يتوقع أن يكون لأزمة فيروس كورونا تأثير على “البيئة الاستراتيجية لإسرائيل”. وأشار معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى عشرة سيناريوهات سلبية محتملة.

ضمن التحليلات التي تقدّمها مجلة “نظرة عليا” الإصدار رقم (1829) الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أعد الباحثون بالمعهد (إيتي بارون، يوئيل جوزنسكي، دانيال راكوف، سارة بوير) دراسةً، جاء فيها أن أزمة فيروس كورونا، التي تتسم بعدم اليقين الشديد والخطر المتزايد إزاء تشويه الإدراك، يتوقع أن يكون لها تأثير أيضًا على “البيئة الاستراتيجية لإسرائيل”. وأن لقاء “العصف الفكري” الذي نظمه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أشار إلى عشرة سيناريوهات سلبية محتملة، يمكن أن تتحقق في سياق الأزمة، وإن لم يكن هناك دلالات عليها في الواقع حتى الآن.

قد تؤدي الأزمة إلى زيادة احتمال (انهيار أنظمة حاكمة وأجهزة أمنية – موجة إرهاب في الضفة الغربية – موجة من التصعيد ضد غزة – زيادة نشاط داعش – انسحاب أميركي متسرع من العراق ومن سورية – خطفات روسية إستراتيجية في المنطقة – إضعاف الممالك في الخليج).

هناك سيناريوهات أخرى خطيرة (ليس واضحًا إن كان هناك زيادة في احتمال حدوثها) وهي: (الترويج للبرنامج النووي الإيراني، أو بدلًا من ذلك تقليص الضغط الأميركي على طهران – الدفع بمشروع الصواريخ الدقيقة في سورية وفي لبنان، تصعيد بين إسرائيل وإيران في سورية – هجوم سيبراني واسع عالمي أو متركز على إسرائيل).

إن توقع حدوث ضرر ينجم عن تلك السيناريوهات يستلزم التفكير، الرصد وتحييد موارد الاستخبارات للتحذير من احتمال تحققها…وفي ما يلي تفاصيل الدراسة:

  • بحسب ما يتضح، فإن أزمة كورونا هي حدث متذبذب متعدد الأبعاد، فهي أبعد بكثير من المستوى الطبي، وخط فاصل في العلاقات الدولية بشكل عام، وفي تاريخ الشرق الأوسط بشكل خاص. ونظرًا لأن الأزمة غير مسبوقة، فإنه من الصعب التنبؤ بمدى وخطورة ضررها بالدول، والمجموعات والأفراد، وكذلك الدمج بين الفوضى الإقليمية والعالمية. كل هذا يصوِر درجة عالية من عدم اليقين، ويشكِّل تحديات لصلاحية التقديرات إزاء المستقبل.
  • يهدف هذا المقال إلى خدمة متخذي القرارات والجمهور، في التفكير في مستقبل بيئة استراتيجية مهتزة. حيث يتم من خلاله استعراض عشرة سيناريوهات محتملة لها انعكاسات سلبية على “إسرائيل”، ويمكن أن تتطور خلال مدى زمني يصل إلى بضعة أسابيع.
  • تمت بلورة تلك السيناريوهات في لقاء “العصف الفكري” الذي جرى بين باحثي معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.
  • يظل الانشغال بـ “الفرص” التي قد تتيحها الأزمة خارج نطاق التأملات التي تنطوي عليها هذه الوثيقة. السيناريوهات ليست “قائمة نهائية”، إنما هي تجسيد لمستقبل محتمل، كما أنها غير مدعومة بالضرورة بحقائق من الواقع الحالي. فأزمة كورونا تشير إلى زيادة احتمال تحقق بعض تلك السيناريوهات، فيما لا يزال احتمال وقوع البعض الآخر منخفضًا، غير أن الضرر الكبير الكامن بها يستلزم من “إسرائيل” اليقظة، التفكير والمتابعة الصارمة.
  • إن انتشار فيروس كورونا في المنطقة من شأنه أن يعجِل بالاتجاهات الحالية، وأن يخلق تحديات جديدة، إضافة إلى أنه يضع في الوقت نفسه عددًا كبيرًا من الدول والمنظمات في مواجهة ضغوط شديدة، زيادة خطر التشويه الإدراكي فيما يتعلق بالواقع (خاصةً عقب زيادة “الأخبار المغلوطة” ونظريات المؤامرة)، الاستنتاج الخاطئ أو العكس، وتغير واقعي في تقييم المخاطر. وكل ذلك من شأنه أن يغير خطة الاعتبارات الاستراتيجية التي ينتهجها اللاعبون في المنطقة، والتي اعتادتها “إسرائيل”.
  • قد يقوم لاعبون مختلفون حينذاك بتنفيذ نشاطات (حتى تلك التي يمتنعون عنها حتى الآن). هذا من منطلق الضرورة -لصرف الانتباه عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية على الساحة الداخلية، وعدم القدرة على التعامل مع الضغوط التي تتعاظم بفضل الوباء، أو بهدف اغتنام الفرص- استنادًا إلى تقييم بأن الأزمة غيرت لصالحهم علاقات القوة في المنطقة واعتبارات الدول العظمى في ما يتعلق بالشؤون الإقليمية، وكذلك التوقع بانخفاض تكاليف القرارات الخاطفة.

