مترجم عن الإنكليزية/ عن البحث التالي:

Saran Ghatak and Andrew Stuart Abel: Power/Faith: Governmentality, Religion, and Post-Secular Societies, International Journal of Politics, Culture, and Society, V. 26, 2013.

https://bit.ly/2LMpPoZ

ملخص:

يوفر مفهوم فوكو للحاكمية Governmentality(*)، وطرائقه الحاضرة للقوى الحيوية والتقنيات التأديبية، مخططًا مفاهيميًا مفيدًا لتحليل دور المؤسسات الدينية وشبه الدينية في المجتمع المعاصر. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في دراسة تلك الدول الديمقراطية النيوليبرالية التي تشكل فيها المنظمات الدينية وجودًا مهمًا في المجتمع المدني. وبما أن الدين يشارك تمامًا في استنساخ البنية الاجتماعية في معظم المجتمعات، فإن هناك حاجة إلى تقييم الأهمية الاجتماعية والسياسية للمؤسسات الدينية، لفهم تعبير وممارسة الحاكمية. ولا يقتصر هذا على الشراكات بين وكالات الدولة والمنظمات الدينية في توفير الخدمات الاجتماعية، ولكن نراه أيضًا في الطقوس والنشاطات الدينية الأخرى التي تمارسها هذه المنظمات؛ تلك التي تلعب دورًا حيويًا في تشكيل وصياغة الذاتيات الاجتماعية والسياسية للأتباع. ونزعم أن التآزر بين المعرفة بالحكومة وبعلم الاجتماع الديني من شأنها أن تسمح بفهم أكثر دقة لسياسة وثقافة المجتمعات ما بعد العلمانية.

المقدمة:

لقد أثرت نظرية فوكو للحاكمية تأثيرًا كبيرًا على المعرفة بإدارة المجتمعات الديمقراطية المعاصرة (بروكلينج وآخرون، 2011، بورشل 1996؛ دين 1999؛ جوردون 1991؛ جيسوب 2006؛ جوزيف 2010؛ نادسان 2008؛ روز 2000؛ روز وآخرون. 2006؛ سندينج و نيومان 2006؛ والترز و هاهر 2005). ومع ذلك، لم يوجد سوى قليل من التحليلات لدور المنظمات والممارسات الدينية في تلك الأدبيات. إن الأهمية المتزايدة للتعاون بين الوكالات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، بما فيها المنظمات الدينية، حتى في الدول التي فصلت تاريخيًا بين الكنيسة والدولة، تستلزم إعادة التفكير في العلاقة بين السلطة الدينية والعلمانية في المجتمعات المعاصرة. وقد افتتح عمل خوسيه كازانوفا (1994) الأساسي بخصوص الأديان العامة في العالم الحديث إعادة التفكير في هذا الموضوع، إلا أن هناك إشارة ضئيلة إلى فوكو في المناقشات اللاحقة بشأنه. وهنا نقول إن الحوار البناء بين المعرفة المستوحاة من الأدبيات بخصوص الحكومة وعلم الاجتماع الديني سيساعدنا على فهم أفضل للعمليات الحكومية في المجتمعات “ما بعد العلمانية” المعاصرة.

في الآونة الأخيرة، احتل مفهوم ما بعد العلمانية مكانة بارزة في تحليلات دور الدين في المجال العام في الدول الديمقراطية العلمانية المعترف بها في أوروبا وأميركا الشمالية (بارباتو و كراتوشويل2009؛ فيرارا 2009؛ دي فريز وسوليفان 2006؛ هابرماس 2008،2010؛ بيبر ويونج 2010؛ روزاتي 2010؛ توربي 2010). في حين إن المعرفة بما بعد العلمانية تؤكد الاهتمام المتزايد بالممارسات الدينية وشبه الدينية، إلا أنها كثيرًا ما كانت تهتم بقضايا على المستوى الكلي مثل صعود الأصولية الدينية في جميع أنحاء العالم، وحقوق والتزامات الأقليات الدينية في المجتمعات متعددة الثقافات (بومان 2012؛ كازانوفا 2006؛ ديلون 2009؛ هابرماس 2006،2008؛ تايلور 2007). ومع ذلك، تركز هذه الورقة تحديدًا على أهمية منظمات المجتمع المدني على المستوى المتوسط، بما في ذلك الجماعات الدينية وشبه الدينية، وطقوسها الجماعية في العمليات الحكومية في المجتمعات المعاصرة.

ونحن هنا نخلط عمدًا مصطلحي “ديني” و”شبه ديني” من أجل تجنب التشابكات التعريفية المعتادة؛ إذ نشير هنا إلى عائلة من المنظمات والممارسات التي تتأثر بمفهوم مشترك للمقدس. ومن أجل الإيجاز، سنستخدم في الغالب مصطلح “الدين” للإشارة إلى مجموعة كاملة من المنظمات التي لديها أنظمة معتقدات واضحة وطقوس جماعية تتعلق بالمسائل المقدسة. ونزعم أن تقنيات التفاعل التي تستخدمها التجمعات النموذجية – الطقوس الدينية / شبه الدينية، تتوسط استجابة الأفراد إلى الجهاز الأيديولوجي والمؤسسي لسلطة الدولة. وبهذه الطريقة، فإن الدين والوثيقة الكبيرة لا يخدمان بصفتهما جانبًا واحدًا من “العملية الحضارية” فحسب، بل بوصفهما عاملًا يستوعب السلطة الصريحة للدولة، وإن كان ذلك عبر وسائل غير مرئية تقريبًا: بروتوکولات التفاعل البین شخصي، وأبعاد التبادل الاجتماعي الأخلاقي الموجودة، والتنظیم الجماعي للاستجابة المؤثرة التي قد توفر شعورًا بالتجمعية والانتماء والمواطنة في المجتمعات ما بعد العلمانية.

خطة المقال هي كما يلي: نبدأ بموجز لإشارات فوكو إلى الدين والإيمان والطقوس ضمن منظوره الأوسع بشأن طبيعة السلطة الاجتماعية في الحداثة، ويقدم القسم التالي تحليلًا للعلاقة بين الحكومة والدين فيما يتعلق بالمنظمات الدينية وشبه الدينية في الأزمان الراهنة، بينما ينظر القسم اللاحق في دور المنظمات الدينية في خلق “وكلاء طقسيين” بوصفهم تابعين مسؤولين. وينظر القسم الختامي في كيفية تغير العلاقة بين الدين والدولة في ظل ظروف التعددية الدينية، ويشير إلى ضرورة وجود رؤية متوازنة للدين تجاه الحكومة؛  وهي مسألة تنظر في كل من الترتيبات التعاقدية الفرعية لتقديم الخدمات الاجتماعية و”تحميل المسؤولية ” عبر النشاطات الجماعية الدينية وشبه الدينية.

الإيمان والسلطة وضبط السلوك:

على الرغم من أن فوكو لم يكتب على نطاق واسع عن الدين، يبدو من إشاراته المتفرقة إلى الموضوع أنه رأى أساسًا أن الدين هو مجموعة من المؤسسات التي تنتج “الحقيقة” والتأديب. ويلاحظ كازانوفا أن فوكو (من بين علماء الاجتماع التاريخيين الآخرين) “… يبرهن بوضوح على أن الانضباط الداخلي له تأثير أكبر “من أي مكافأة دنيوية أو أي انضباط وعقاب خارجي تنفذه قوى هذا العالم” (1994، ص 50). لا يظهر هذا الانضباط الداخلي في فراغ، بل هو نتاج نشاطات جماعية وطقوس هي السمة المميزة للحياة الدينية (أسدن 1993). كان فوكو على وعي واضح بالطقوس وقدرتها على تشكيل الأفراد بطرائق معينة (فوكو 1979، 1990). إن شرحه كيفية مشاركة الطقوس واطلاعه على علاقات السلطة يجعل منه إضافة مهمة إلى أطروحة دوركهايم للتضامن الاجتماعي (بيل 1992). غير أن النقص في الإشارة المباشرة إلى الدين في أعمال فوكو يحد من إمكان تطبيق مخططه المفاهيمي للسلطة والحكم في المجتمعات المعاصرة.

يلخص كاريت (2000) إشارات فوكو إلى الدين في كتاباته من عام 1976 حتى عام 1982، وهي الفترة التي فسر فيها فوكو المسيحية على أنها “دين اعترافي”. فالفرد يعترف ويقاوم الإغراءات، ويدلي بشهادة عامة أو خاصة ضد نفسه، وبخلاف ذلك يضبط ذاته بوصفها وسيلة للخلاص. وهكذا، يؤكد فوكو الجانب المسيطر من الممارسات الدينية، ومع ذلك يتجاهل المجتمعات الشعائرية التي هي السمة المميزة للتجارب الدينية (تيرنر، 1969). لا يشير هذا إلى نقد الجوهر، ولكنه جانب واحد من التركيز، كما لو أن فوكو يصرخ بالعلمانية ويهمس بالأخوة الإنسانية.

وبالتالي، هناك مفارقة مثيرة للاهتمام في عمل فوكو. فعلى الرغم من عمله المؤثر عن الجسد، يعامل فوكو الدين في الغالب، وبخاصة الجوانب الاعترافية من المسيحية والسلطة الكهنوتية، بوصفه جهازًا مفاهيميًا للسلطة التأديبية. وهو يتخذ الواقع لكونه سابقًا على السلوك. إنه المثال الذي سوف يظهر فيه التعبير المقيد للحرية الفردية بوصفه نوعًا من المناهج الخفية الشريرة؛ ما يشترط على الأفراد المشاركة في مثل هذه التمارين المسوغة والوافرة، مثل الاعتراف أو الصيام الذي يهدد الاستقلال الذاتي والحرية الفردية. ولكن من الممكن أيضًا التعامل مع الفهم الديني بصفته نتيجة للممارسات الدينية لأنظمة حضور التقاليد والطقوس، وحتى للحرمان البدني. إن رفض هذا الإمكان هو رفض لأي معتقد تقريبًا في عملية الممارسة الدينية. في الواقع، قد يحجب التأكيد على الجوانب التأديبية للطقوس عنصر الاختيار الفردي الذي ينطوي على تحقيق “الامتثال الطوعي” بين المؤمنين (أسد 1987، ص 165). تجد الدراسات الحديثة للطقوس الدينية أو غير الدينية، فضلًا عن دراسات السلوكيات الطقوسية بوصفها تدريبًا عسكريًا ودندنة في الوقت نفسه، أن الحقيقة قد تخدم الهيئات المسيطرة، ولكن الهيئات قد تضع الأساس للتفاهمات المشتركة التي تُمرر بصفتها الحقيقة (كولينز 2004؛ كيرتز 1988؛ ماكنيل 1995؛ رابابورت 1999؛ وارنر 2008). وهذا يعني أن الممارسة قد تلوث الأيديولوجية.

يمكن القول إن تركيز فوكو المميز ينشأ مع تركيزه على الجوانب المعرفية للدين (أي المعتقدات الدينية)، بدلًا من جوانبه الطقوسية والعاطفية. وعلى وجه الخصوص، فإن استخدامه الاعتراف بوصفه وحدة أساسية للتحليل له عواقب واضحة في أي دراسة للدين (كاريت 2000؛ فوكو 1972، p.79-87). واعتمادًا على كيفية تفسير المرء كتابات فوكو عن الجسد، تلك التي تبشر بالوعي بالخبرة الحسية والعواطف والاستجابة العاطفية، فإن تحليل فوكو الخطابي للاعترافات ينطوي على نهج معرفي قوي لدراسة السلوك الاجتماعي، بما في ذلك السلوك الديني (فوكو 1980، ص 93).

