معاصرون” وغيرها من الترجمات.

إنه الشاعر والمترجم نزار سرطاوي، وفيما يلي الحوار معه:

– اختفيت عن الوسط الثقافي والأدبي في العام 1980، قبل أن تعود مجددًا في 2010، هل لنا أن نعود قليلًا إلى الوراء لنعرف سر الابتعاد؟ ومن ثمَّ سبب العودة؟

= ابتعادي عن الوسط الأدبي كان بصورة أساسية، بسبب انشغالي بالحياة العملية، وكنت مضطرًا إلى ذلك. اليوم لا أجد ما يبرر هذه الجفوة بيني وبين الأدب، الذي أحببته منذ طفولتي، وها قد عدت إلى حظيرة الأدب طوعًا واختيارًا.

– يعرفك القراء كمترجم، أكثر من كونك شاعرًا، فهل أخذتك الترجمة من الشعر، أم أنك هجرته طواعية إليها؟

= في الواقع، لقد عدت إلى مملكة الأدب على استحياء، وقد لمست شيئًا من الجفاف في داخلي نظرًا إلى طول الفترة الفاصلة بين الانسحاب والعودة، فاتجهت إلى الترجمة، وكان ذلك على حساب الشعر. والترجمة تكاد تستولي على وقتي كله، وفعلًا، أنا معروف في الأوساط الأدبية في الوطن العربي، من خلال ترجماتي لا قصائدي. لكن أود هنا أن أشير إلى أن نسبة كبيرة من الشعراء الأجانب الذين أترجم لهم مترجمون، وهذا غير شائع بين الشعراء العرب مع الأسف، فعدد الذين نقلوا شيئًا من الشعر الأجنبي إلى العربية بسيط جدًا. أذكر منهم على سبيل المثال: الشاعر والمترجم العراقي سعدي يوسف، ومحمد حلمي الريشة، وفادي جودة، وجوزيه الحلو، وشهاب غانم.

– يقول فولتير إن “الشعر لا يُترجم، وهل يمكن أن تترجم الموسيقي؟”، فهل تتفق أم تختلف مع هذا الرأي؟، ولماذا يترجم “نزار سرطاوي” شعرًا؟

= قبل فولتير بأكثر من تسعمئة عام، كتبَ الجاحظ، في مؤلفه (الحيوان) حول استحالة ترجمة الشعر، حيث قال: “والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل”. وفي عصر النهضة، حين نقل المترجمون الفرنسيون أعمال دانتي من الإيطالية إلى الفرنسية، أثارت بعض تلك الترجمات سخط بعض النقاد الإيطاليين الذين رأوا قصورًا في الترجمة، إما من الجوانب الجمالية أو دقة النقل، وجاءت على لسان بعضهم العبارة المشهورة: “المترجم خائن”.

لكن في قول فولتير إجحافًا بحق ترجمة الشعر. فالشعر غير الموسيقى، والموسيقى لغة عالمية. ونستطيع تذوقها مهما اختلفت لغاتنا، ولا بد من التسليم بأن الشعر يفقد -عند ترجمته- الكثير من خصائصه الجمالية واللغوية، لكن ذلك لا يعني أن نهجر ترجمته. على المترجم أن ينقل روح النص بحيث تكون الترجمة قريبة قدر الإمكان من النص الأصلي. وما لا يدرك جلّه لا يترك كلّه. وأنا أترجم الشعر لأنني شاعر. ولشغفي بالشعر، أحب أن يشترك معي القارئ العربي في قراءة وتذوق الشعر العالمي، فمن شأن ذلك إثراء معرفتنا وتجربتنا الشعرية.

– هذا يدفعني إلى سؤالك: ما رأيك في الترجمة عبر لغة وسيطة؟

= الأصل أن ينقل المترجم إلى لغته من اللغة الأصلية مباشرة. فليس من المستحب أن نترجم رباعيات الخيام مثلًا إلى العربية من غير الفارسية. لكننا أحيانًا نجد أنفسنا مضطرين إلى ذلك. فأنا مثلًا ترجمت نصوصًا عن الفيتنامية والهندية واليابانية والأوردية وغيرها من خلال الإنكليزية. ومع أن ذلك مخالف لقناعتي، فإنني أفعله لأنني أرى أن ليس ثمة سبيل آخر للترجمة من تلك اللغات. الأوروبيون لديهم مترجمون من كل اللغات، وأما نحن فلدينا قصور عظيم في هذا المجال. فنحن مضطرون إلى استخدام لغة وسيطة.

– هل يمكن للمترجم أن يعتاش من مهنة الترجمة؟

= من المؤسف أن الترجمة، على أهميتها البالغة، لا تحظى بتقدير كافٍ من المؤسسات الثقافية في وطننا العربي؛ لذا فإن قلة من المترجمين يستطيعون الاعتماد على الترجمة كمهنة توفر لهم حياة كريمة. يمكننا -طبعًا- أن نستثني محترفي الترجمة الذين يعملون لدى المؤسسات الكبرى أو الأمم المتحدة، أو يقومون بالترجمة الفورية أو التتبعية في المؤتمرات الدولية، على سبيل المثال، أو أصحاب مكاتب الترجمة الذين يؤمهم من يحتاج إلى ترجمة الوثائق. أما الترجمة الأدبية فإن السواد الأعظم من المترجمين يمارسونها كهواية.

– كيف تُقيّم واقع الأدب العربي المترجم إلى اللغات الأخرى؟ هل زادت أهميته؛ خاصةً في ضوء تدفق اللاجئين من بلادنا العربية إلى أوروبا؟

= أعتقد أن ما تُرجِمَ من العربية إلى اللغات الأخرى قليلٌ، مقارنة مع ما يترجم من اللغات العالمية كالإنكليزية والفرنسية والإسبانية والروسية، بل -مع الأسف- لا يتناسب مع تعداد الأمة العربية، الذي يربو على 300 مليون نسمة، ولا أعتقد أن تدفق اللاجئين العرب إلى أوروبا قد أدى إلى زيادة أهمية الترجمة من العربية بصورة لافتة.

– في الختام.. أنت من الشعراء الأوفياء لقصيدة التفعيلة، لكن ما رأيك في القصيدة العمودية وقصيدة النثر؟ وهل على الشاعر أن يكون مخلصًا لنمط واحد في شعره؟

= كتبت القصيدة العمودية في بداياتي، لكنني تحولت إلى قصيدة التفعيلة، لأنني وجدت أنها أقدر على التعبير عن فكر الشاعر. تمسكي بقصيدة التفعيلة هي مسألة عفوية، فالموسيقى التي أبقت عليها قصيدة التفعيلة، بعد أن طوحت بعيدًا بالرتابة العمودية والقافية المنتظمة، لا تتناقض في رأيي مع الشعرية، ومع ذلك أحن إلى الشعر العمودي، وأعود إليه من حين لآخر. قصيدة النثر تمنح الشاعر حرية أكبر في التعبير. وقد كتبت نَصّين من هذا اللون، غير أني لم أستطع أن أستمر في كتابته. لكن، من يقدر أن يلزم الشاعر بأن يلتزم بنمط دون آخر، هذا ينطوي على اعتداء على الحرية، وليس ثمّة شعر من دون حرية.