سيناريوهات يمكن أن يزيد احتمال تحققها:

* انهيار أنظمة حاكمة وأجهزة الحكم: حيث إنه من المحتمل أن تجد الأردن، لبنان، والسلطة الفلسطينية وحتى مصر، صعوبةً في احتواء الأزمة. وعلى الرغم من أن توقعات شعوب تلك الدول محدودة إزاء حكوماتهم، فإن الكارثة الطبية أو نقص المنتجات الأساسية يمكن أن تؤجج الاحتجاج، وأن تؤدي إلى فوضى وانهيار الأنظمة.

إن تفكك الأنظمة الحاكمة الصديقة لـ “إسرائيل” يمكن أن يحوّل أراضيها إلى مصدر تهديدات مستمرة إزاء “إسرائيل”، في الفترة الزمنية الحالية، خاصةً إذا تم النظر إلى “إسرائيل” كمكان آمن نسبيًا. وقد تتطور تلك التهديدات في شكل موجة من اللاجئين لـ “إسرائيل”.

يتوقع أن يكون لأزمة فيروس كورونا تأثير على “البيئة الاستراتيجية لإسرائيل”. وأشار معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى عشرة سيناريوهات سلبية محتملة.

* تصعيد أمني ضد قطاع غزة: من شأنه أن يتطور على خلفية تقدير حركة (حماس) بأن “إسرائيل” باتت أكثر كبحًا لقوة الرد العسكرية، وأنها قد تستجيب بسهولة لطلبات التسهيل على المدنيين. وفي مقابل ذلك، قد يحدث تدهور في حكم (حماس) التي ستعمل على توسعة نطاق عمل الجهاد الإسلامي والفصائل الأخرى. إلا أنه كلما ساعدت “إسرائيل” (حماس) في التغلب على الوباء وتخفيف الحصار على قطاع غزة؛ انخفضت التوقعات إزاء تحقق هذا السيناريو.

* موجة إرهاب في الضفة الغربية: قد تتطور إلى عمليات خطف أو موجة إرهابية على الأفراد، في أعقاب زيادة الضائقة الشخصية، أو التقدير بتقلّص المخاطر وزيادة التوقعات بالاستفادة من النشاط الإرهابي في تحقيق إنجازات ملموسة.

قد يتحقق هذا السيناريو، إذا ما تضاءلت قدرات السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” على تطبيق القوانين ومكافحة الإرهاب. وكلما زادت الضائقة المدنية بين الفلسطينيين؛ تفشى الوباء بين السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وهذا من شأنه أن يحفِز الدافع للقيام بعمليات خطف.