هذا النهج مقيد إلى حد ما بميل فوكو إلى معالجة المحاولات المؤسسية لتعديل السلوك بوصفها إهانة للإرادة الحرة تتضح في استخدام مصطلحات مثل التأديب أو الانضباط. يثبت “كاريت” أن فوكو رأى طوال حياته المهنية أن الدين هو تقنيات قسرية للسلوك عبر إنتاج “الحقيقة” (كاريت 2000، ص 31).

وهناك جانب آخر من استجابة فوكو للدين يمكن أن يُنظر إليه في استخدامه الغامض لمصطلح “الروحانية”، الذي يستخدمه في الإشارة إلى “التجارب” في حدود العقلانية، وإلى طريقة تحولها كونها ذات انعكاسات سياسية أحيانًا (كاريت 2000، p.46-47). وبعبارة أخرى، على الرغم من شكوكه المتشائمة بشأن الدين بوصفه وسيلة للسيطرة الاجتماعية، استخدم فوكو مصطلح الروحية لتأكيد الدين ونفيه في وقت واحد. يكمن الفرق، بالنسبة إلى فوكو، فيما يبدو، في ما إذا كانت الممارسات المعنية تحدث في سياق الدين المنظم من عدمه. ولكن إذا كانت الروحانية تعني معتقدات وممارسات فردية، فإنها لن تأتي ضمن نطاق المجتمع المدني. إن اهتمام فوكو بالروحانية السياسية، وبخاصة بعد الثورة الإيرانية، أمر مذهل للغاية، ويشير إلى أن فوكو كان يتحرك بالتحديد في الاتجاه الذي ندعو إليه: أي تحليل أكثر شمولية لعلاقة الدين بالحاكمية. ومع ذلك، حتى في هذه الحالة، يبدو أن فوكو قد استجاب عن طريق إعادة النظر في عمله السابق بشأن التقنيات الذاتية وغير الذاتية للبوليس. وعلى الرغم من جاذبية استكمال أفكار فوكو عن الدين ذات الرؤية الثاقبة بشأن الروحانية السياسية، ليس من الممكن في المقال الحالي فعل ذلك.

ولكي نفهم بشكل صحيح وجهات نظر فوكو عن الدين، من المهم أن نلاحظ أن تركيزه على المعرفة الدينية والآليات الكامنة وراء إنشائها واستخدامها ما يزال محوريًا في تصوره للدين. ومع ذلك، فإن فهم تقاطعات الحاكمية والدين والسلطة التأديبية لا يطرح الجوانب المعرفية للتفاهمات الدينية فحسب، ولكن أيضًا المنظمات والممارسات الدينية للدراسة. قد تكون الطقوس، كما أدرك فوكو، تقنيات تأديبية، ولكنها أكثر من مجرد تأديب في سياق التعددية الدينية. إن تقنيات التأديب التي تستخدمها مجموعة دينية قد تخلق في الواقع “هيئة طيعة” (فوكو 1979، ص 136). ولكن هذا لا يخبرنا شيئًا تقريبًا عن الغايات التي يخدمها هذا الانقياد، لا سيما في ظل ظروف التعددية الدينية، حيث يمكن للأفراد التنقل بحرية بين التوجهات الدينية المختلفة. وعلاوة على ذلك، في حين يعترف فوكو والعلماء اللاحقون بتحول الحكومة في ظل النظم النيوليبرالية المعاصرة، لم يكن هناك سوى قليل من التحليل لدور المؤسسات والممارسات الدينية في العمليات المؤسسية للحكم في تلك الأدبيات. ويبحث القسم التالي في الكيفية التي يساعدنا بها مفهوم الحاكمية على فهم أفضل لانتشار المنظمات الدينية في المجتمع المدني في عدد من المجتمعات الديمقراطية المعاصرة.

الحكومة والدين:

يُعدّ مفهوم فوكو للحكومة محورًا مركزيًا لمفاهيم فوكو للسلطة والمعرفة والتنظيم الاجتماعي (فوكو 1980). في المنظور الفوكوي، لا يعاد النظر إلى السلطة أو ينظر إليها على أنها أداة للهيمنة الطبقية، ولكن تُغرس في العلاقات الاجتماعية بين الناس والمجتمعات والمؤسسات و”التقنيات” المعنية بإنتاج عادات ومعايير وتقاليد المجتمع واستنساخها وتنظيمها. إن “السلطة السيادية”، التي اتسمت بالملكية المطلقة لشطر كبير من التاريخ، استبدلت تدريجيًا بـ “التقنيات الجديدة للسلطة” التي ظهرت في القرن التاسع عشر (فوكو 1991). هذا التحول التاريخي للسلطة الاجتماعية متأصل بقدر ما في ما يحدث في تحولات الاقتصاد السياسي، كما هو الحال في صعود الليبرالية بصفتها مثالًا سياسيًا. ولا تعتمد تقنيات السلطة هذه على الإكراه أو إبادة العصيان، بل تنظم السكان الوطنيين وتتحكم بهم عن طريق السعي إلى قولبة الذوات وتأكيدها بطريقة تؤدي إلى التناسخ الصحي للنظام الاجتماعي. (دونزلوت 1979؛ فوكو 1991؛ غوردون 1991؛ روز 1996، 2000). ويسعى هذا المنظور بشأن السلطة إلى اكتشاف الطرائق “… والهيئات المتعددة والقوى والطاقات والمسائل والرغبات والأفكار وما إلى ذلك، تدريجيًا وواقعيًا، وتشكيلها ماديًا بوصفها موضوعًا” (فوكو، 2004، ص 28).

يشير استخدام فوكو لمصطلح “الحكومة” إلى أن الاهتمام التحليلي مرتكز على عمل الحكومة فقط. ومع ذلك، فإن النطاق الكلي للحكومة یتجاوز الأجهزة المؤسسیة للدولة. وبدلًا من ذلك، فإن الدولة نفسها هي “الأثر المتنقل لنظام الحكومات المتعددة” (فوكو 2008، ص .77). ومن النتائج المترتبة على التحول التاريخي من السلطة السيادية إلى الحكومة الليبرالية أو النيوليبرالية أن المجتمع المدني قد اتخذ أهمية جديدة في عمليات الحكم (فوكو 1991؛ روز وميلر 1992). ويشكل التعقيد المؤسسي -للمجموعات المدنية، ومنظمات العمل الاجتماعي، والمنظمات الخيرية، والمجموعات المهنية والمنظمات الحكومية- وكيلًا للحكومة. ومع تقلص نطاق التدخل الحكومي المباشر عبر الخصخصة وإلغاء الضوابط التنظيمية، يكتسب الفاعلون ومنظمات المجتمع المدني أهمية متزايدة في تنظيم الحياة الاجتماعية وتعبئتها (سوينجيدوو 2005). وقد ينتقل التأثير المشترك لهذه المؤسسات والممارسات إلى ما هو أبعد من مجالات السياسة والسياسة المحلية، ويتردد صدى المجتمع المدني عمومًا.

ويحتاج الأمر إلى توضيح مصطلح المجتمع المدني ذاته لأغراض تحليلية. نرى، عبر متابعة دي توكفيل، أن “المجتمع المدني” عمومًا، بوصفه مستوى متوسطًا من المؤسسات الاجتماعية تقع استراتيجيًا بين الحكومة والأفراد/الأسر (توكفيل، 1988 [1831]، يتوسط المساحة الواقعة بين الفرد والدولة، ويوفر إطارًا تشاركيًا ترابطيًا أساسيًا لعمل الديمقراطية. في بعض الحالات، قد توفر هذه المؤسسات رصيدًا موازيًا لسلطة الدولة في أكثر الدول استبدادية ذات العواقب الثورية المحتملة كما كان الحال في الدول الاشتراكية السابقة في أوروبا الشرقية (كوهين و أراتو 1994). وفي الوقت نفسه، في حين قد يكون المجتمع المدني نفسه موقعًا للنضال ضد الهيمنة بين القوى الاجتماعية المتباينة، فإن منظمات المجتمع المدني ليست بريئة من مكائد السلطة في الوقت ذاته (غرامشي 1971).

المؤسسات التي تؤلف المجتمع المدني متنوعة وذات طابع مستقل في معظمها (بوتنام 2000). وفي عدد من المجتمعات، تعد منظمات المجتمع المدني مؤسسات دينية تساهم، كغيرها من المنظمات التطوعية، في الحياة المدنية للمجتمع المحلي. وهكذا يمكن عد المجتمع المدني مجموعة من المؤسسات التي تعزز الأيديولوجيات، بعضها أيديولوجيات أخلاقية ودينية. وقد تطور هذه المؤسسات تقنيات تأديبية وذاتية متميزة ومنفصلة عن الدولة، بل وأحيانًا متعارضة تمامًا معها. تخصص مؤسسات المجتمع المدني بالضرورة كثيرًا من مواردها للتنشئة الاجتماعية الثانوية للأعضاء بمعتقدات وممارسات المنظمة. ويتجلى عمل العلماء في أدبيات الحكم بشأن طبيعة المجتمعات النيوليبرالية المعاصرة بقوة في بعض ممارسات منظمات المجتمع المدني، سواء كانت دينية أم غير دينية، في بناء رأس المال الاجتماعي وخلق مواطنين مسؤولين (دين 1999؛ جوردون 1991؛ روز 1999).

وقد أثر مفهوم فوكو للحكومة على الأدبيات الحالية بخصوص المجتمع المدني وحكم الديمقراطيات الليبرالية، ولكن مع مفارقة إشكالية: ففي حين إن المنظمات الدينية بارزة جدًا في المجتمعات المدنية في عدد من البلدان، مثل الولايات المتحدة، نجد أن فوكو يستخف بأهمية المؤسسات الدينية وشبه الدينية. ومع ذلك، فإن انتشار الدين في الخطابات بشأن الأخلاق والهوية الوطنية يشير إلى أن الدين يشارك مشاركة وثيقة في استنساخ البنية الاجتماعية، ويعمل على الحد من السلطة الحكومية (وبصورة متناقضة تمامًا) يعمل على شرعنة أجندات معينة للدولة (أسد 2003؛ ديميراث 2001).

لقد أصبحت المبادرات القائمة على الإيمان أو الاعتقاد بارزة جدًا في المناقشات عن تقاطع الدين والسياسة في الولايات المتحدة. وفي حين إن الفعالية العملية لمثل هذه المبادرات هي موضع تساؤل، حظيت الآثار المعيارية المشار إليها بوضوح باهتمام واسع. وفي رأينا، تتمتع فعالية هذه المبادرات في توفير الخدمات الاجتماعية بأهمية علمية كبيرة، مثل دورها في إضفاء الطابع الشرعي على وجود الدين في المجال العام وما يترتب على ذلك من آثار على النشاط الطقسي الجماعي. يؤكد ساجر أن الدعم المزعوم للمبادرات من أجل الفقراء والمحرومين يغطي ظاهرة أوسع وأكثر انتشارًا لسيلان السلطة الاجتماعية في جميع أنحاء الجسم السياسي (2010).

لقد كانت المنظمات الدينية تاريخيًا جزءًا مهمًا من المجتمع المدني في الولايات المتحدة. كتب دي توكيفيل، في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، مشيرًا إلى أهمية الدين في الحياة المدنية في أميركا، وأشار إلى أنه على الرغم من أن رجال الدين لا يتدخلون في المسائل السياسية أو العلمانية، تلعب المؤسسات والممارسات الدينية دورًا مهمًا في المجتمعات الأميركية (1988 [1831]). في دراسة تاريخية نشرت في نهاية القرن العشرين، أكد بوتنام أنه جنبًا إلى جنب مع أنواع أخرى من المنظمات التطوعية التي رآها دي توكفيل بصفتها منقذًا للجمهورية، تعد المنظمات الدينية بمثابة مصادر مهمة لرأس المال الاجتماعي بين الناس. هذا (يقصد رأس المال الاجتماعي) لديه القدرة على توفير ترياق فعال لتراجع الوعي المدني والثقة المتبادلة وقوة الروابط الاجتماعية التي تميز الحياة الاجتماعية في أميركا الحديثة (بوتنام 2000).

في الولايات المتحدة، أصبحت المنظمات الدينية على نحو متزايد شريكًا مهمًا للدولة مع ظهور الاتجاه الجديد نحو خصخصة المهام الحكومية منذ الثمانينيات. لقد طالب مشروع قانون إصلاح الرفاه التاريخي، وقانون المصالحة الشخصية وفرص العمل- الذي دخل حيز التنفيذ من جانب الرئيس كلينتون عام 1996- حكومات الولايات بإدراج المنظمات الدينية في عقود لتقديم الخدمات عبر منظمات الخدمات الاجتماعية. وقد تعزز ذلك لاحقًا بجهود الرئيس بوش الذي أنشأ مكتبًا للمبادرات الدينية في البيت الأبيض، وزاد التمويل الاتحادي للمنظمات الدينية. وقد حظي هذا بدعم عام من إدارة الرئيس أوباما (البيت الأبيض 2009). وبالإضافة إلى الحكومة الاتحادية، أنشأت الحكومات االمتنوعة أيضًا إطارًا مؤسسيا للشراكات العامة – الخاصة مع المنظمات الدينية من أجل تنوع البرامج الاجتماعية (تشافيز وبولسون، 2001).

وقد اجتذب هذا الجهد الحكومي المتجدد لتقديم الدعم للمنظمات الدينية جهدًا علميًا كبيرًا من جانب العلماء (آمرمان 2005 أ؛ تشافيز 2004؛ كنعان وآخرون 2002؛ هودجكينسون وويتزمان 1993؛ بولسون 2008؛ سيلفرمان 2000؛ ووثنو 2004). وفي حين إن هناك خلافات بشأن مدى مشاركة قطاع الخدمات الاجتماعية في الأجندة الطبيعية لهذه المنظمات، هناك إجماع عام على أن هذه المنظمات تقدم مجموعة من الخدمات للمجتمعات المحلية (تشافيز 2004؛ ووثنو 2004). وقد جادل بعض الباحثين أن المنظمات الجديدة القائمة على الإيمان والاعتقاد الديني، مثل الكنائس الفقيرة متعددة التجمعات، ظهرت بصفتها جهات فاعلة مهمة في مجال الخدمات الاجتماعية في أوساط المجتمعات الفقيرة (أمرمان 2005 ب؛ لوكهارت 2005؛ بيبيس أند إيبو 2002؛ سترينسلاند 2002؛ واينبورج، 2001). يشكل عدد من المنظمات الدينية أيضًا تحالفات مع الفروع المحلية للحكومة وكذلك مع الوكالات العلمانية الأخرى (تشافيز 2004؛ بولسون 2008).

في حين تشارك المبادرات الدينية في تقديم الخدمات الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع عدد من المنظمات الطوعية غير الربحية العلمانية الأخرى، قد تكون هناك بعض الاختلافات المهمة في القيم الثقافية التي تكمن وراء عمل كل منها في المجتمعات المحلية. لقد أشار العلماء إلى أن المنظمات العلمانية غالبًا ما تتخذ نهجًا أكثر ترشيدًا وتعاقدية في علاقتها مع العملاء، في حين قد تسلط المنظمات الدينية الضوء على روح الثقة والمسؤولية المتبادلة (بارتوسكي وريجيس 2003). وتتميز هذه المنظمات بالتزامها بمهمتها الدينية الأساس، وتعمل على توصيل ذلك في تفاعلها المنتظم مع العملاء عن طريق العرض الواضح للرموز والرسائل الدينية (أونروه أند سيدر 2005). وقد تأخذ المنظمات القائمة على الإيمان على عاتقها أيضًا التزامًا واسع النطاق بالتركيز على العلاقات طويلة الأمد مع الأفراد المعنيين (كنعان وآخرون، 2002). الأكثر أهمية من ذلك، أن المنظمات الدينية توفر شعورًا بالانتماء والوحدة مع الأقران المؤمنين، وبالتالي تحث الناس على المساهمة والاستفادة من الموارد المشتركة، سواء كانت مادية أم عاطفية أو روحية. توفر لغة الإيمان الموارد الثقافية في هذا السياق عبر التأكيد على موضوعات الوحدة والتلمذة والمسؤولية، والأكثر أهمية من ذلك، على أخلاقيات التعاطف والرعاية في عمل هذه المنظمات.

وهناك اختلافات كبيرة بين الجماعات الدينية في مدى مشاركتها المدنية والدعوة إلى القضايا الاجتماعية (ويلسون وجانوسكي 1995). ويشير ووثنو (1999) إلى أن بعض الطوائف، مثل الكاثوليك والمشيخيين والميثوديين الليبراليين، غالبًا ما تدعو إلى المشاركة الاجتماعية النشطة في المجتمع الأكبر، على النقيض من الطوائف الأحدث والأصغر التي تميل إلى التركيز أكثر على احتياجات الأعضاء. وبالمثل، هناك اختلافات عبر الأمم في العلاقة بين التدين والعمل التطوعي المدني. يجد جيل (1998) درجة أكبر من الاتساق عبر الطوائف في المشاركة المدنية في المملكة المتحدة.

وغني عن القول إن الشعور القوي بالهوية الدينية لا يؤدي بالضرورة إلى العمل التطوعي “الدنيوي” والتفاني في العدالة الاجتماعية. وقد يكون مثل هذا التشكيل الوحدوي مثيرًا للجدل لأن الهويات والمعتقدات الدينية تكون في بعض الأحيان إقصائية أو حزبية، ومن ثم يصبح الالتزام بالدين المنظم في حالات عدم المساواة والفوارق القائمة موضع نقاش (ليكترمان 2008). في الواقع، يمكن اتباع نهج ماركسي أكثر أرثوذكسية يزعم أن الدين المنظم في المجتمعات النامية لا يميل إلى تحدي الوضع الاجتماعي والسياسي الراهن. ومع ذلك، فقد أظهرت دراسات مختلفة أن المنظمات الدينية كثيرًا ما تلعب دورًا تقدميًا في المجتمعات الأميركية في طريق العودة إلى أيام الإنجيل الاجتماعي وحركات العمال الكاثوليك في أوائل القرن العشرين (كورتيس 2001؛ لوكر 1991؛ بيهال 1982؛ سيجرز 1978).

وتدل التجربة التاريخية على أن العلاقة بين الدين والسلطة الاجتماعية ليست بالضرورة علاقة مبهجة، وفي كثير من الحالات توفر المعتقدات والمؤسسات الدينية مصفوفة تنظيمية وثقافية لسياسات الاحتجاج في المجتمع الأميركي (بيلينغز 1990). وتظهر المعرفة الحديثة بالمثل أن المنظمات الدينية تلعب دورًا مهمًا في تكوين رأس المال الاجتماعي في أحياء المدينة الداخلية (سترينسلاند، وود، 1997). ويكتسب ذلك أهمية خاصة، نظرًا إلى عدم وجود فرص ومنظمات أخرى في الأماكن التي تعاني إهمال حكومات المدن.

تتطلب أي نظرية الثقافة والعمل، ويشمل العمل في المجتمع المدني بعض الاعتبار للوساطة/للوكالة والدوافع البشرية (باربيري 1998؛ سميث 2003). يتطلب الفهم الدقيق لكيفية عمل المجتمع المدني وصفًا عامًا للنشاطات الروتينية لمؤسسات المجتمع المدني. لقد كان من الشائع بالنسبة إلى العلماء أن يتساءلوا ما إذا كان للدين أي تأثير على السلوك خارج المؤسسات الدينية (لينسكي 1961). لكن العلماء المعاصرين وجدوا أن الممارسات الدينية الجماعية وحتى الفردية يمكن أن تؤثر عادة على مشاعر المشاركين، وتخلق تضامنًا اجتماعيًا، وتعزز المعتقدات القائمة، وتعلم الناس السلوك الموجه أخلاقيًا (كولينز 2004؛ رابابورت 1999؛ سميث 2003؛ ووثنو 1987). وعلى الرغم من أن المصلين في مراسم العبادة العادية لديهم وساطة/وكالة كاملة للمشاركة أو عدمها، أو على الأقل للمشاركة بإخلاص أو عدمها أيضًا، فإن المشاركة في الطقوس الجماعية لها آثار حقيقية، لا سيما فيما يتعلق بالتضامن الاجتماعي وإمكانات السلوك الجماعي.

تجد الدراسات الجمعية الأخيرة في الولايات المتحدة باستمرار- بما في ذلك عدد من الدراسات الاستقصائية- أن الجماعات الدينية تركز نشاطاتها بأغلبية ساحقة على شكل من أشكال النشاطات الطقوسية و/أو على تثقيف أعضائها بشأن القضايا الدينية (أمرمان 2005 أ؛ تشافيز 2004؛ الرياح ولويس 1994 أ، ب؛ ووليفر وبروس 2002). ولا ينبغي أن يُفاجأ أحد أن المنظمات الدينية تنفق معظم وقتها ومواردها على الخدمات الدينية، إلا أن فهم مكان الجماعات الدينية إزاء الحكومة يتطلب إدراك ما تنفقه هذه المجموعات من وقتها عليه، أي الدين. وقد وجد تشافيز (2004) في دراسته للتجمعات الأميركية أن عددًا قليلًا من التجمعات يتخذ من تقديم الخدمات الاجتماعية شاغلًا مركزيًا. وتعطى هذه التجمعات موارد أكثر بكثير لأحداث العبادة والتعليم الديني والنشاط الفني (وبخاصة الموسيقى) من الخدمات الاجتماعية أو النشاطات السياسية. تنطوي الحياة الجمعية/الأبريشية الأميركية، بكلماته، “… أساسًا على الناس مجموعين معًا من أجل الغناء والاستماع إلى شخص ما يتحدث” (تشافيز 2004، ص 133). وتشير هذه النتيجة، التي يدعمها أمرمان (2005)، إلى أن تفاعل الدين والدولة ينطوي على أكثر من الترتيبات التعاقدية الفرعية لتقديم الخدمات الاجتماعية. ومن المتوقع أن يكون للتنشئة الاجتماعية لأعضاء المنظمات الدينية “… المشتغلة في الطقوس والمعرفة والجمال” الأثر الاجتماعي الأكبر (تشافيز 2004، ص 14). ولا تتعامل التنشئة الاجتماعية الدينية للأعضاء بالضرورة مع الحياة الآخرة والمسائل الثيوديسية، بل قد ترتبط في كثير من الأحيان بغرس الفضائل المدنية وأخلاقيات التعاطف والمسؤولية والمشاركة الكاملة في مجتمع واحد (هربرت 2003).