* إعادة تأهيل تنظيم (داعش): بمعنى زيادة العمليات الإرهابية من قِبله في المنطقة وفي أنحاء العالم، وسيطرته على أراضي في المنطقة، بما في ذلك في سيناء. إن عدم الاستقرار السياسي المستمر في العراق، وتركيز الأنظمة الحاكمة على التعامل مع الوباء، من شأنه أن يُضعف الحكم في المناطق الحدودية، وقد يؤدي ذلك إلى جملة من الأمور، من بينها ضعف الضغط العسكري على التنظيم. إضافة إلى أن تحمُل أجهزة الاستخبارات في العالم أعباء من المهام قد يخلق صعوبة في رصد الاعتزام بقيام عمليات إرهابية في الغرب.

بالنسبة إلى تنظيم (داعش)، فهو خالٍ الفيروس، ولذا فإنه قد يرى في الأزمة فرصة لاستعادة مكانته وقدراته، واستئناف الهجمات الإرهابية في المنطقة وفي أنحاء العالم، وسيحاول السيطرة على مناطق في المنطقة، من ضمنها شبه جزيرة سيناء.

* انسحاب أميركي متسرّع من سورية والعراق: يمكن أن يحدث الانسحاب على خلفية انتشار الوباء في تلك المناطق، أو على إثر عملية شديدة لشعبية الرئيس دونالد ترامب على خلفية الأزمة، قد تدفعه إلى التقدم في إجراءات الانسحاب، لما في ذلك من قيمة انتخابية من وجهة نظره. وبناءً عليه، فإنه كلما تم تقويض سيطرة حكومة بغداد على الدولة؛ ازداد ضغط الميليشيات الموالية لإيران على القوات الأميركية.

ومن المرجح أن يؤدي الانسحاب الأميركي من العراق إلى انسحاب من سورية، وتفكك التحالف الدولي الذي يقاتل ضد (داعش) واستيلاء نظام الأسد على شرق سورية.

* خطفات روسية على حساب الولايات المتحدة الأميركية: قد تحاول موسكو دفع دول الخليج إلى ترخية التزامها إزاء الولايات المتحدة، من خلال شراء أسلحة أو مفاعلات روسية، أو الاستثمار في الاقتصاد الروسي. هذا في مقابل إعادة ترميم كارتل أوبك بلس. وهكذا، قد تتحول روسيا إلى مزوِّد لدول المنطقة بقدرات عسكرية، تغير التوازن الاستراتيجي. على سبيل المثال، أنظمة 400S لإيران أو العراق، وتشجع نظام الأسد على التوصل إلى اتفاقيات مع الأكراد، ستزيل الأرض تحت التواجد الأميركي في شرق سورية. وإن ضعف الموقف الأميركي وتعزز نظيره الروسي من شأنه أن يضر بحرية العمل الاستراتيجي والعسكري لـ “إسرائيل”. حيث إنهم سيتركون “إسرائيل” وحدها تتعامل مع الخصم الإقليمي الإيراني، وبدعم أميركي محدود (مقارنةً باليوم) في سيناريو من الانقسام أمام روسيا.

* إضعاف الممالك في الخليج: انخفاض أسعار النفط والغاز وتفشي الوباء من شأنه أن يقوِّض القوة المالية لممالك الخليج، وأن يعمّق التحديات أمام استقرارها الداخلي.

“انقلابات محتملة في البلاط الملكي”، على سبيل المثال، قد يستغل محمد بن سلمان حالة الطوارئ في التعجيل بتوليه العرش. وهذا قد يزيد من حدة التوترات القائمة في طبقات الحكم، وكذلك بين الحكام والمدنيين. وهذا السيناريو قد يُضعف بفاعلية الشراكة الإسرائيلية الخليجية ضد إيران، حتى في اليوم التالي لكورونا.