أظهر هذا القسم كيف أدى تحول الحكومة في ظل النظم النيوليبرالية المعاصرة إلى تجدد أهمية منظمات المجتمع المدني في العمليات الحكومية. وقد ظهرت المنظمات الدينية بوصفها جهات فاعلة أساسية في التفاعل بين الحكومات والمجتمعات المدنية في هذا السياق. ومع ذلك، فإن تقاطع الحكومة والدين لا يُعبّرُ عنه في داخل البنية التحتية التنظيمية للمجتمع المدني فحسب، بل ينطوي في الوقت نفسه على صياغة وتعديل المواضيع الفردية. ينطوي أحد أهم أبعاد هذه العملية على التعود على إيمان المؤمنين وتأكيده عبر الممارسات الطقوسية في داخل المنظمة الدينية. هذه العمليات لها دور مباشر في تشكيل ذوات المشاركين، ودمجها في ضمير أعضاء المجتمع. ويبدو أن فوكو (1979، 1990) قد أدرك التأثير التأديبي للسلوكيات الطقوسية، ولكنه لم يدمج كفاية تحليل الطقوس الدينية أو شبه الدينية في مفهومه للحاكمية. يحلل القسم التالي الطرائق التي قد تكون فيها التبادلات الطقوسية للإيمان مرتبطة بعمليات تشكيل الرعية المسؤولة في المجتمعات ما بعد العلمانية.

لقد ركزت كتابات فوكو المبكرة على السلطة الاجتماعية، وبشكل أكبر على التقنيات التأديبية التي تتعلق على وجه التحديد بتنظيم المجتمع. في المراقبة/ التأديب والمعاقبة، يلاحظ فوكو أنه في القرن السادس عشر بدأ الأوروبيون في استخدام طريقة التدريب التي تُقسّم فيها الحركات البدنية إلى أجزاء بحيث يمكن تدريب الناس بكفاءة عقلانية (فوكو 1979). حدث هذا التدريب أولًا في الجيش، وكان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتقنيات جديدة للحرب. في مثل هذا التدريب المؤكِد على مهارات السير- وهو نظام شديد الصرامة- يجري التأكيد علي الحركة في هذا السياق. يتعامل فوكو بوضوح مع التدريب العسكري بوصفه أداة للقمع مثلما رأى التدريب بوصفه وسيلة لغرس السيطرة أو شكلًا من أشكال السلطة التأديبية. غير أن أي زيادة في كفاءة التدريب – التي تتطلب من الأفراد المشاركة في مثل هذه التدريبات العقلانية والمكررة للغاية – تًوجّه نحو السيطرة على الاستقلال الذاتي والحرية الفردية.

ومع ذلك، تبدو التدريبات العسكرية مختلفة جدًا من وجهة نظر دراسات الطقوس. يتعامل ماكنيل (1995) مع التدريبات أساسًا بوصفها شكلًا من أشكال الطقوس، على غرار الرقص وغيرها من النشاطات التي تنطوي على السلوكيات المقررة والحركة البدنية. ومن المثير للدهشة، بالخلاف مع منظور فوكو، أن يصف ماكنيل التدريب بطريقة إيجابية للغاية. المقارنة هنا مفيدة؛ إذ ينبع عمل ماكنيل من مشاركته في التدريبات العسكرية التي وجدها منعشة بصورة غريبة بدلًا من التحكم في العواقب. يتضمن تحليل ماكنيل أيضًا الرقص والأغاني والعمل والطقوس الدينية؛ أي جميع السلوكيات التي تستخدم الإيقاع والحركة البدنية. وفي سياق صدى مفهوم دوركهايم لدور الانفعال الجمعي في الطقوس الدينية، يزعم ماكنيل زعمًا مقنعًا أن “البقاء معًا في الوقت المناسب” هو متعة، وأنه يؤدي إلى ما يسميه “الترابط العضلي”، وأن نتائج مثل هذه الطقوس العربيدية مترابطة منطقيًا من أجل تنظيم السلوك الاجتماعي (1995، ص 156).

في حين ألهم مفهوم الجسد المعارف النظرية في أعقاب كتابات فوكو، كانت هناك إشارات قليلة إلى الطقوس الدينية في تلك الأدبيات. تنطوي الحركات البدنية اللازمة لأداء الطقوس على اكتساب بعض المشاعر أو الإطارات العقلية اللازمة للمؤمنين الأفراد لكي يصبحوا جزءًا من مجتمع الإيمان. لقد كانت الشعائر الرهبانية في العصور الوسطى مصممة لغرس بعض مبادئ السلوك الفاضل بين الرهبان المسيحيين- التي أنشأها أسلافهم في الإيمان- وربطهم بالمجتمع الأخلاقي (أسد 1993). والأكثر أهمية من ذلك، كما يقول ووثنو: “تنظم الطقوس العلاقات الاجتماعية وتعرفها” (1987، ص 107). فقد توضح (أي الطقوس) الاختلافات في المكانة، كما في الإنحناءة عند الشعب الياباني فهي تكون أدنى أو أعلى على أساس الرتبة الاجتماعية، أو أنها قد تحدد الالتزامات الاجتماعية، كما هو الحال في حفل زفاف نموذجي وأداء مناسك الحج.

ويعرض وارنر (2008) تجربة الإثارة العاطفية لغناء القيثارة المقدسة مثالًا لكيفية فهم الطقوس من دون النظر في:

(1) كيف تولد الطقوس استجابة عاطفية.

(2) كيف أن هذه الاستجابة أكثر سوسيولوجية من كونها سيكولوجية في كل من المصدر والنتيجة

(3) كيفية التعامل مع الدين بصفته ظاهرة مجسدة تؤدي إلى رؤى أكثر دقة في ما يفعله الناس فعليًا في ممارساتهم الدينية وشبه الدينية.

ويوجه وارنر الانتباه نحو الفاعل الفرد وبعيدًا عنه على حد سواء. فمن ناحية، يعرض غناء القيثارة المقدسة بصفتها ظاهرة مجسدة وحسية. وتنبع القوة العاطفية لهذا الشكل من الموسيقى من صفاتها الديناميكية، فهي في الواقع أسلوب بدني وصاخب جدًا من الغناء. ولكن من ناحية أخرى، يعرض وارنر القيثارة المقدسة بوصفها وسيلة طقوسية للتلاحم الاجتماعي. وعلى حد تعبيره، “إنه من خلال طقوس، لا يكون الضمير الجمعي للمجتمع في المقام الأول واضحًا إلا إذا تم إحضارها إلى حيز الوجود (2008، ص 178). ومن المهم التأكيد على أن الطقوس في مثل هذه الحالات تزيد على مجرد التعبير عن العلاقات أو الهوية أو الأيديولوجية – فالطقوس تشارك في خلق مثل هذه الأمور (رابابورت 1999؛ كيرتزر 1988). وهذا يعني أن الطقوس تحدد شروط العضوية الطوعية في تلك الأنواع من المنظمات الاجتماعية التي تشكل المجتمع المدني.

إن إحدى الأفكار الرئيسة لـ “بيل” (1992) أنه لا يكفي أن نشير فقط إلى أن الفكر والفعل لا يمكن تمييزهما بشكل قاطع بالدقة الواضحة التي يفترضها عدد من العلماء عن طريق الخطأ – فوعي كيفية عمل طقوس كل من الفكر والفعل هو أمر ضروري أيضًا. ويحاجج بيل أن الطقوس تكسر النظام التصنيفي الطبيعي بفرض الثقافة، التي تعيد بعد ذلك تنظيم الظروف الكامنة وراء السلوك (انظر أيضًا أسد 1993؛ كولينز 2004؛ رابابورت 1999؛ ووثنو 1989). عادة ما تكون الطقوس بمثابة واجهة بين الأيديولوجية والفعل، وبخاصة عن طريق التلاعب بالعواطف. صاغ كولينز (2004) هذا المصطلح “السيلان المتبادل” في إشارة إلى ظاهرة أوسع للطاقة أو الإثارة أو اللذة التي تُحس عندما يشارك الناس معًا في مثل هذه التفاعلات الطقوسية المشحونة للغاية مثل العبادة الدينية أو الأحداث الرياضية. إن السيلان المتبادل الذي يحدث عندما يغني الناس بحماس معًا يخلق الإحساس القوي بالتضامن الاجتماعي (كولينز 2004).

ينظر رابابورت إلى العلاقة بين الطقوس الجماعية والشخصية من ناحية، والالتزام الاجتماعي والقيم المشتركة من ناحية أخرى (1999). ويقدم الطقوس على أنها “الفعل الاجتماعي الأساسي” ويعرضها في معظمها بصياغة دوركايمية تطغى فيها الطقوس على السلوك الجمعي عن طريق الانخراط الذي يؤثر بطريقة، من شأنها أن تعكس ما ستكون عليه المفاهيم المجردة تمامًا للقيمة والتوقعات المعيارية أو الالتزام الاجتماعي. قد تؤدي الطقوس، على سبيل المثال، إلى التزام اجتماعي بدعم شخص ما في معاركه المستقبلية- وهو التزام قد يكون مفهومًا بصورة غامضة جدًا أو حتى يجري تجاهله ببساطة – للمسؤولية التي يشعر بها شخصيًا وعميقًا، ويعترف بها المشاركون عمومًا في الطقوس. باستعارة مصطلحات بيل (1992)، يمكننا أن نقول إن مثل هذه الطقوس تسمح بالتكامل الاصطناعي بين الفكر والعمل. هذه الممارسات الطقوسية مثل الصلوات والرقص والغناء هي جزء لا يتجزأ من عدد من أشكال الحياة الجماعية؛ هذه الممارسات التي تؤدي إلى الشعور بالاستجابات التي تحظر سلوكيات محددة وتصف آخرى، وفي عملية التواصل الاجتماعي للأفراد، وفي كثير من الحالات تهدف إلى خلق مواطنين “مسؤولين” على غرار الممارسات المدنية العلمانية (رابابورت 1999).

ما ينبثق من هذه الدراسات هو تحويل الأفراد إلى أعضاء مسؤولين في المجتمع، أو ملتزمين راديكاليين، بحسب الحالة، وقد ينطوي على طقوس. إن تحمل المسؤولية هو مجرد حالة واحدة من ظاهرة أكبر، يشير بيل (1992) إليها بوصفها خلق “وكلاء طقوسيين”. يتصور بيل أنها عملية جدلية: “إن رسم تمييز بين نشاطات تلك العملية وغيرها، أو ما يمكن أن نسميه”الاستراتيجية الخارجية” للطقوس، يوازي ما يمكن تسميته”الاستراتيجية الداخلية”، وتوليد مخططات معارضة وتسلسل هرمي وإحالة من جانب الهيئة التي صُبغت بالمخططات التي تؤثر على الامتيازات المميزة وتمايز طقوس الأعمال نفسها. هذه الطريقة لإنتاج وكيل طقوسي … يمكن أن ينظر إليها على أنها الاستراتيجية الأساسية والمميزة لما يسمى السلوك الطقوسي” (بيل 1992، ص 106-7).

إن هذه الاستراتيجية المزدوجة للاشتغال الخارجي والداخلي ضرورية لتحمل المسؤولية لدى فوكو، وكذلك لأن هذه هي أهداف أساسية للتقنيات التأديبية (1979، 1980). كما عالج بيل الطقوس بوصفها مصدرًا للارتباط.

على الرغم من أن التأديب والعقاب يشددان بقوة على انتشار غزير للتقنيات التأديبية عبر الجسم الاجتماعي، تسلط كتابات فوكو اللاحقة عن السلطة والحكم الضوء على إنتاج رعايا مسؤولين ومنضبطين ذاتيًا من خلال استيعاب المفاهيم المعيارية للعدالة والحقيقة عبر وسائل أقل قسرًا (دين 1999). في حين حدد فوكو السياسة الحيوية والحكومة بوصفها أصل الدول الليبرالية الحديثة، اعترف أيضًا بتحول الدولة وتقنيات الحكومة في السياق المعاصر إلى النيوليبرالية ومنشأ دولة ما بعد الرفاه (دين 1999؛ فوكو 1991؛ روز 1996).

إن عمل العلماء في أدبيات الحكم بشأن طبيعة المواطنة في المجتمعات النيوليبرالية المعاصرة يتردد صداه بشكل أقوى مع بعض ممارسات منظمات المجتمع المدني، سواء كانت دينية أم علمانية، في بناء رأس المال الاجتماعي وتحمل المسؤلية الفردية. يكتسب تحمل المسؤلية بوصفه عملية أهمية خاصة لفهم الأنظمة النيوليبرالية الحديثة للحكم، حيث شهدت أجهزة الدولة والممارسات الحكومية تحولًا تاريخيًا على مدى العقود القليلة الماضية (ليمك 2002؛ روز 1999).

وتشارك الحكومة النيوليبرالية في تحويل المواطنين إلى أشخاص مستقلين قادرين على التنظيم الذاتي والمسؤولية عن حياتهم وسلوكهم من دون تدخل فعال من جانب وكالات الدولة (بورشيل 1996؛ دين 1996؛ جوردون 1991؛ روز 1996، 2000)؛ فهي تخلق مسافة بين قرارات المؤسسات السياسية الرسمية والفاعلين الاجتماعيين الآخرين، وتتصور هؤلاء الفاعلين الجدد بطرائق جديدة بوصفهم رعايا مسؤولين ومستقلين، وتسعى إلى العمل عليهم (أي على الفاعلين) عبر تشكيل حريتهم والاستفادة منها “(دو جاي 2000، ص 168). وتنطوي هذه العملية على جمع الأفراد والجماعات والمجتمعات المحلية على تحمل المسؤولية النشطة في مجالات الحياة الاجتماعية، بما في ذلك الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة والنشاطات الاقتصادية التي كانت تعد مجالًا لسلطة الدولة في الماضي القريب (بورشيل 1996؛ وروز، 1996) . ويشير دين إلى هذه الممارسات بوصفها “تقنيات وكالة”، بما في ذلك خطاب التمكين وتقنيات احترام الذات التي تشكل مواطنة المجتمع النيوليبرالي (1999، 168).

إن التوسع في المبادرات الدينية في حقبة ما بعد الرفاهية متجذر في آن واحد في كل من المفاهيم القديمة للإيثار الأخلاقي، فضلًا عن المثل العليا للمساءلة والمبادرة و”المسؤولية الشخصية” التي اكتسبت رواجًا سياسيًا في الآونة الأخيرة. في حين إن المنظمات الدينية المشاركة في برامج توعية المحرومين قد تكون مستوحاة من الدوافع الخيرية، فقد تكون مهتمة أيضًا أن يستغل المستفيدون الفرصة للنمو روحيًا، التي قد تنطوي على تغيير سلوكهم ليصبحوا أعضاء أكثر اعتمادًا على الذات وأكثر إنتاجية للمجتمع. هذا النهج للمؤسسات الخيرية والتوعوية أمر شائع بين المنظمات الإنجيلية، ويعكس ما يسمى بالعقيدة المحافظة الرحيمة التي جاءت في مكانة بارزة في عصر خفض النفقات والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية. وفي إطار جهودها الرامية إلى الجمع بين مفاهيم حب الجوار والتعاطف مع الفردانية والاعتماد على الذات، يتضمن هذا النهج للجمعيات الخيرية شكوكًا حميدة لدى الأشخاص المحتاجين إلى الصدقة (ساجر 2010؛ إليشا 2008). إنها تنطلق من خطاب التمكين واحترام الذات وأخلاقيات العمل التي تؤكد عل المثل العليا للمواطنة في عالم ما بعد الرفاه المعاصر. ولا يقتصر التأكيد على التمكين والتحسين الذاتي على المنظمات الدينية؛ إذ تبين البحوث انتشار هذه الأفكار في المنظمات العلمانية، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر المنظمات الحكومية (كرويكشانك 1999).

وسواء كانت المنظمات الدينية تخدم احتياجات أعضائها أم تدعم الحركات التقدمية للتغيير، فإن المنظمات الدينية بحاجة ماسة إلى الموارد اللازمة للتنشئة الاجتماعية الثانوية للأعضاء؛ وإلا قد يواجه الأعضاء الردة أو يفشلون في الالتحام بوصفهم مجموعة. وينطبق الشيء نفسه على مؤسسات المجتمع المدني العلمانية، وإن كان ذلك بدرجة أقل. ونظرًا إلى نقص التدخل الحكومي القسري، يمكن للمؤسسات في المجتمع المدني أن تطور تقنيات تأديبية/ انضباطية وذاتية متميزة ومنفصلة عن الدولة، بل قد تتعارض أحيانًا معها تمامًا. ومع ذلك، هناك فرق: فبعكس الجماعات العلمانية، تميل الجماعات الدينية أو شبه الدينية إلى الالتزام بعناد بمعتقداتها وممارساتها المميزة، وتحافظ عليها حتى في مواجهة محاولات الحكومة إخضاعها أو إبادتها، كما كان الحال في فشل الأنظمة الشيوعية السابقة في جميع أنحاء العالم في القضاء تمامًا على الدين في الحياة الاجتماعية.

كما نزعم هنا وجود علاقة أكبر بين الدين والحكومة من التعاون بين الحكومة والمنظمات الدينية في توفير الخدمات الاجتماعية للمواطنين. فالمنظمات الدينية تميل إلى الاستثمار بعمق في الطقوس، وتعمل في الغالب بهدف خلق وكلاء طقوسيين. يمتد تحليل “طلال أسد” لكيفية تشكيل الذوات الجديدة عبر ممارسة النشاطات الدينية- سواء كان الرهبان يطبخون وينسخون المخطوطات أم كان المسلمون يصلون- إلى تحليل فوكو للعلاقة بين الذات والطقوس والانضباط/التأديب (1993). ويكتسي هذا أهمية خاصة في سياق فهم كيفية عمل الطقوس بطريقة أو بأخرى من أجل ربط السلوك بالمثل العليا المشتركة والأشكال الذاتية للمشاركين. ومن ثم، فمن المهم أن يُدمج أثر الدين والطقوس على الذوات وعلى خلق مواطنين مستقلين دمجًا تامًا في الخطاب النظري الحالي بشأن الحكم/الحاكمية.

ولا ينكر أن الجماعات الاجتماعية تركز تركيزًا كبيرًا على الممارسات التي تنطوي على الحركات والاستجابات العاطفية للهيئات الفعلية في الفضاء وبمرور الوقت، سواء في لعبة البيسبول، أم حفل رفع العلم، أم الإحساس الآخر في وسط الصلوات، أم الشكلية الرسمية للأفخارستيا. وقد أبرز الباحثون آليات هذه الممارسات في السنوات الخمس عشرة الأخيرة عبر دراسات الطقوس والحياة الجماعية والدين المجسد (بيل 1992؛ تشافيز 2004؛ كولينز 2004؛ رابابورت 1999؛ شيلينج وميلور2007). وتستكمل هذه الدراسات مفهوم فوكو للجسد/ للهيئة، وتثير أسئلة مهمة عن دور الدين في المجتمع المدني. لا تؤكد دراسات الطقوس دائمًا الأبعاد القسرية والتأديبية للممارسات الدينية. بدلًا من ذلك، فإن خضوع الذات في السياق الطقوسي يؤدي إلى تجربة شعرية “أكبر من الحياة” (منيل 1995) أو “ممتلئة” (تايلور 2007)، وما هو مُقِيد بمعنى من المعاني قد يكون مُحرِرًا بمعنى آخر، وتجدر الإشارة إلى أن هذا هو الحال خصوصًا في سياق التعددية الدينية؛ حيث يصبح المرء حرًا في التحرك بين أشكال الممارسة.

إن المعتقدات والممارسات الدينية التي تحدث في المجتمعات التعددية متقطعة بطبيعتها؛ بمعنى أن المشاركين يتوقعون بشكل روتيني أن يتحولوا بطريقة أو بأخرى، أو يختلفوا عن غيرهم من الناس المألوفين أو العاديين، ويجلبوا تفاهمات أو قدرات جديدة. توجه مثل هذه الطقوس الدينية وشبه الدينية مثل القربان المقدس والحفلات الموسيقية الصاخبة (حفلات البانك روك punk rock concerts) الأتباع إلى نظرة عالمية- بقيمها وأعرافها الحاضرة- التي لا يتقاسمها المجتمع ككل- وهذا هو بيت القصيد. إن طقوس وممارسات المنظمات الدينية وشبه الدينية تغرس التميز، وبالتالي تميز الأفراد بوصفهم أعضاء في الجماعة. وقد تؤدي التعددية الدينية إلى نوع من التضامن العضوي المفرط، الذي يكون فيه التكامل المعياري للمواطنين مستحيلًا بالنظر إلى المعتقدات والممارسات المختلفة التي تختلف اختلافًا جذريًا. وهذا يثير مشكلة حاسمة بالنسبة إلى الديمقراطيات الليبرالية: فإذا سُمح بتعدد المنظمات الدينية، فكيف تُدار؟

وبالنظر إلى اهتمام الدولة بمسؤولية المواطنين والخطر على الدولة الذي تشكله المنظمات الدينية المارقة، فإن الحل الواضح هو إنشاء كنيسة -سواء في شكل كنيسة وطنية أم دين مدني أم أيديولوجية شيوعية أم أي تنظيم آخر- بوصفه وسيلة لضمان التنشئة الاجتماعية الثانوية الموحدة والتنظيم السلس للسياسة الحيوية. ومع ذلك، فإن ذلك غالبًا ما يكون غير ممكن، لأن العلمانية، أو على الأقل الحياد الديني، هي قيمة أساسية لمعظم الديمقراطيات الحديثة، وأيضًا بسبب تنوع الأفكار والمعتقدات بين المواطنين. إضافة إلى ذلك، قد يؤدي تبني دين معين إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية أو يدفع إلى ظهور حركات دينية راديكالية جديدة. وغالبًا ما تنشأ التوترات بين الديموقراطيات الليبرالية والدين، وذلك جزئيًا، لأن العلاقة التعاونية بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني أحيانًا لا تمنع تطور المنظمات الدينية التي تعارض الدولة.

كان فوكو على بينة من تعدد الأيديولوجيات ووجهات النظر العالمية النموذجية للديمقراطيات الغربية، ولكن هناك دلائل على الاستخفاف بأهمية هذه التعددية وآثارها الاجتماعية، وبخاصة في أعماله المبكرة. بدأ فوكو في أعماله اللاحقة، وبخاصة في كتاباته عن الروحانية، معالجة آثار التعددية، ولكن ليس على وجه التحديد فيما يتعلق بالممارسات الدينية المنظمة، كما أنه لم يتناول كفاية كيفية تشكيل التغيرات السياقية والتاريخية مكان الدين بين مؤسسات المجتمع المدني الأخرى. يمكن افتراض أن التعددية الدينية التي لها أهمية خاصة بالنسبة إلى المجتمع المدني والحكومة، نظرًا إلى وفرة الجماعات الدينية بالمقارنة مع المنظمات المدنية الأخرى، أكثر مقاومة للتدخل من جانب الدولة. وهذا يؤدي إلى ظهور علاقات معقدة بين الحكومة والدين في دول مختلفة (ديمراث 2001).