إلى جانب تلك السيناريوهات، هناك سيناريوهات أخرى، لا يمكن تقييم زيادة احتمال وقوعها، إلا أن التوقع بحدوث ضرر كبير مرتبط بها، يستوجب يقظةً خاصة:

* تحوّل في القضية النووية الإيرانية: عبر تعزيز قدراتٍ إيرانية تقلّص الجدول الزمني المحتمل للقنبلة و/أو تلاشي سياسة “الضغط لأقصى درجة” الأميركية، ويمكن أن يدفع ذلك النظامَ الإيراني إلى التقدير بأن تكديس “الثروات النووية” سيصبح منخفضًا، بانخفاض الأسعار الإستراتيجية، وسيحسِّن قدرة المساومة أمام الولايات المتحدة الأميركية. بدلًا من ذلك، قد تسعى إدارة ترامب لبدء مفاوضات مع إيران، أو تجميد الوضع الحالي مقابل توسيع المساعدات الإنسانية، على أساس تقييم بأنه لا يمكن تحقيق إنجازات أمام إيران قبل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر. إن تخفيف نظام العقوبات سيجعل من الصعب تجديد الضغط حتى في فترة ما بعد الوباء.   

* الدفع بمشروع التسليح الدقيق في الجبهة الشمالية أو زيادة التصعيد بين “إسرائيل” وإيران في سورية: قد يعتقد “حزب الله” وإيران أن عبء المهام على وزارة الدفاع في “إسرائيل” وتسطيح القوة البشرية (على غرار بقية الخدمة العامة)، يشكِل فرصة لتعزيز خطوط إنتاج محمية تمامًا من الصواريخ الدقيقة في سورية وفي لبنان. بدلًا من ذلك، قد تنجح إيران في نشر أسلحة في سورية و/أو في العراق، وإطلاقها نحو “إسرائيل”. من المحتمل أن تحاول إيران دفع “إسرائيل” إلى إدراك تكاليف الحرب في الماضي والآن. وهو ما يتشابه مع التصعيد في عمليات الميليشيات الموالية لإيران ضد القوات الأميركية في العراق.   

* هجوم سيبراني واسع، عالمي أو مُركز: قد تكون له أضرار استثنائية في الوقت الحاضر؛ ذلك بأن اعتماد الاقتصاد العالمي على بنى الاتصالات والعمل عن بعد زادَ، في فترة البعد الاجتماعي والحظر، بدرجة غير مسبوقة. كما أصبحت حكومات الدول تعتمد على أنظمة الاتصالات، أكثر من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، فإن على صناعة الاتصالات أن تتحمّل أعباء التنقل الزائد، والتكيف بسرعة مع تغيرات السوق وقيود القوى البشرية، حيث يمكن أن تنشأ ثغرات في أجهزة الأمن.

إضافة إلى تلك السيناريوهات، يمكن أن تظهر تطورات أخرى قد تخلق سياقات استراتيجية جديدة في المنطقة: وفاة قادة رئيسيين، تغيرات محتملة في ديناميكيات القوى العظمة على الصعيد الدولي، حسم عسكري في الحرب الأهلية في ليبيا، وقف إطلاق النار في اليمن، أو حل الأزمة بين قطر وجيرانها الخليجيين.

توصيات لإسرائيل:

تركز “إسرائيل” حاليًا بشكل أساسي على التعامل الطبي والاقتصادي والاجتماعي مع الأزمة. حيث قلَّصت أجهزة الأمن نشاطها الروتيني، وباتت توجِّه جزءًا من الاهتمام نحو تقصي أسباب تفشي الوباء، الحصول على المعدات الطبية والحفاظ على النظام العام.

على الرغم من الحاجة الملحة للتعامل مع العواقب المباشرة للوباء، فإن على صناع القرار في “إسرائيل” أن يأخذوا في الاعتبار احتمال تحقق سيناريوهات تشكل تحديات، خاصة تلك التي تمت مناقشتها هنا، مستوى الضرر العالي الكامن بها. وعليه، يتعين على وزارة الدفاع تخصيص موارد للجمع والبحث، لتحديد المؤشرات الدالة على تلك السيناريوهات وتحليلها.

في بعض المجالات على الأقل، قد يمنح الكشف المبكر للتطورات السلبية “إسرائيل” فرصةً للتدخل لمنع المساس بمصالحها، بينما في مجالات أخرى، قد يفيد الاتصال الاستراتيجي المسبق قادة المنطقة في اتخاذ إجراءات، تمنع حدوث تصعيد فوري أو صعوبة في العلاقات في المستقبل.

(موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي)

https://www.inss.org.il/he/publication/ten-negative-scenarios/