الخلاصة:

لقد فاجأ قرار باراك أوباما عدم إنهاء دعم جورج دبليو بوش للمبادرات الدينية، أو اعتناق توني بلير العام للإيمان، بعض أهل اليسار، ولكن هذه الخيارات ليس مستغربة إذا وقعت في سياق أكبر (زيليني وجودشتاين 2009؛ بينجهام 2012). وتعني مثل هذه السياسات استمرار التحول التدريجي إلى تفاعل أكبر مع المنظمات الدينية- تماشيًا مع المنطق الأساسي للحاكمية/الحكم- ذلك الذي حدث في الحكومات الليبرالية والمحافظة على حد سواء في جميع أنحاء العالم المتقدم. وفي حالة الولايات المتحدة، كما تقول ساجر، يجب ألا يثنينا الفشل في تقديم دعم كبير جدًا في التمويل الفعلي عن المضمون الرمزي والأيديولوجي للسياسات الجديدة. ومع ذلك، وكما تُظهر ساجر، فإن حجة المبادرات الدينية لا يمكن أن تُنحى جانبًا بالاعتماد على أسس دستورية:

“إذا كانت الحكومة تتعاون مع أنواع أخرى من المنظمات، يُفترض أن يكون لها أيديولوجيات خاصة بها، قد لا يكون من العدل استبعاد الجماعات الدينية تمامًا، خصوصًا بالنظر إلى صعوبة تعريف الدين” (ساجر 2010). وعلى الرغم من أحكام التأسيس والممارسة الحرة في دستور الولايات المتحدة، قد يكون من غير الدستوري عدم السماح لبعض الجماعات بوضع اجتماعي يتمتع به الآخرون. ولكن لا يمكن التغاضي عن أن الحفاظ على الوصول الديني إلى المجال العام للتفاعل المدني مع الدولة له تداعيات مهمة على شرعية الجماعات الدينية. وعلاوة على ذلك، تؤدي ظروف زيادة ارتباط الدولة مع المنظمات العلمانية غير الحكومية، إلى جانب الفصل الصارم بين الكنيسة والدولة، إلى انخفاض نسبي ملحوظ في تأثير الجماعات الدينية. وهذا هو السبب في أهمية وضع المسائل المتعلقة بالدين والحكومة ضمن إطار أوسع نطاقًا للمناقشات المتعلقة بمجتمعات ما بعد العلمانية.

يميز تايلور ثلاثة أنماط في التطور التاريخي للعلمانية في الغرب (2007). ينطوي الأول على تراجع الدين في المجال السياسي، وفصل الكنيسة عن الدولة بصورة أكثر وضوحًا. والثاني على حدوث تغيرات في الاعتقاد والممارسات. وتنطوي عملية العلمنة الثالثة على التحول من وجهة نظر دينية واحدة أو كنسية إلى تعددية المعتقدات الدينية الموجودة في المجتمعات المتقدمة المعاصرة. وفي هذا النمط الأخير من العلمانية، ينتقل الدين من حالة لا مثيل لها وغير مشكوك فيها إلى أن يكون خيارًا واحدًا بين خيارات كثيرة. وهو يولي أهمية خاصة للتعددية الدينية التي أعادت تشكيل طبيعة الحياة الدينية في العصر المعاصر (تايلور، 2007). وتؤثر التعددية الدينية واسعة النطاق على الثقافة بأكملها، كما يتضح، على سبيل المثال، في تغيير الأنواع الأدبية. تفسر كتابات توماس بينشون وتوني موريسون البواعث الدينية الانتقائية بأنها تمثل التوجه الثقافي ما بعد العلماني (مكلور 2007). من الناحية السياسية والتاريخية، يمكن القول إن هناك تحولًا مهمًا من “المجمع” بصفته مكان اجتماع مركزي ومقدس إلى مجموعة واسعة من نقاط التجمع المقدسة (ديتيين 2006). كان هذا بالطبع يقلق علماء الاجتماع الفرنسيين بعد دوركايم، على الرغم من أن قلق الدوركايمين كان منصبًا أكثر على فقدان الوحدة من تفتيتها.

وهذا مترابط منطقيًا: فتعدد الأيديولوجيات الدينية وشبه الدينية في المجتمع المدني يستكمل ويعقد طرائق السلطة/المعرفة لمشروطيات الحكم/الحاكمية. ويمكن افتراض أن التجريب مع الإيمان والطقوس يؤثر على دستور الأفراد بوصفهم فاعلين اجتماعيين، وهذا يمكن أن يدعم أو حتى يعزز مجموعة مذهلة من المخرجات المحافظة أحيانًا، والثورية في أحيان أخرى، في ظل ظروف التعددية الدينية والثقافية. وفي بعض المجتمعات، يمكن أن يعزز المجتمع المدني المناقشات بشأن القيم الاجتماعية، وفي بعض الحالات قد يقمع المناقشات ويهدد الحرية الفردية (أسد 1999). ومن الأهمية بمكان الاعتراف بالأساس الديني الذي يقوم عليه التوتر بين الأصوليين الدينيين وأولئك الذين يدعمون الديمقراطيات الليبرالية العلمانية. وقد انبثقت النقاط السياسية الحالية، مع مراعاة الآثار الأخلاقية والدينية، في سياق زيادة الاعتماد على المجتمع المدني بوصفه جزءًا من تكنيكات الحكم/الحاكمية. وعلى الرغم من الانقسامات الأكثر وضوحًا والممتدة، كما هو الحال في أيرلندا الشمالية والهند وباكستان ودول غرب آسيا، ففي الولايات المتحدة ومعظم أوروبا يتكون المجتمع المدني من أنواع مختلفة من المنظمات، وليس الدينية فحسب، ويشكل اعتماد الدولة على هذه المجموعة من المنظمات السياق بالنسبة إلى الحياة الدينية.

يجب أن نكون حذرين هنا للتمييز بين علاقة الدين بالقضايا السياسية وعلاقة الدين بالدولة (ديمراث 2001). لا يحول الفصل بين الكنيسة والدولة دون بث الآراء الدينية، إلا أن مبادرة الدولة للمنظمات الدينية تعني ضمنًا دورًا أكثر نشاطًا للدين. ومع ذلك، تسعى الحكومات الديمقراطية أحيانًا إلى الحكم بالدين باسم الجمهورياتية المدنية (بومان 1999). وفي بعض الحالات، قد تسعى أيديولوجية حكومية علمانية علنية إلى السيطرة على ممارسة العادات الدينية في المجال العام كما يتضح من الجدل بشأن حظر الحجاب في فرنسا. قد ينطوي الاضطهاد الديني أيضًا على إظهار علني لسلطة الدولة والعنف في المجتمعات الشمولية، كما يتضح من الأمثلة من الصين في ما بعد الثورة. في الواقع، لقد زعم يانج أن حظر الدين في الصين خلق “أسواقًا سوداء” للدين بطريقة زادت في الواقع من جاذبية بعض المجموعات الدينية أو شبه الدينية البديلة (يانج 2011).

ومن المؤكد أنه لا يمكن تصنيف الصين دولة ليبرالية جديدة، إلا أن التحرير المستمر ينطوي على قدر أكبر من الاستقلال الذاتي للأفراد، في مسائل الدين والضمير الفردي، وبالتالي تزايد التعددية في المعتقدات والممارسات والتوجهات الدينية. لقد كانت استجابة الحكومة الصينية معززة لبعض الممارسات، مثل الكونفوشيوسية، في حين إنها منعت غيرها، مثل المسيحية والفالون جونج. وعبر هذه العملية التحريرية التدريجية، يتحول المجتمع الصيني إلى نموذج جديد للحكم تُرفض فيه بعض المنظورات الدينية، بينما يختار بعضها الآخر أو يعتمد عليه بوصفه وسيلة للاستجابة وتحمل المسؤولية.

في تعليق على مسألة ما بعد العلمانية، يعترف هابرماس بالحجة التي يطرحها ويايتمان أن المنظمات الدينية لديها كثير لتساهم به في المجتمعات الديمقراطية (هابرماس 2006؛ ويايتمان 2002). غير أن الأفراد الدينيين قد يستندون في آرائهم أو قراراتهم إلى عقيدتهم بدلًا من العقل أو الحس المدني، الأمر الذي يمكن أن يكون مشكلة خطيرة في مسائل السياسة العامة في الديمقراطية التعددية. ومن هنا يزعم هابرماس أنه في حين ينبغي سماع كل صوت في عمليات المداولة الديمقراطية، هناك حاجة إلى “ترجمة” اللغة الدينية إلى لغة مفهومة للجميع عمومًا من أجل الحكم الجماعي (هابرماس 2006). ويضيف أيضًا أنه يجب على الأفراد الدينيين أن يفصلوا بين العقل العلماني والمقدس، وأن يعترفوا بأولوية الأول في المجال السياسي.

وهنا يحاول هابرماس أن يهيئ الظروف اللازمة لنجاح أفعال الخطاب في مجتمع ديمقراطي، وفي هذا السياق، يعامل هابرماس الدين بوصفه مجموعة من المعتقدات أولًا وقبل كل شيء. ومع ذلك، فإن المعرفة الأخيرة تصعب أو تعقد افتراض أن الدين يتعلق في المقام الأول بالمعتقدات على الأقل بطريقتين. أولًا، يميل المفهوم المعرفي للدين إلى الخلط بينه وبين الفلسفة – الفلسفة المعيبة تقنيًا – لأن الإيمان لا يمكن أن يُعامل على أنه استنتاجات غير مؤكدة. يشير كالهون، على سبيل المثال، إلى تصور هابرماس للخطاب الديني على أنه “تصور معرفي جدًا، وهو مفهوم يتضمن أطرافًا في نقاش – ربما ندوة أفلاطونية – يصلون إلى تفاهمات جديدة من دون تغيير ما في أنفسهم” (كالهون 2008، 2ب). في الواقع، تقدم جميع الأديان عقائد روحية وأخلاقية وفلسفية بشأن مواضيع إسكاتولوجية (أخروية)، ولكنها ليست التقاليد الفلسفية العلمانية نفسها، لأنها تستند في نهاية المطاف إلى الإيمان بدلًا من العقل. بالإضافة إلى ذلك، يميل هذا الرأي المعرفي إلى التغاضي عن جميع أبعاد الدين الأخرى، وبخاصة تلك الأقرب إلى حياة المجتمع الأكبر من المؤمنين خارج الكهنة وعلماء الدين.

وثانيًا، لا يظهر الناس الدينيون إلا قليلًا من الوعي أو الاهتمام بشأن العقيدة (بروثيرو 2008). يحقق عدد قليل من الطوائف الاتساق والوحدة في الاعتقاد عبر اتفاق غامض على بعض الآراء والمبادئ الدينية الأساسية من جانب أكثرية المشاركين. اللاهوت موجود، وبالتأكيد، يمكن أن يكون مؤثرًا جدًا. ومع ذلك، حتى معظم الكتابات الدينية الكنسية غالبًا ما تكشف عن نهج مخصص لحل المشكلة العملية والطقوس المُمارسة- وليس لمجرد معالجة المبادئ اللاهوتية أو الأيديولوجية المجردة. ولا ينبغي أن يوحي ذلك بفهم وظيفي للدين، بل يبرز فحسب التبعية الواضحة للأيديولوجية الدينية للوسائل، التي عادة ما تكون طقوسية، وتكمن وراء ما يبدو أمرًا أكثر أهمية بالنسبة إلى الدين: الإحساس بشعور التضامن الاجتماعي هو ما يربط الأفراد بصفتهم أعضاء مسؤولين في المجتمع الأخلاقي. إن فهم التقاطع بين الحكومة والدين والسلطة التأديبية لا يتطلب دراسة الجوانب المعرفية للتفاهمات الدينية فحسب، ولكن أيضًا الممارسات الدينية وشبه الدينية – والطقوس، وبعبارة أخرى، تلك التي غالبًا ما تكون بمثابة تقنيات للتكامل المعياري الضروري في إنتاج أعضاء مسؤولين في المجتمع.

وبما أن عمليات التدريب على تحمل المسؤولية في بعض الأحيان تعمل لمصلحة الدولة وأحيانًا ضدها، فإن العلاقة بين الطقوس الدينية والسياسة- وبخاصة مع الإشارة إلى التكامل المعياري للمواطنين- هي علاقة معقدة للغاية وتمثل بحثًا ناقصًا جدًا. إن أحد الألغاز التي دفعت العلماء الآن إلى إعادة التفكير في آرائهم تجاه الدين هو ميل البعض في المجتمعات الإسلامية في أوروبا إلى رفض القيم الليبرالية للغرب العلماني، ما يُعقد افتراضات التفوق الأصيل للديمقراطية الليبرالية وثقافة الحداثة. وفي ردّ (ليلا) على ادعاء الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، أن الديمقراطية الليبرالية لا تعمل، حاولت تحويل المحادثة إلى “أطفال روسو” (2007)، ولكن المشكلة بالتحديد هي الحماس العالمي المتزايد لوجود الدين في الساحة العامة، حيث إن إهمال تفرد الوضع الحالي والإفراط في الاعتماد على المخطط النظري القائم ليس جديدًا. (أسد 2003). إن إنكار تميز الحروب الثقافية الحالية -كالحال لدى بعض المؤلفين (ديميراث ويانج 1997)- هو ما يفوّت النقطة الأكبر في النقاط السياسية الحالية، مع كل الآثار الأخلاقية والدينية المتصلة بها (هنتر 1991). وفي مثل هذا السياق، ستستفيد أسئلة البحث من المواقف النظرية التي لا تقتصر على الافتراضات العلمانية.

في أواخر الستينيات، تنبأ عدد من علماء الاجتماع بتراجع الدين في الحياة الاجتماعية في الولايات المتحدة بعد الاتجاهات العالمية إلى العلمانية (بيرجر 1967؛ لوكمان 1967؛ بارسونز 1966). ربما يمكن للمرء أن يزعم بأمان أن التصريحات المتعلقة بموت الدين كانت مبالغًا فيها، فقد واصل الدين لعب دور مهم في الحياة المدنية في الديمقراطيات الغربية (ستارك 1999). وفي حين يبدو أن الإيمان والحداثة المتأخرة يشكلان زوجًا غريبًا نوعًا ما، فمن المهم أن نلاحظ أن دخول الدين في المجال العام لا يتبع مسارًا خطيًا في جميع المجتمعات، وأن المجتمعات الديمقراطية تتبنى طرائق مختلفة لتحقيق التوازن بين المجالات الدينية والعلمانية (أسد 1999؛ غورسكي وألتنوردو، 2008). تُظهر الدراسات الإثنوغرافية للمجتمعات الدينية أن الثنائيات بين المقدس/العلماني والدين/ الحديث هي مشكلة خاصة بالعصور الراهنة (براك 2008). وهكذا، بدلًا من التفكير في إما/أو (أي الثنائيات)، قد يكون من المفيد جدًا فحص العلاقة بين سلطة الدولة العلمانية والمؤسسات والممارسات الدينية، وما يترتب على ذلك من آثار على المجتمع المدني.

وفي هذا السياق ذاته، سيساعدنا مفهوم الحكم/الحاكمية على فهم أفضل للمحيط المتغير للعلاقة بين القوى الزمنية والدينية في بيئات اجتماعية وسياسية محددة. سوف تستفيد المناقشات بشأن ما بعد العلمانية من الفهم الأكثر دقة للتغيرات المؤسسية في داخل الدولة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنظر إلى إعادة تشكيل السلطة الحكومية في الديمقراطيات النيوليبرالية المعاصرة، وزيادة نفوذ بعض منظمات المجتمع المدني. وفي الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى الحاكمية من دون الإشارة إلى المنظمات الدينية وشبه الدينية التي تشكل في كثير من البلدان وجودًا مهيمنًا في المجتمع المدني. وبالتالي، فإن المعرفة المتعلقة بالحاكمية ستستفيد من توسيع نطاق التركيز ليشمل الدين والطقوس في تحليلات الطبيعة المتغيرة للسلطة الاجتماعية وتقنيات الحكم أو الإدارة.

إن البحث في العلاقة بين الحكومة والدين يجب أن يفسر عمل الدولة التعاقدي للمنظمات الدينية وشبه الدينية في شكل المبادرات الدينية، فضلًا عن دور الدين بوصفه مصدرًا مهمًا من مصادر تحميل المسؤولية. وبينما يجري العمل حاليًا على قضايا المستوى الكلي مثل المواطنة والأقليات الدينية في الديمقراطيات، ينبغي توجيه مزيد من الاهتمام التحليلي نحو العمليات المتوسطة والجزئية. لقد أدت البحوث التجمعية الأخيرة إلى نظرة ثاقبة إلى طبيعة المؤسسات الدينية ذاتها، وهذا متعلق بالمناقشات النظرية للحاكمية والمجتمع المدني. وتحتاج الاستفسارات المستقبلية أيضًا إلى معالجة دور الطقوس، العلمانية أو الدينية، في الممارسات المدنية لإنتاج المواطنين المسؤولين. وهناك سؤال بحثي ذو صلة، كما يقول برادوتي، هو شرح كيف أن الحركات الاجتماعية المدفوعة دينيًا تعبر عن بعض الانتقادات الأكثر حدة للعولمة والنيوليبرالية (بريدوتي 2008، 9 ب). وهكذا، قد يساعد الحوار البناء بين المعرفة الدراسية في علم اجتماع الدين وأدبيات الحاكمية- وبخاصة لفكر فوكو بشأن العلاقات بين الدين والممارسات الدينية والحكومة والمجتمع المدني والجسد في التوصل إلى فهم أكثر توازنًا للدور العمومي للدين في المجتمعات المعاصرة.

المراجع:

Ammerman, N. T. (2005a).Pillars of faith: American congregations and their partners. Berkeley: University of California Press.

Ammerman, N. T. (2005b). Connecting mainline protestant churches with public life. In R. Wuthnow & J. H.

Evans (Eds.),The quiet hand of god: Faith-based activism and the public role of mainline Protestantism) pp. 129–158). Berkeley: University of California Press.

Asad, T. (1987). On ritual and discipline in medieval Christian monasticism.Economy and Society, 16(2.( 159–203

Asad, T. (1993).Genealogies of religion: Discipline and reasons of power in Christianity and Islam.Baltimore: Johns Hopkins University Press.

Asad, T. (1999). Religion, nation-state, secularism. In P. van der Veer & H. Lehmann (Eds.),Nation and religion: Perspectives on Europe and Asia(pp. 178–196). Princeton: Princeton University Press.

Asad,T.(2003).Formations of the secular: Christianity, Islam, modernity. Stanford: Stanford University Press.

Barbato, M., & Kratochwil, F. (2009). Towards a post-secular political order.European Political ScienceReview, 1, 317–340.

Barbieri, W. (1998). Ethics and the narrated life.Journal of Religion, 78(3), 361–386.

Bartkowski, J., & Regis, H. (2003).Charitable choices: Religion, race and poverty in the post-welfare era,New York: New York University Press.

Bauman, Z. (1999).The multicultural riddle: Rethinking national, ethnic and religious identities. London:Routledge.

Bell, C. (1992).Ritual theory; ritual practice. New York: Oxford University Press.

Berger, P. (1967).The sacred canopy: Elements of a sociological theory of religion. Garden City: Doubleday.

Billings, D. (1990). Religion as opposition: a Gramscian analysis.American Journal of Sociology, 96(1), 1–31.

Bingham, J. (2012): Tony Blair says Christians should speak up and speak out.The Telegraph, July 24, 2012.

Bowman, J. (2012). Why cosmopolitanism in a post-secular age? Taylor and Habermas on European vs. American exceptionalism.Philosophy & Social Criticism, 38(2), 127–147.

Bracke, S. (2008). Conjugating the modern/religious, conceptualizing female religious agency: contours of a post-secular’ conjuncture.Theory, Culture & Society, 25(6), 51–67.

Braidotti, R. (2008). In spite of the times: the postsecular turn in feminism.Theory, Culture & Society, 25(6), 1–24.

Brökling, U., Krasmann, S., & Lemke, T. (Eds.). (2011).Governmentality: Current issues and future challenges. London: Routledge.

Burchell, G. (1996). Liberal government and techniques of the self. In A. Barry, T. Osborne, & N. Rose (Eds.), Foucault and political reason: Liberalism, neo-liberalism and rationalities of government(pp. 19–36). Chicago: University of Chicago Press.

Calhoun, C. (2008). Translation and transformation.The Immanent Frame. Retrieved from https://bit.ly/38GjDri

Carrette,J.R.(2000).Foucault and religion: Spiritual corporality and political spirituality.London: Routledge.

Casanova, J. (1994).Public religions in the modern world. Chicago: University of Chicago Press.

Casanova, J. (2006). Religion, European secular identities and European integration. In T. A. Byrnes & P. J.Katzenstein (Eds.),Religion in an expanding Europe(pp. 65–92). New York: Cambridge University Press.

Chaves, M. (2004).Congregations in America. Cambridge: Harvard University Press.

Chaves, M., & Tsitsos, W. (2001). Congregations and social services: what they do, how they do it, and with whom?Non-Profit and Voluntary Sector Quarterly, 30(4), 660–683.

Cnaan, R. A., Boddie, S. C., Handy, F., Gaynor, Y., & Schneider, R. (2002).The invisible caring hand: American congregations and the provision for welfare. New York: New York University Press.

Cohen, J. L., & Arato, A. (1994).Civil society and political theory. Cambridge: MIT.

Collins, R. (2004).Interaction ritual chains. Princeton: Princeton University Press.

Cruikshank, B. (1999).The will to empower: Democratic citizens and other subjects. Ithaca: CornellUniversity Press.

Curtis, S. (2001).The social gospel and the modern American culture. Columbia: University of Missouri Press.

De Vries, H., & Sullivan, L. E. (2006).Political theologies: Public religions in a post-secular world. New York: Fordham University Press.

Dean, M. (1996). Foucault, government and the enfolding of authority. In A. Barry, T. Osborne, & N. Rose) Eds.), Foucault and political reason: Liberalism, neo-liberalism and rationalities of government(pp.( 209–229) Chicago: University of Chicago Press.

Dean, M. (1999).Governmentality: Power and rule in modern society. London: Sage. Ghatak and Abel

Demerath, N. J., III. (2001).Crossing the gods: World religions and worldly politics. New Brunswick: Rutgers University Press.

Demerath, N. J., III, & Yang, Y. (1997). What American culture war? A view from the trenches as opposed tothe command posts and the press corps. In R. H. Williams (Ed.),Cultural wars in American politics(pp.17-38) Chicago: Aldine de Gruyter.

Detienne, M. (2006). The gods of politics in early Greek cities. In H. De Vries & L. E. Sullivan (Eds.),Political theologies: Public religions in a post-secular world(pp. 91–101). New York: FordhamUniversity Press.

Dillon, M. (2009). Can post-secular society tolerate religious differences?Sociology of Religion, 71(2), 139–156.

Donzelot, J. (1979).The policing of families. New York: Random House.

Du Gay, P. (2000).In praise of bureaucracy: Weber, organization, ethics. London: Sage.

Elisha, O. (2008). The moral ambitions of grace: the paradox of compassion and accountability in evangelical faith-based activism.Cultural Anthropology, 23(1), 154–189.

Ferrara, A. (2009). The separation of religion and politics in a post-secular society.Philosophy & Social Criticism, 35(1–2), 77–91.

Foucault,M.(1972).The archaeology of knowledge and the discourse on language. New York: Pantheon Books.

Foucault, M. (1979).Discipline and punish: The birth of the prison. New York: Vintage.

Foucault, M. (1980).Power/knowledge: Selected interviews and other writings 1972–1977. New York: Pantheon Books.

Foucault, M. (1990).The history of sexuality, volume I: An introduction. New York: Vintage Books.

Foucault, M. (1991). Governmentality. In G. Burchell, C. Gordon, & P. Miller (Eds.),The Foucault effect: Studies in governmental rationality(pp. 73–86). Chicago: University of Chicago Press.

Foucault, M. (2004).Society must be defended: Lectures at the Collège de France, 1975–76. Hammondsworth: Penguin.

Foucault, M. (2008).The birth of biopolitics: Lectures at the Collège de France, 1978–1979. New York: Palgrave Macmillan.

Gill, R. (1998).Churchgoing and Christian ethics. Cambridge: Cambridge University Press.

Gordon, C. (1991). Governmental rationality: An introduction. In G. Burchell, C. Gordon, & P. Miller (Eds.),The

Foucault effect: Studies in governmental rationality(pp. 1–52). Chicago: University of Chicago Press.

Gorski, P. S., & Altinordu, A. (2008). After secularization.Annual Review of Sociology, 34,55–85.

Gramsci, A. (1971).Selections from the prison notebooks. London: Lawrence and Wishart.

Habermas, J. (2006). Religion in the public sphere.European Journal of Philosophy, 14(1), 1–25.

Habermas, J. (2008). Notes on post-secular society.New Perspectives Quarterly, 25(4), 17–29.

Habermas, J. (2010).An awareness of what is missing: Faith and reason in a post-secular age. Cambridge: Polity.

Herbert, D. (2003).Religion and civil society: Rethinking public religion in the contemporary world. Aldershot: Ashgate.

Hodgkinson, V., & Weitzman, M. (1993).From belief to commitment: The community service activities and finances of religious congregations in the United States. Washington, DC: Independent Sector.

Hunter, J. D. (1991).Culture wars: The struggle to define America. New York: Basic Books.

Jessop, B. (2006). From micro-powers to governmentality: Foucault’s work on statehood, state formation, statecraft and state power.Political Geography, 26(1), 34–40.

Joseph, J. (2010). Limits of governmentality: social theory and the international. European Journal of International Relation, 16(2), 223–246.

Kertzer, D. I. (1988).Ritual, politics, and power. New Haven: Yale University Press.

Lemke, T. (2002). Foucault, governmentality and critique.Rethinking Marxism, 14(3), 49–62.

Lenski, G. (1961).The religious factor: A sociological study of religion’s impact on politics, economics, and family life. Garden City: Doubleday.

Lichterman, P. (2008). Religion and the construction of civic identity.American Sociological Review, 73(1), 83–104.

Lilla, M. (2007). The politics of God.New York Times Magazine, August 19, 2007. Retrieved from http://nyti.ms/2LOighf

Lockhart, W. H. (2005). Building bridges and bonds: generating social capital in secular and faith-based poverty-to-work programs.Sociology of Religion, 66(1), 45–60.

Luckmann, T. (1967).The invisible religion. New York: Macmillan.

Luker, R. E. (1991).Social gospel in black and white: American racial reform, 1885–1912. Chapel Hill: University of North Carolina Press.

McClure, J. A. (2007).Partial faiths: Postsecular fiction in the age of Pynchon and Morrison. Athens: University of Georgia Press.

McNeill, W. H. (1995).Keeping together in time: Dance and drill in human history. Cambridge: Harvard University Press.

Nadesan, M. H. (2008).Governmentality, biopower and everyday life. London: Routledge.

Parsons, T. (1966). Religion in a modern pluralistic society.Review of Religious Research, 7, 125–146. Power/Faith 233

Piehl, M. (1982).Breaking bread: The Catholic worker and the origins of Catholic radicalism in America. Philadelphia: Temple University Press.

Pieper, C., & Young, M. (2010). Religion and post-secular politics. In K. Leicht & J. C. Jenkins (Eds.),Handbook of politics: State and society in global perspective(pp. 349–365). New York: Springer.

Pipes, P. F., & Ebaugh, H. R. (2002). Faith-based coalitions, social services, and government funding. Sociology of Religion, 63(1), 49–68.

Polson, E. C. (2008). Inter-organizational ties that bind: exploring the contributions of agency–congregation relationships.Sociology of Religion, 69(1), 45–65.

Prothero, S. (2008).Religious literacy: what every American needs to know—and doesn’t.NewYork: HarperOne.

Putnam, R. (2000).Bowling alone: The collapse and revival of American community. New York: Simon and Schuster.

Rappaport, R. A. (1999).Ritual and religion in the making of humanity. Cambridge: Cambridge University Press.

Rosati, M. (2010). Post-secular society, transnational religious civilizations and legal pluralism.Philosophy & Social Criticism, 36(3–4), 413–423.

Rose, N. (1996). Governing‘advanced’ liberal democracies. In A. Barry, T. Osborne, & N. Rose (Eds.), Foucault and political reason: Liberalism, neo-liberalism and rationalities of government(pp. 37–64).Chicago: University of Chicago Press.

Rose, N. (1999).Powers of freedom: Reframing political thought. Cambridge: Cambridge University Press.

Rose, N. (2000). Government and control.British Journal of Criminology, 40(2), 321–399.

Rose, N., & Miller, P. (1992). Political power beyond the state: problematics of government.British Journal of Sociology, 43(2), 172–205.

Rose, N., O’Malley, P., & Valverde, M. (2006). Governmentality.Annual Review and Law and Social Science. 83-104

 

Sager, R. (2010).Faith, politics, and power. New York: Oxford University Press.

Segers, M. C. (1978). Equality and Christian anarchism: the political and social ideology of the Catholic workers movement.Review of Politics, 40(2), 196–230.

Sending, O. J., & Neumann, I. B. (2006). Governance to governmentality: analyzing NGOs, states and power. International Studies Quarterly, 50(3), 651–672.

Shilling, C., & Mellor, P. A. (2007). Cultures of embodied experience: technology, religion and body pedagogics.The Sociological Review, 55(3), 531–549.

Silverman, C. (2000).Faith-based communities and welfare reform: California religious community capacity study. San Francisco: Institute for Non-Profit Organization Management, University of San Francisco.

Smith,A.D.(2003).Chosen peoples: Sacred sources of national identity. New York: Oxford University Press.

Stark, R. (1999). Secularization, RIP.Sociology of Religion, 60(3), 249–73.

Streensland, B. (2002). The Hydra and the swords: Social welfare and mainline advocacy, 1964–2000. In R. Wuthnow & J. H. Evans (Eds.),The quiet hand of god: Faith-based activism and the public role of

mainline Protestantism(pp. 213–236). Berkeley: University of California Press.

Swyngedouw, E. (2005). Governance innovation and the citizen: the Janus face of governance-beyond-thestate.Urban Studies, 42(11), 1991–2006.

Taylor, C. (2007).A secular age. Cambridge: Harvard University Press.

Tocqueville, A. (1988).Democracy in America. New York: Harper Perennial.

Torpey, J. (2010). A (post-)secular age? Religion and the two exceptionalisms.Social Research: An International Quarterly, 77(1), 269–296.

Turner, V. (1969).The ritual process: Structure and anti-structure. Chicago: Aldine Transaction.

Unruh, H. R., & Sider, R. J. (2005).Saving souls, serving society: Understanding the faith factor in church based social ministry. New York: Oxford University Press.

Walters, W., & Haahr, J. H. (2005).Governing Europe: Discourses, governmentality and European integration. London: Routledge.

Warner, R. S. (2008). Presidential address: singing and solidarity.Journal for the Scientific Study of Religion,47(2),90-175.

Weithman, P. J. (2002).Religion and the obligations of citizenship. Cambridge: Cambridge University Press.

White House. (2009).“Obama Announces White House Office of Faith-based and Neighborhood Partnerships.” Office of the Press Secretary.

Wilson, J., & Janoski, T. (1995). The contribution of religion to volunteer work.Sociology of Religion, 56(2), 137–52.

Wind, J. P., & Lewis, J. W. (1994a).American congregations: Volume 1, portraits of twelve religious communities. Chicago: University of Chicago Press.

Wind, J. P., & Lewis, J. W. (1994b).American congregations: Volume 2, new perspectives in the study of congregations. Chicago: University of Chicago Press.Ghatak and Abel

Wineburg, R. J. (2001).A limited partnership: The politics of religion, welfare, and social service. New York: Columbia University Press.

Wood, R. L. (1997). Social capital and political culture: god meets politics in the inner city.American Behavioral Scientist, 40(5), 595–605.

Woolever, C., & Bruce, D. (2002).A field guide to U.S. congregations: Who’s going where and why? Louisville: Westminster John Knox.

Wuthnow, R. (1987).Meaning and moral order: Explorations in cultural analysis. Berkeley: University of California Press.

Wuthnow, R. (1989).Restructuring of America’s religion: Society and faith since WW II. Princeton: Princeton University Press.

Wuthnow, R. (1999). Mobilizing civic engagement: The changing impact of religious involvement. In T. Skocpol & M. P. Fiorina (Eds.),Civic engagement in American democracy(pp. 331–366). Washington DC: Brookings Institution Press.

Wuthnow, R. (2004).Saving America? Faith-based services and the future of civil society. Princeton: Princeton University Press.

Yang,F.(2011).Religion in China: Survival and revival under communist rule. New York: Oxford University Press.

Zeleny, J. & Goodstein, L. (2009). White House faith office to expand.New York Times, February 5, 2009.


(*) قدّم ميشيل فوكو مصطلح “الحاكمية” Governmentality في سبعينيات القرن الماضي، في سياق تحقيقاته بشأن السلطة السياسية. تُعد الحكومة، على حد تعبيره في ملخص مقرره الدراسي 1977-1978، بعنوان “الأمن والأرض والسكان”، “نشاطًا يتعهد بإدارة الأفراد طوال حياتهم عن طريق وضعهم تحت سلطة دليل/ حاكم مسؤول”(فوكو 1997، ص 68). أو، على حدّ تعبيره في تلخيص مقرره الدراسي 1979-1980 “بشأن حكومة الأحياء”، تُفهم “الحكومة” بالمعنى الواسع للتقنيات والإجراءات اللازمة لتوجيه السلوك الإنساني. ويتصل هذا المفهوم بفن ممارسة الحكم الذي استخلصت مبادئه من الفضائل التقليدية، “الحكمة والعدالة والحرية واحترام القوانين الإلهية والعادات الإنسانية”، أو من القدرات المشتركة، مثل “الحكمة والقرارات المدروسة”؛ الأمر الذي يُفسح المجال لكل ما يمكن أن يُعزز الدولة وقوتها، التي تسعى إلى التدخل في عادات ونشاطات الموضوعات وإدارتها، انظر:

Nikolas Rose, Pat O’Malley and Mariana Valverde: Governmentality, Legal Studies Research Paper, No. 09/94, 2009, p.1.